الدكتور أحمد الإدريسي.. عبقرية لغوية في مهب الجحود والنسيان
عبدالجبار العلمي
كان أستاذنا الدكتور أحمد الإدريسي ـ رحمه الله ـ عبقرياً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وذلك بشهادة كل معارفه وأقرانه وطلابه. ولكنه وُجد في بلد لا يعطي الاعتبار للعلم والمعرفة، ولا يكرم المتفوقين من أبنائه، ولا يعترف بما قدموه في حياتهم من أعمال جليلة بكل تفانٍ ونكران ذات.
وما يؤسفني كلما تذكرته ـ وذكراه عصية على النسيان ـ هو أن ما ترك من كتابات وأعمال علمية قيمة، لم يتح لها الخروج إلى النور، ولم تفكر الجهات المعنية بالثقافة والبحث العلمي ـ لا الجامعة التي عمل بها سنوات طويلة وتولى رئاسة إحدى شعبها، ولا وزارة الثقافة المغربية، ولا حتى بعض الجمعيات المحلية بمدينته تطوان ـ أن تنهض بنشر بعض أعماله العلمية القيمة في مجال مهم هو: فقه اللغة واللسانيات. وهذه مناسبة لنجدد عليه الرحمات، ولنذكر أفضاله على أجيال من الطلبة والباحثين، ستحسب له في دار البقاء بعد أن غادر دار الفناء والجحود.
ملامح من مرحلة الصبا والتعليم الثانوي
عرفناه منذ مرحلة الصبا أستاذاً بالتعليم الثانوي (الإعدادي)؛ كان من المعلمين المجدين الذين انتدبوا للتعليم الثانوي لتغطية الفراغ الهائل الذي عرفه التعليم بعد ترحيل الأساتذة المصريين في بدايات سنوات الستين فجأة لأسباب سياسية.
كنت محظوظاً بالتتلمذ عليه في السنة الثانية من الثانوي في “ثانوية جابر بن حيان” بتطوان. فقد كان يحفظنا في درس النحو أبياتاً من ألفية ابن مالك التي كان يحفظها “كالماء” (كما يقال)، وكان يدرسنا نصوصاً أدبية جميلة في درس المحفوظات، أذكر منها:
هجاء كافور للمتنبي.
“غير مجد في ملتي واعتقادي” للمعري.
وصف الجبل لابن خفاجة.
“ولغير العلا مني القلى والتجنب… ولولا العلا ما كنت في الحب أرغب” للشريف الرضي.
“وأعجبت بي بين نادي قومها أم سعد… فمضت تسأل بي” لمهيار الديلمي، وغيرها..
ولم يكن يكتفي ـ رحمه الله ـ بشرح معاني الأبيات، بل كان يضع يدنا على مواطن الجمال الأدبي فيها، ويجعلنا نتذوقها ونتلذذ طعمها الحلو كقطع الحلوى أو الشوكولاتة، وكان دائماً يحفزنا على حفظها. كما كان يوجهنا إلى المطالعة الحرة واقتناء الكتب، بل أذكر أنه دعانا إلى تكوين خزانة للكتب داخل القسم، واختار لها لجنة وقيماً عليها، وكنا نتبادل تلك الكتب فيما بيننا فنقرؤها ونحاول تلخيصها.
أما في درس الإنشاء، فكان يختار نماذج من إنشاءات بعض التلاميذ الجيدة، ويكلف أصحابها بقراءتها علينا، فيثني الثناء المستحق على الموضوع الذي توفق في كتابته صاحبه، منبهاً إلى الأخطاء العامة التي على الجميع أن يتجنبها في الموضوع الآتي.
لا أخفي عنك، كنت من المعجبين بهذا الأستاذ الجليل المتقد ذكاءً، المتحمس لمهنته، الغيور على أبنائه وإخوته من التلاميذ.
المسار الجامعي والتميز الأكاديمي
وشاءت الصدف أن نحصل أستاذي وأنا على الباكالوريا الأدبية المزدوجة في نفس السنة الدراسية (1965 – 1966)، والتحقتُ وزملاء لي ـ كانوا كلهم أصدقاءه الذين يعزهم ويعزونه، أذكر منهم هنا بعض الأسماء المعروفة أمثال: محمد الشيخي، نجيب العوفي، العياشي أبو الشتا، ومحمد القماص ـ بكلية الآداب بظهر المهراز بفاس، حيث كان ما يزال أبناء مدينته يستكملون إجازتهم في إطار نظام الشهادات، منهم: محمد بوخزار وإبراهيم الخطيب.
وقد تسجّل هو بالكلية ليتابع الدراسة بطريقة غير منتظمة، فقد كان آنذاك قد عُيّن حارساً عاماً بثانوية القاضي عياض، ثم مديراً لمؤسسة ثانوية بالناضور. ويعلم الجميع أنه كان يحصل على أعلى النقط التي تخول له المرتبة الأولى في السنوات الجامعية الأربع.
سجّل موضوعه لنيل دبلوم الدراسات العليا بالرباط حول: “أصول النحو العربي من خلال كتاب ‘الاقتراح’ للسيوطي في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة”، وذلك تحت إشراف الأستاذ تمام حسان، وقد تمت مناقشتها بكلية الآداب بالرباط بتاريخ: 25 – 5 – 1977، كما أكد ذلك مشكوراً الصديق الأستاذ عبد القادر الخراز؛ وقد صححتُ المعلومة التي أوردتها سهواً حول موضوع الرسالة والأستاذ المشرف بناءً على تصحيحه وتوثيقه.
أما الأستاذ أحمد الأخضر غزال، الذي ورد ذكره سهواً على أنه كان المشرف على رسالة أستاذنا، فقد حظينا بالتتلمذ عليه بكلية الآداب بظهر المهراز بفاس (وأذكر أنه كان يأتي من الرباط كل خمسة عشر يوماً ليقدم لنا درساً في فقه اللغة في سنة من سنوات الإجازة).
العطاء في الجامعة ومرحلة الدكتوراه
عُيّن الأستاذ أحمد الإدريسي أستاذاً بكلية الآداب بالرباط، وكان دائماً إلى جانب طلبته. ويذكر زميله وصديقه الأستاذ القاص والباحث المرموق أحمد بوزفور أنه كان رجل المواقف النبيلة، سواء إلى جانب طلبته أو إلى جانب زملائه الأساتذة، وخاصة حين انتُخب رئيساً لشعبة اللغة العربية وآدابها بالكلية، التي كانت تضم ثلة من خيرة أساتذة اللغة واللسانيات، أذكر منهم: الأستاذ أحمد العلوي والأستاذ المتوكل.
سجّل بحثه لنيل الدكتوراه في مصر بالقاهرة، وكان عنوانها: “تداولات الخطاب ولسانيات السكاكي”، وذلك تحت إشراف الدكتورة تغريد السيد عنبر، واستمر في عمله الجامعي بكليته العتيدة بالرباط.
مجالس تطوان والزهد في النشر
ومن جميل الصدف أن ألقاه وأجالسه عدة مرات حين كنت أزور صهري بحي السلام الجديد آنذاك، حيث كان يقطن في مرحلة من مراحل حياته بالرباط وعمله بالكلية. كانت الجلسة معه حقاً مفعمة بالمتعة والفائدة والطُّرف والسخرية، وهذا يعرفه عنه أصدقاؤه وزملاؤه وطلبته القدامى الذين كانوا يجلسون معه في أشهر مقاهي تطوان.
وكان يحفظ الكثير من نصوص الشعر العربي المعاصر للرواد، بل ويجيد فهمها وتحليلها، وكان يحفظ جل قصائد صديقه الشاعر أحمد المجاطي عن ظهر قلب، وقد ذكر هذا الدكتور عزيز الحسين الذي عني بدراسة شعره في كتابين: “شعر الطليعة في المغرب” و “خصوصية النص الشعري الطليعي“.
هناك الكثير مما يقال عن هذا الأستاذ العلامة النابغة. وما كان يحز في نفسي شخصياً، هو أنه لم يـُتح له طبع عملَيه الأكاديميَّين. وحين كنت أصادفه لدى زيارتي الصيفية بتطوان، أسأله متى يطبع عملَيه، فيجيب بأنه بصدد الإعداد لذلك؛ لكن يبدو أنه كان زاهداً في النشر، مثله مثل أستاذنا الدكتور أمجد الطرابلسي وأستاذنا أحمد اليبوري، الذي لولا إلحاح طلبته عليه بضرورة إخراج أعماله للنور لما فعل.
خاتمة ووفاء
وكم كنت معتزاً عميق الاعتزاز حين رأيت أستاذي وصديقي الكبير سي أحمد الإدريسي في حضرة نجيب محفوظ، ضمن مجموعة من أدباء ومثقفي المغرب في جلسة أدبية نقلتها وسائل الإعلام المغربية؛ وأعرف أنه كان من قراء نجيب محفوظ المواظبين المواكبين لجديده.
الأستاذ الدكتور الإدريسي نابغة من نوابغ تطوان والمغرب، لا يجود به الزمان إلا نادراً، وقد خسرناه وهو في قمة عطائه ونضجه. رجل لا يمكن أن يمحوه النسيان من ذاكرة الثقافة المغربية ولغتنا العربية الجميلة وآدابها.
رحمه الله رحمة واسعة.
