سانت بطرسبورغ والناتو والحرب الطويلة: مؤشرات على مرحلة جديدة من المواجهة

سانت بطرسبورغ والناتو والحرب الطويلة: مؤشرات على مرحلة جديدة من المواجهة

د. زياد منصور

       مع دخول الحرب الروسية ـ الأوكرانية مرحلة أكثر تعقيداً، لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على خطوط التماس والجبهات التقليدية، بل اتجهت بصورة متزايدة نحو استهداف البنى التحتية الحيوية والعمق الاستراتيجي للطرفين. وفي هذا السياق، تكتسب الضربات التي تستهدف المنشآت الاقتصادية والطاقة والنقل أهمية تتجاوز آثارها الميدانية المباشرة، لأنها ترتبط بمحاولات متبادلة للتأثير في الحسابات السياسية والاستراتيجية للخصم وإعادة تشكيل مسار الصراع.

فاستهداف البنية التحتية النفطية في سانت بطرسبورغ بواسطة الطائرات المسيّرة الأوكرانية يمكن النظر إليه على أنه أكثر من مجرد عمل رمزي، بل لا ينبغي اختزاله في هذا البعد وحده.

فقد وقع الهجوم في يوم افتتاح منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، الذي يُعد الواجهة الروسية الأبرز لإظهار الاستقرار والاستثمار والمشروعات الكبرى والقدرة على الصمود في السياسة الخارجية، حتى إن البعض يطلق عليه اسم “دافوس الروسي”.

وعلى هذا المستوى يبدو الهجوم بالفعل ضربة إعلامية ورمزية تستهدف إظهار أن الحرب قادرة على الوصول حتى إلى المدينة التي يحاول الكرملين من خلالها أن يبرهن للعالم أن روسيا تعيش حياة طبيعية وتواصل التطور. غير أن هذه الضربة تشكل جزءاً من اتجاه أوسع وأهم.

فبعد الهجوم الروسي الواسع على كييف ومدن أوكرانية أخرى، جاء هذا الحدث مناسباً أيضاً للسلطات الأوكرانية، إذ وفر لها رداً عاطفياً مفهوماً للرأي العام: فروسيا تضرب العاصمة الأوكرانية، وأوكرانيا قادرة على الوصول إلى سانت بطرسبورغ.

وقد وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه العمليات بأنها «عقوبات بعيدة المدى»، مؤكداً أنها تهدف إلى تقريب السلام. ووفقاً لتصريحاته، فإن من بين الأهداف التي أصيبت محطة سانت بطرسبورغ النفطية الواقعة على مسافة تقارب 1100 كيلومتر من الحدود الأوكرانية، إضافة إلى أهداف عسكرية في كرونشتادت.

لكن إذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، فإن الأمر لا يتعلق بالرمزية أو بالحرب الإعلامية فحسب، بل بمحاولة لتغيير منطق الحرب ذاته. فكييف تسعى إلى إخراج فلاديمير بوتين من منطقة الراحة، أي دفع القيادة الروسية إلى مواجهة ضغوط وتكاليف لم تكن محسوبة ضمن استراتيجيتها الأصلية للحرب. فموسكو تراهن على إدارة الصراع بصورة تدريجية مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي واستمرار الحياة الاقتصادية بصورة شبه طبيعية. ومن خلال نقل الهجمات إلى العمق الروسي واستهداف منشآت حيوية واقتصادية، تسعى كييف إلى إظهار أن الحرب لم تعد بعيدة عن الداخل الروسي، وأن استمرارها سيترتب عليه أثمان سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة. والهدف النهائي من ذلك هو دفع الكرملين إلى إعادة حساباته الاستراتيجية والقبول بتسوية أو تغيير نهجه الحالي في إدارة الحرب، وكذلك كسر السيناريو القائم على الاستنزاف البطيء، وإظهار أن استمرار الحرب سيصبح أكثر كلفة بالنسبة إلى موسكو مع مرور الوقت.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة لأن استراتيجية الكرملين الحالية، وفق ما توحي به أفعاله، لا تقوم على التصعيد الحاد، رغم الحديث المتكرر في أوكرانيا وأوروبا عن تعبئة جديدة أو تصعيد واسع أو حتى أزمة نووية. فالنهج الروسي الفعلي يقوم على مواصلة الضغط التدريجي على الجبهة، واستنزاف القوات المسلحة الأوكرانية، وتجنيد المتعاقدين، وضرب البنية التحتية الأوكرانية، من دون تحويل روسيا نفسها إلى دولة تعبئة شاملة.

ولهذا السبب يواصل الكرملين الحرب، وفي الوقت نفسه يعقد المنتديات الاقتصادية والانتخابات والاحتفالات الإقليمية ويطلق مشاريع البناء ويتحدث عن ارتفاع الأجور. فالسلطات الروسية تحاول الحفاظ على الانطباع بأن الحياة الطبيعية مستمرة.

ويستند هذا النهج إلى قناعة روسية مفادها أن الزمن يعمل لصالح موسكو؛ فروسيا تراهن على أن أوكرانيا ستُستنزف قبلها، وأن أوروبا ستتعب من الأعباء المالية، وأن مخازن الأسلحة الغربية ستفرغ أسرع مما يمكن تعويضها، وأن أزمات الشرق الأوسط وإيران ستشتت انتباه الولايات المتحدة وحلفائها، وترفع أسعار النفط، وتعزز الوضع المالي الروسي.

وفي المقابل تدرك كييف هذه الحسابات، ولذلك تحاول تغيير «ثمن الحرب» بالنسبة إلى روسيا عبر نقل الضغط إلى الداخل الروسي واستهداف منشآت النفط واللوجستيات والقواعد العسكرية والموانئ وطرق الإمداد.

غير أن لهذا التصعيد جانباً آخر؛ فبعض القوميين الروس يستخدمون الضربات الأوكرانية ذاتها للدعوة إلى مزيد من التصعيد، معتبرين أن روسيا إذا كانت تتعرض لخسائر خطيرة، فيجب عليها رفع سقف المواجهة عبر التعبئة أو حتى التلويح بالخيارات النووية.

وهكذا ينشأ وضع متناقض: فكييف تسعى إلى دفع موسكو نحو وقف الحرب، بينما يستخدم المتشددون الروس الضربات نفسها للضغط على الكرملين كي يصبح أكثر تشدداً.

الآن، لا توجد مؤشرات حالياً على استعداد بوتين لوقف القتال على خطوط التماس، كما لا تظهر مؤشرات على تبني الخيار النووي الذي يتحدث عنه بعض المتشددين. فالكرملين ما زال يعتقد أن بإمكانه تحقيق مكاسب إضافية، وفي الوقت نفسه يدرك أن التصعيد النووي ينطوي على مخاطر هائلة، منها احتمال المواجهة مع حلف شمال الأطلسي والعزلة الدولية وردود الفعل السلبية من الصين ودول الجنوب العالمي.

ومن هنا تنبع الصيغة الروسية الحالية: مواصلة الضغط المنهجي على الجبهة، وزيادة الضربات ضد المدن والبنية التحتية الأوكرانية، والاستفادة من النقص الأوكراني في وسائل الدفاع الجوي، وانتظار تراجع الدعم الغربي أو تصاعد الضغوط الأمريكية على كييف.

فالحرب تحولت تدريجياً إلى صراع قدرة على التحمل والاستنزاف، حيث لا تستطيع أي من الدولتين تحقيق اختراق حاسم، فيما تتزايد أهمية الضربات بعيدة المدى والطائرات المسيّرة.

كما أن أياً من الطرفين لا يستطيع حماية جميع أهدافه الحيوية بصورة كاملة، وأن التطور السريع في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة يجعل وسائل الهجوم أرخص وأكثر انتشاراً، بينما تبقى وسائل الدفاع أكثر كلفة وأصعب إنتاجاً.

دون شك، فإن الهجوم على سانت بطرسبورغ ليس مجرد حادثة معزولة أو ضربة رمزية مرتبطة بمنتدى اقتصادي، بل هو مؤشر إلى مرحلة جديدة من الحرب، أصبحت فيها الأطراف المتحاربة أقل إيماناً بإمكانية التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات وحدها، وأكثر اعتماداً على الضغوط العسكرية والاقتصادية والنفسية المتبادلة.

فالخطر الرئيسي يكمن في أن استمرار هذا المسار التصاعدي من دون حل سياسي قد يؤدي في النهاية إلى حادثة أو قرار يوسع نطاق الصراع بصورة كبيرة. ولذلك فإن إنهاء الحرب سياسياً يبقى، السبيل الوحيد لإزالة هذا الخطر بشكل حقيقي، أما ما عدا ذلك فليس سوى محاولة لإدارة تصعيد يزداد خطورة مع مرور الوقت.

إن الرهان على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية والإعلامية المتزايدة ستدفع موسكو إلى التراجع أو القبول بشروط أقل مما تريده، قد لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة التي يتوقعها أصحاب هذا الطرح. فالتاريخ يُظهر أن الدول الكبرى، عندما تشعر بأن أمنها الاستراتيجي أو مكانتها الدولية باتا مستهدفين، تميل في كثير من الأحيان إلى التشدد لا إلى التراجع. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار توسع الضربات في العمق الروسي، وتصاعد الخطاب السياسي الغربي الداعي إلى إضعاف روسيا استراتيجياً، وما يراه الكرملين محاولات للتأثير على الرأي العام الروسي وتأليب المجتمع على قيادته، قد يدفع دوائر القرار في موسكو إلى الاقتناع بأن الصراع لم يعد يتعلق بأوكرانيا وحدها، بل بمكانة روسيا ومستقبلها كقوة دولية. وعندئذ قد يخلص بوتين وفريقه إلى أن الحسم الأكثر صرامة، سياسياً وعسكرياً، أقل كلفة من استمرار حرب استنزاف مفتوحة. ولهذا فإن أوروبا وجماعتها في أوكرانيا مطالبة بألا تغفل حقيقة أن الضغوط المتزايدة قد تنتج أثراً معاكساً، فتدفع خصمها إلى مزيد من التشدد بدلاً من دفعه نحو التسوية، وهو ما قد يطيل أمد الحرب ويرفع مستوى المخاطر على جميع الأطراف.

هكذا فبعض المواقف والتصريحات الصادرة عن مسؤولين غربيين لا تسهم في تهدئة المشهد بقدر ما تعزز مناخ المواجهة. فالتصريحات التي أطلقها الأمين العام لحلف الناتو خلال زيارته كييف، وما تضمنته من رسائل موجهة إلى الداخل الروسي، يمكن أن تُقرأ في موسكو بوصفها جزءاً من سياسة أوسع تستهدف ليس فقط دعم أوكرانيا، بل التأثير على المجتمع الروسي ذاته وإضعاف تماسكه الداخلي. ومهما كانت النوايا الحقيقية وراء هذه التصريحات، فإنها توفر مادة إضافية للتصعيد، وتأكيد حقيقة أن روسيا لا تواجه أوكرانيا وحدها، بل تخوض مواجهة مباشرة مع الغرب بأسره. إذ إن هناك قطاع واسع من النخب السياسية والعسكرية الروسية ينظر إلى مثل هذه التصريحات باعتبارها دليلاً إضافياً على أن الحلف لم يعد يكتفي بدعم أوكرانيا دفاعياً، بل يشارك سياسياً وإعلامياً في محاولة التأثير على الداخل الروسي ومعنويات المجتمع الروسي. وعندما يوجه أمين عام الناتو خطاباً مباشراً إلى الشباب الروس محذراً إياهم من الالتحاق بالجيش، فإن ذلك يُفسَّر في الأوساط الروسية على أنه تدخل مباشر في الجبهة الداخلية الروسية، وليس مجرد تعليق سياسي.

فعليا، تسهم هذه التصريحات في تأزيم الموقف، سواء في مضمونها المباشر، بل أيضا في تأثيرها النفسي والسياسي داخل روسيا. فكلما ازداد اقتناع صانعي القرار في موسكو بأن الصراع يتجاوز أوكرانيا إلى مواجهة مع الغرب بأسره، تراجعت فرص التسوية السريعة، وازدادت احتمالات التمسك بخيار الحسم العسكري أو مواصلة الحرب لفترة أطول. وهذا لا يعني أن التصريحات وحدها هي التي تحدد مسار الحرب، لكنها تصبح جزءاً من بيئة سياسية وإعلامية تدفع كل طرف إلى التشدد، في وقت تتراجع فيه مساحة الحلول الوسط والتسويات الممكنة

ومن الناحية التحليلية، فإن أحد أخطر أخطاء الحروب يتمثل في افتراض أن الطرف الآخر سيتصرف وفق الحسابات التي نرغب بها نحن، لا وفق الحسابات التي يراها هو مناسبة لأمنه ومصالحه. لذلك تبقى احتمالات التصعيد قائمة كلما ازدادت القناعة لدى موسكو بأن الهدف لم يعد تعديل سلوكها فحسب، بل إضعافها أو المساس باستقرارها الداخلي، وهي قناعة يمكن أن تدفعها إلى خيارات أكثر حدة مما شهدته مراحل سابقة من الصراع.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!