رواية “الظل الداخلي” لمونيا موندب.. الكتابة النسائية وفن الإصغاء الداخلي
شامة اليعقوبي
غدت الكتابة النسائية في المغرب ذات مكانة لافتة في المشهد الروائي المعاصر، بحيث استطاعت الكاتبات المغربيات، منذ عقود، أن يجعلن من الرواية فضاء للتعبير ومساءلة الذات والمجتمع، ولم تعد هذه الكتابة مجرد نقل لتجارب فردية أو حكايات خاصة، فقد صارت مجالا لفتح أسئلة عميقة حول العائلة والجسد وقضايا أخرى مثل أشكال القهر ومسارات التحرر الممكنة. وبهذا اكتسبت الرواية المكتوبة بأقلام نسائية قيمتها لأنها منحت الهامش صوتا، وحولت التجربة الحميمية إلى مادة أدبية قادرة على ملامسة قضايا إنسانية أوسع. وتنبع قوة هذه الكتابة من قدرتها على الانطلاق من الداخل نحو العالم، فالذات في الرواية النسائية المغربية لا تنغلق على جراحها كما لا تكتفي بسرد انكساراتها، ولكنها تجعل من تلك الجراح مدخلا لفهم المجتمع والعلاقات الإنسانية، وهكذا يتحول الحميمي إلى أفق للقراءة وتصبح الشخصية النسائية مرآة تعبر عن التوتر بين الموروث والحرية والحاجة إلى بناء حياة جديدة.
في هذا السياق تأتي رواية “الظل الداخلي” Ombre Inferieure لمونيا موندب، الصادرة عن دار أوريون، باعتبارها عملا أول يختار الإصغاء إلى الذات مدخلا للكتابة. ومن خلال عنوان النص، تقود الرواية القارئ إلى منطقة داخلية غامضة حيث تستقر الذاكرة، وتبقى الجراح القديمة حاضرة في شكل ظلال صامتة. إنها رواية عن الإنسان حين يحاول أن يفهم ما تركه الماضي في أعماقه، وعن المرأة حين تسعى إلى استعادة صوتها بعد سنوات من الصمت والاحتمال. ولإبراز كل هذا تتمحور الرواية حول شخصية ميساء، وهي فتاة تعبر مراحل دقيقة في طريقها نحو النضج واكتشاف الذات، لا تقدمها الكاتبة في صورة مكتملة أو جاهزة، وإنما شخصية تتردد وتخطئ ثم تبدأ بالتدريج في تسمية ما يوجعها. قوتها تصنعها قدرتها على مواجهة هشاشتها، ومن هنا يكتسب مسارها معناه في رحلة من الارتباك إلى الوعي.. ومن الانكسار إلى القبول.. ومن الخوف إلى المصالحة.
تبدو الكتابة في رواية “الظل الداخلي” أشبه بمساحة ببيت رمزي تعود إليه الذات لكي تنصت إلى صوتها القديم، وتستحضر مونيا موندب صورة الطفلة الداخلية التي ظلت تطلب أن يصغي إليها أحد. صورة تمنح الرواية أحد مفاتيحها الأساسية، فالنص يقتفي الأثر الذي تتركه التجارب في النفس من منعطفات وأسئلة مؤجلة. ومن خلال ميساء، تكتب موندب عن المرأة الحديثة في تعقيدها الإنساني، امرأة قوية وقادرة على النجاح في الحياة، لكنها تجد صعوبة في العثور على نفسها. ويمنح هذا التمزق بين صورة القوة الخارجية وحاجة الداخل إلى الطمأنينة الرواية بعدها الوجداني، فميساء تبحث عن سلام ومعنى يجعل الماضي قابلا للفهم ويساعدها على مواصلة الطريق. وبذلك يحضر البعد الروحي في الرواية بوصفه أحد مسالك التوازن الداخلي، فالشخصية تواجه ضجيج العالم وفي نفس الوقت تصغي إلى صوت أعمق يمنح التجربة دينامية، ويجعل المصالحة مع الذات قريبة من فعل تطهير داخلي. لذلك تبدو الرواية مفتوحة على أسئلة تحويل الألم إلى معرفة هادئة بالنفس.
من منظور آخر وفي قراءة أفقية للرواية، فإنها لا تقدم حكاية شخصية فقط، إنها تندرج ضمن مسار أوسع في الكتابة النسائية المغربية، بحيث تتحول التجربة الفردية إلى صيغة للتعبير عن هموم مشتركة، فكل قارئ يستطيع أن يجد في مسار ميساء شيئا من تجربته. فالرواية تكتب هشاشة الإنسان دون مبالغة وتمنح الألم لغة قريبة من القلب وسؤالا عن كيف يمكن أن نتصالح مع ما كنا عليه دون أن نبقى أسرى له؟ وهكذا تتأكد قيمة هذه الرواية حين نضعها داخل التعدد اللغوي الذي يميز الأدب المغربي، فالكتابة النسائية في المغرب لا تصدر من لغة واحدة ولا تتحرك داخل أفق تعبيري واحد.. وإنما هناك نصوص تكتب بالعربية، وأخرى بالفرنسية والانجليزية والألمانية والاسبانية وبالأمازيغية، وكل لغة تحمل معها نبرة خاصة وطريقة مميزة في الاقتراب من الذات والعالم، هذا التعدد لا يشتت التجربة وإنما يغنيها، لأنه يعكس تاريخ المغرب الثقافي بتداخل روافده وتنوع حساسياته.
ومن خلال ما سبق، تنتمي رواية “الظل الداخلي” إلى كتابة نسائية مغربية معاصرة تجعل من الداخل مجالا للتأمل ومادة للسرد. إنها رواية أولى تحمل صوتا جديدا يختار الحميمي طريقا نحو الكوني، ويؤكد أن الأدب النسائي المغربي، مهما اختلفت لغاته، يواصل بناء أرشيف حساس للحياة الواسعة، والرغبة في أن تقول المرأة حكايتها بصوتها الخاص.
