ثقافة الرفض وثقافة العبيد.. تفكيك البنية النفسية للمجتمع المغربي
اليزيد البركة
عبيد الأسياد ما يزالون أحياء إلى اليوم
طالعتُ ملصقا جميلا يعلن عن الدورة السابعة والعشرين لموسيقى “كناوة” يومي 26 و27 يونيو تحت شعار: “شباب العالم: الحرية، الهوية، والمستقبل”. وذلك بدعم وحماسة من عدة جهات، بما فيها “جامعة باركلي للموسيقى” التي تقع في بوسطن، وليس “جامعة بيركلي” المتعددة العلوم، وهي جامعة قديمة جداً تأسست عام 1868 وتقع في كاليفورنيا.
عادت بي الذاكرة بعد مطالعة الملصق إلى نقاش لي مع بعض السيدات من مدينة فاس، السنة الماضية في القطار السريع الرابط بين مراكش وفاس. كنت أنا وشابٌ سينزل معي هو الآخر في البيضاء، الرجلين الوحيدين في المقصورة، بينما كان باقي الركاب نساء تتراوح أعمارهن بين سن الثلاثين والخمسين، وكلهن من مدينة فاس.
كانت النسوة في قمة الفرح والسرور مما شعرن به في الدورة السابقة السادسة والعشرين لموسيقى كناوة بالصويرة في نفس هذا الشهر من السنة الماضية. وكانت العبارات المستعملة للتعبير عن ذلك الشعور هي: موسيقى “غزااالة” مع تمطيط في مد الألف، وتجيب أخرى: “فنّّة” مع المبالغة في تشديد النون وتمطيطها. وقد امتد التعبير عن فرحهن إلى الكلام عن الصوت المبحوح، وكيف أن الآلة نفسها تصدر صوتاً مبحوحاً هو الآخر، وكل واحدة تذكرت صورة علقت بذهنها وشرحت أثرها في نفسها، وكيف جعلتها تنسى كل أحزان حياتها.
كان الشاب يستمع باهتمام، وكنت أنا نفسي أنصت جيدا لكل ما يقال من دون أن أبدي أي علامة تشير إلى أنني أتابع حديثهن، وكنت منشغلا بالنظر إلى البراري من نافذة المقصورة طوال المدة التي فاقت نصف الساعة وهن يتحدثن عن موسيقى كناوة.
عندما قالت امرأة، يظهر أن لها مستوى تعليميا عاليا، إنها في بعض الأحيان تشعر وسط تلك الموسيقى في هزيع ذلك الليل أن ملَكا يهبط من السماء ليمحو الأحزان من قلبها، توجهتُ إليها وقلت لها بالدارجة – لكن سأكتب ما قلت باللغة الفصيحة-:
“سيدتي (أللا)، إن تلك الموسيقى هي تعبير عن تاريخ العبيد في المغرب، هي موسيقى الألم والشقاء والظلم، وليست للفرح والسرور. المستمع إليها يجب أن يشعر بالخزي وليس بالفرح”.
نزل كلامي على النساء كالصاعقة، ولم يعرفن كيف يعارضن رأيي، وكاد النقاش يحتد لولا تدخل الشاب، وشابة كانت معهن ظلت طوال الوقت صامتة، حيث قالت إن تلك الموسيقى أشعرتها بالحزن، ولم تكن تعرف السبب، ولكن كلام هذا الرجل أعطاها السبب، ويظهر أنه يعرف عما ذا يتكلم. وقد انتهت تلك الرحلة بسلام بتدخلهما.
تذكرت هذا أمس الاثنين 22 يونيو وأنا مسافر إلى مسقط رأسي بجنوب المغرب، وقلت في نفسي: لماذا نفس العبيد في أمريكا أنتجوا موسيقى حزينة كذلك، ولكنها تحمل التمرد على الواقع والغضب من الأسياد؟ ولماذا أبناء وأحفاد الأسياد في أمريكا إما أن يشعروا بالخزي من ذلك التاريخ مثل غالبية الشعب الأمريكي، أو يتنطعوا ويتنكروا له؟
السبب أن عبيد المغرب لم يتمردوا حقيقة على الواقع، بل تعاملوا مع الأسياد بخنوع، ولما تفرعنوا كان ذلك من أجل السيد وضد الفقراء والفلاحين البسطاء والتجار الصغار. والأسياد ظلوا يعشقون هذا الخنوع فيهم وفي تلك الموسيقى الخالية من التمرد، على عكس أغاني وموسيقى “عبدة” التي عبرت عن تمرد الفلاحين الصغار ضد الأسياد والقياد، أو ما نظمه مغنو “سوس” ضد القياد والطغاة.
في الحقيقة، تتشكل ثقافة المغرب العامة من ثلاثة أقطاب رئيسية:
- قطب ثقافة الأسياد: المبنية على الإخضاع طوعا أو كرها، وفيها ألوان.
- ثقافة الرفض: المبنية على التطلع إلى الحرية والكرامة، وفيها ألوان.
- ثقافة العبيد: وهي مبنية على الخنوع والرضى بالإذلال، وفيها ألوان تتعدى العبيد لتنتشر منذ زمن بعيد وسط جيوب في المجتمع.
المجتمع المغربي لم يسبق له أن حقق أية ثورة اجتماعية (بالمفهوم الحديث)، ولذلك هو ما يزال يجمع الكثير من القضايا المتنافرة وغير المفرزة، مع العلم أنه عرف ثورة عارمة دامت عدة سنوات شارك فيها الأمازيغ وبقايا الفينيقيين واليهود والعبيد والرومان المضطهدون من طرف الأسياد، وذلك في القرن الرابع الميلادي، وتسمى “ثورة الدوناتيين” أو “الجوالين”. وهي ثاني ثورة في العالم رفعت شعار “الأرض لمن يحرثها” بعد ثورة مصر التي سبقت المغربية وكانت الأولى عالمياً، ولكن الثورة المغربية تجاوزت المصرية في عدة شعارات أخرى مثل تحرير العبيد.
من ضمن ما هو غير مفرز اليوم، ثقافة الرفض متعددة الشظايا، بحيث لم تستطع لحد الآن أن تتبلور كثقافة مكتملة الأركان في القيم الإنسانية العليا. فأتعجب كيف استطاع الأمازيغ في القرن الرابع الميلادي أن يجمعوا كل فئات المجتمعات في شمال إفريقيا -وليس فقط في المغرب الأقصى- ضد الاستعمار الروماني وضد أذنابه وخدامه، وإذا بنا اليوم نرى ونسمع أن هناك من يريد أن يربط نضاله الآن ورفضه بتاريخ الرومان وعبيده وخدامه! هذا تعبير عن ثقافة الرفض غير الواعي في الوقت الحالي، والتي تجر الشعب المغربي إلى أن يكون استمرارا لعبودية الرومان.
أن يحب أبناء وأحفاد ثقافة الأسياد اليوم، وحتى أبناء وأحفاد ثقافة الرفض، موسيقى كناوة هو شيء عادي كفن موسيقي عبر عن تاريخ مؤلم، لكن لا يجب علينا أن نقبل، كـ “ثقافة ديمقراطية” للمجتمع المغربي، تحويل تلك الموسيقى لتؤدي أدوارا سياسية وإيديولوجية تخدم الخنوع والسيطرة.
كما أننا نتفهم الأبعاد الإنسانية والثقافية واللغوية للأمازيغية، ولكن لا يمكن أن نقبل كـ “ثقافة عامة” للشعب المغربي أي ثغرة سياسية أو إيديولوجية تنسل إليها ترمي إلى فرض العرقية والإثنية، وإعادة تمجيد العبودية والاستعمار الروماني وعبيده بدعوى أنهم بنوا حضارة راقية في شمال إفريقيا.
الأمازيغي المغربي في جنوب المغرب، وفي وسطه، وفي شماله، عندما يقول “أرومي” ويشحن العبارة بحمولة “عديم الرحمة وبدون قلب”، فهو يعني بها المستعمر الفرنسي، وهي نفس الكلمة التي كان قد استعملها ضد الرومان، وحافظ عليها منذ ذلك التاريخ القديم جدا ليطلقها على كل الطغاة والجبابرة، سواء أكان مغربيا أو غير مغربي، أو كان من أي عرق بما فيه الأمازيغ.
فلا تحيدوا عن هذه الثقافة النبيلة الممتدة لآلاف السنين، ولا تجرونا إلى معانقة تاريخ استعماري عبودي.
