أحداث سبتة.. لماذا كل هذا الانزعاج الأوروبي؟

أحداث سبتة.. لماذا كل هذا الانزعاج الأوروبي؟

حـسـن زهـيـر

            كلّنا يعلَم أنّ الهجرة ليست ظاهرة جديدة، لكن كيف نُفسّر هذا الاستنفار الأوروبي، وليس الإسباني فقط،  رسمياً، إعلامياً وشعبياً إزاء “أحداث سبتة”؟ لنترك جانباً التفسيرات المرتبطة  بالخوف من الهجرة غير النظامية باعتبارها تُشكّل، كما تقول الدول الأوروبية، عبئاً اجتماعياً ومالياً ومرتعاً للجريمة المنظمة وشبكات التهريب، إلخ.  ولنبدأ القصة من حيث يجب البدء. حسَب صحيفة إلباييس الإسبانية، بدأت الأحداث بعد صدور قراراً للمحكمة العليا الإسبانية اعتبر أنّ الإعادة الفورية للمهاجرين لا تنطبق على الأشخاص الواصلين عبر البحر. تلته إشاعات متواصلة على مواقع الفضاء الرقمي تفيد بأنّ معبر “باب سبتة” فُتح بالكامل.

      بعد ذلك تطورت الأمور ، بشكل متسارع، إلى أن أصبحت إشكالية “عبور المهاجرين إلى سبتة” موضوع الساعة على المستوى الأوروبي والعالمي، كما تجلّى ذلك بوضوح في البيان الجماعي المشترك الذي جاء نتيجة مبادرة أطلقتها إيطاليا والدنمارك، ولقيت تأييداً واسعاً وسريعاً من طرف 22 دولة أوروبية من بينها: النمسا، السويد، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، فيلندا، التشيك، بولندا، كرواتيا، اليونان، قبرص، مالطا، إلخ. بيان رفَض بشكل مطلق “استغلال ملف الهجرة  أو غيرها من التهديدات الهجينة التي تخلق انطباعاً أنه بالإمكان دخول الاتحاد الأوروبي، وأن هذا الدخول يمكن أن يتحوّل، لاحقاً، إلى إقامة قانونية”.

     هذا البيان دفع مجلس العدل والشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي إلى الانعقاد، بشكل عاجل، لمناقشة تطورات أحداث سبتة وتداعيتها الإقليمية والدولية. الاجتماع الذي أكد في بيانه، الصادر يوم الثلاثاء 4 غشت 2026، على “ضرورة مواصلة مكافحة شبكات تهريب المهاجرين بلا هوادة”، مُشدّداً أن “تأمين الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي مسؤولية أوروبية مشتركة”، وذلك في إطار الاستعداد لاتخاذ ما يلزم من تدابير واجراءات صارمة في الاجتماع الوزاري وقمة المجلس الأوروبي في أكتوبر المقبل.

    لا يبدو من خلال الطريقة والسرعة التي تطور بها النقاش السياسي الواسع، رسمياً وإعلامياً، أننا أمام مجرّد موجة عابرة للهجرة غير النظامية، بل من المُتوقّع، في المستقبل المنظور، أن تتم إعادة رسم طبيعة النقاش السياسي والفكري من أجل التداول حول قضايا، شديدة الحساسية، داخل الاتحاد الأوروبي من قبيل الانقسام السياسي الحاد بين اليمين واليسار، وبين “يمين اليمين” و “يسار اليسار”، حول قضايا الهجرة والأمن والحدود وحقوق الإنسان، بالإضافة كذلك إلى أم القضايا، أي المسألة الشائكة حول العلاقة بين أوروبا و”غيرها” الثقافي.

      لقد كانت أوروبا، في الماضي القريب، ترى أنها من الطبيعي أن تذهب هي عند الغير (الاستعمار ونتائجه)؛ أما أن يقصدها هذا الغير ويستقر في ربوعها، فهذا ما لم تتحمّله طويلاً، فباتت تنظر إلى نفسها على نحو الإمبراطورية الرومانية، أي عبارة عن قلعة مُتمدّنة ومحاصرة من لدن أقوام لا تعرف ما القانون؟ وما النظام؟ وهنا يكمن السر التاريخي والنفسي الذي يقف وراء انزعاج أوربا الدائم من مسألة “هجرة الجنوب “، فهي  تعتقد أنها تخوض حرباً مقدّسة ضد الهمجية البربرية. فلا غرابة، إذن، أن نقرأ ونسمع عناوين صحافية عن “أحداث سبتة”، كما في وول ستريت جورنال الأميركية مثلاً، من قبيل: “المغاربة يغزون إسبانيا!”، أو في صحيفة ديلي إكسبريس البريطانية: “معركة من أجل مستقبل حضارتنا!”، أو في راديو جنوة الإيطالي: “أوروبا تتعرض لهجوم إسلامي”، إلخ. وأن نلاحظ، كذلك، في إعلام اليمين الأوروبي، عموماً، رواجاً كثيفاً لمفردات مثل: “الغزو الإسلامي”، “التهديد الوجودي”، “تأمين الحضارة”، إلخ من المصطلحات التي تعكس، شئنا أم أبينا، شعور العامة في الغرب. هذا الشعور قد يرفضه بعض المثقفين، لكن من المستبعد أن تصمد أمامه النخب السياسية الأوروبية المقرّرة مهما كانت ألوانها الإيديولوجية.   

شارك هذا الموضوع

حسن زهير

باحث وكاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!