المقاومة المسلحة بالأطلس من الدفاع عن المجال إلى بناء ذاكرة المقاومة
المختار عنقا الادريسي
عتبة أساسية
لم يدخل الاستعمار الفرنسي إلى الأطلس باعتباره مجرد قوة عسكرية تريد احتلال مجال جغرافي جديد، وإنما دخل فضاء اجتماعا وقبليا شديد التعقيد، كان الجبل فيه أكثر من تضاريس، وكانت القبيلة أكثر من تجمع سكاني، وكانت الأرض مرتبطة بالكرامة والاستقلال وبحق الجماعة في تدبير شؤونها. ولهذا لم يكن إخضاع الأطلس مهمة عسكرية بسيطة. فكلما تقدمت القوات الفرنسية في اتجاه مناطق جديدة، إلا ووجدت نفسها أمام مقاومة تستمد قوتها من معرفة السكان بالمجال، ومن طبيعة التضاريس، ومن شبكات التضامن القبلي، ومن قدرة المجموعات المحلية على المباغتة وإعادة تنظيم الصفوف. ومن هنا نفهم لماذا أصبحت المقاومة المسلحة بالأطلس واحدة من أطول وأعقد حلقات المواجهة مع التوسع الاستعماري في المغرب. وقد يتبادر إلى الذهن سؤال أساسي نلخصه في:
أين كانت المرأة في الخريطة العسكرية للمقاومة الأطلسية؟ علما أنها تمثل جزءا من المجتمع الذي خاض شرف النضال. رغم أن الكتابة التاريخية التقليدية لم تكن دائما تراها بوصفها فاعلا تاريخيا مستقلا.
أولا: من المقاومة الجماعية إلى ذاكرة المرأة
إذا كنا ممن يقرأ المقاومة الأطلسية باعتبارها فعلا جماعيا، فإن استعادة أسماء النساء المقومات يتيح لنا أن نعيد بناء جانب ظل طويلا في الهامش. ومن هنا لا نريد أن نكتب عن أي من سيدات المقاومة الأمازيغية الأطلسية، أمثال: (ظهو نعيشة – محجوبة السحاقية – فاضمة رحو الشقيرية…) باعتبارهن حالة معزولة. بل نريد أن نسأل عن المرأة الأطلسية في زمن المقاومة:
- هل كانت مشاركة كل منهن امتدادا لأدوارها الاجتماعية التقليدية؟ أم أنهن اضطلعن بمهام جديدة فرضتها الحرب؟
- هل كان المجال القروي والقبلي يمنحهن إمكانات للحركة والمشاركة التي لم تكن متاحة في ظروف أخرى؟
- هل بقيت أدوارهن في الذاكرة لأنها كانت استثنائية، أم أن ما وصلنا لا يمثل إلا جزءا ضئيلا من مشاركات نسائية أوسع؟
ثانيا: من المقاومة المسلحة إلى الذاكرة التي لم تكتمل
لقد كانت المقاومة الأمازيغية بالأطلس، مسارا طويلا ومتدرجا… اختلفت فيه مواقع القبائل… تبدلت موازين القوة… تعددت أشكال المواجهة… استمرت معها عمليات الإخضاع العسكري زمنا طويلا، بعد أبرز المعارك. ومن الخطأ اختزال هذا التاريخ في أسماء القادة وحدهم. فوراء كل واحد منهم كانت هناك جماعة. وخلف كل مقاتل أسرة. وفي محيط كل معركة مجتمع كامل يتحمل كلفة الحرب. ومن صلب هذا المجتمع خرجت النساء أيضا، بعضهن بقيت أسماؤهن شاهدة عليهن، وأخريات تحولن إلى حكايات، وبعضهن لم يبق منهن شيء تقريبا. و”ظهو نعيشة” واحدة من الأسماء التي استطاعت أن تفلت من النسيان الكامل.
ثالثا: من تاريخ المقاومة إلى بورتريه السيدة “ظهو نعيشة”
بعد الإشارة إلى الأطلس باعتباره مجالا للمقاومة المسلحة، نستطيع أن نقترب من إحدى النساء اللواتي كن يتحركن داخله. وأن نسأل من هي “ظهو نعيشة”، ونسأل كيف استطاعت امرأة من مجتمع الأطلس أن تجعل من موقعها ومعرفتها بجغرافية منطقتها وعلاقاتها جزءا من المقاومة؟
محاولين قراءة ما وصلنا عنها في ضوء السياق العام للمقاومة، مع الفصل بين: ما ترويه المصادر، وما ترويه الذاكرة، وما تستنتجه القراءة التاريخية. وبالتالي فالانتقال إليها لن يكون انتقالا من “التاريخ” إلى “السيرة” فقط، وإنما من المشهد العام إلى الإنسان الذي عاش داخله. ومن المعركة كما تسجلها الخرائط والتقارير إلى المقاومة كما عاشتها امرأة قد لا تظهر في تلك الخرائط أصلا. ومن هنا يبدأ الجانب الأكثر إنسانية وفكرية في ملف مقاومة النساء الأمازيغيات بالأطلس.
السيدة “ظهو نعيشة” حارسة الظل وأيقونة المقاومة الصامتة بالأطلس
مدخل أولي: ليست كل مقاومة هي بندقية
في تضاريس الأطلس الشاهقة، حيث لا تقاس البطولة بقرقعة السلاح وحدها، غالبا ما تستوقفنا صور الرجال في ساحات القتال… أسماء القادة… المعارك… الكمائن… الشهداء، وحين تحضر المرأة في هذه السردية، فكثيرا ما يجري اختزال حضورها في أدوار تبدو للوهلة الأولى هامشية: كإعداد الطعام… إيواء المقاومين… مداواة الجرحى… نقل المؤن… غير أن المقاومة في جوهرها ليست دائما هي المواجهة بالسلاح، بل بالقدرة على إبقاء جذوة الثورة متقدة في الخفاء، وقد يكون وصول معلومة في اللحظة المناسبة، أو تحذيرا يسبق الخطر، أو خبرا ينقل من قرية إلى أخرى، فتتغير به هندسة المعركة وحساباتها.
ومن هذه الزاوية -بالضبط- تبرز السيدة “ظهو نعيشة” المرأة التي تحفظ لنا الروايات المتاحة اسمها كرمز شامخ للمرأة المغربية، لا باعتبارها مجرد قريبة من المقاومين، وإنما لأنها امرأة أدارت معارك كاملة من وراء الستار. وكانت لها وظيفة ذات قيمة إستراتيجية تتمثل في: الاستعلام والإخبار والتنبيه. وبذلك كانت شريكة فاعلة في هندسة الفعل المقاوم بذكاء وصمت وثبات.
- من هي السيدة ظهو نعيشة
لعل ما يلفت الانتباه في البحث عنها هو ندرة المعطيات البيوغرافية المتاحة. فلا نملك في حدود المصادر التي وقفت عليها حتى الآن، سيرة متكاملة تحدد تاريخ ميلادها، وتفاصيل نشأتها وتكوينها وحياتها الأسرية والاجتماعية. وهذه الندرة تكشف أحد وجوه المشكلة التي تعاني منها كل محاولة إعادة بناء تاريخ المقاومة النسائية، والحديث عن المرأة التي حضرت في الحدث، وغابت عن الوثيقة.
فالمادة المتاحة تربط اسمها بمحيط خنيفرة والأطلس المتوسط، وتضعها في سياق المقاومة التي واجهت التوسع الاستعماري الفرنسي في المنطقة. كما تنسب إليها أدوارا في الاستعلام والإخبار، وهو ما يجعلها -بحق- نموذجا مختلفا عن المرأة التي تظهر في بعض المصادر باعتبارها مقاتلة مباشرة. وعطفا على ما تقدم نخلص إلى القول بأننا لا نعرف كل شيء عن “ظهو نعيشة”، وأن ما نعرفه عنها يكفي لطرح سؤال مهم حول طبيعة المشاركة النسائية في المقاومة الأطلسية.
- حين تصبح المعلومة فعلا من أفعال المقاومة
تذكر بعض الروايات التي أوردها المصدر الصحفي، أن السيدة ظهو نعيشة قامت بإخبار المقاوم موحا أوحمو الزياني بوصول تعزيزات استعمارية إلى خنيفرة، من جنود وآليات ومعدات حربية، وحذرته من الخطر الذي كان يتهدد المقاومين. غير أن الرواية لم تحفظ بتفاصيل كثيرة عن الكيفية التي حصلت بها هذه السيدة على المعلومة، ولا عن الطريق الذي سلكته حتى أوصلتها إلى قائد المقاومة موحا أوحمو الزياني. لكن جوهر الرواية يبقى واضحا: لقد عرفت وقدرت خطورة ذلك، ثم سارعت إلى إبلاغ من كان معنيا بهذا الخطر.
وقد يبدو الأمر بسيطا إذا قرئ خارج سياقه. لكن علينا أن نعيد موضعتها داخل زمن كانت فيه المعلومة العسكرية نفسها جزءا من الصراع. فالمقاوم الذي يعرف تحركات خصمه قبل وقوعها يمتلك فرصة للاستعداد. والذي يعرف موقع القوات، أو اتجاها أو حجم التعزيزات، يستطيع أن يعبر موقعه أو يختار توقيت المواجهة، وهكذا تتحول المرأة التي تنقل المعلومة من (ناقلة خبر) إلى حلقة في منظومة المقاومة. فنكون أمام شكل من المقاومة لا يترك بالضرورة أثرا ماديا واضحا: فلا بندقية… ولا جرحا… ولا صورة في ساحة من مواقع المعركة.
لكن أثره قد يكون جليا في قرار اتخذه قائد أو مجموعة من المقاومين بناء على المعلومة التي وصلتهم في الوقت المناسب. وهنا تحديدا لا تعود السيدة ظهو نعيشة امرأة سمعت خبرا أو رأت تفاصيله، وإنما تصبح امرأة ساهمت في إنتاج معرفة ميدانية، تتغير معها نظرتنا إلى مفهوم البطولة، التي ليست دائما هي لحظات إطلاق المقاوم للنار. فقد تكون قبل ذلك بكثير، متجلية في: عين بصيرة ترى… أذن تسمع… ذاكرة تحفظ… لسان يعرف متى يحكي ويتكلم.
- المرأة وشبكة المقاومة غير المرئية، بين الرواية والوثيقة
من الأخطاء المنهجية أن نفصل العمل الاستخباراتي عن باقي أشكال المقاومة. فالمعلومة لا تتحرك وحدها، إنها تحتاج إلى من يحصل عليها… يثق بها… ينقلها… يستعملها. وبذلك نفترض -دون أن يتحول الافتراض إلى حقيقة تاريخية- أن مشاركة النساء في هذا النوع من النشاط كانت مرتبطة بطبيعة المجتمع المحلي نفسه. فالمرأة كانت تتحرك في فضاءات قد لا تلفت انتباه سلطات الاحتلال، وهذا لا يعني أنها كانت غير مرئية تماما، بل يعني أن أدوارها الاجتماعية كان يمكن أن تفتح أمامها مساحات للحركة والاتصال، لتصبح مقاومتها امتدادا لحياتها اليومية، وليست نشاطا منفصلا عنها.
وكيف لا وهي التي تعرف أخبار القبيلة، وحركات رجالاتها، وأماكن تواجدهم، وتحركات كل الغرباء عنهم، وتستطيع أن تحول هذه المعرفة الاجتماعية -عندما تنخرط في المقاومة- إلى معرفة ذات قيمة سياسية وعسكرية. فتحولت المعلومة المتوصل إليها إلى سلاح حربي في منتهى الأهمية.
وهنا نشير إلى أنه لا ينبغي أن يتحول الاحترام لشخصية مقاومة إلى ترخيص تاريخي لإقرار ما لم تثبته المصادر. لذلك فإن ما نسب إلى ظهو نعيشة، يستند إلى مادة عن المقاومة في الأطلس المتوسط، أوردها الأستاذ “محمد سليماني” حول ما أسماه الجانب الإعلامي من أدوار المرأة في مقاومة الاحتلال. فالمرأة حسب تصوره كانت قادرة على التقاط معلومات عن تحركات وخطط ونوايا الجيوش الفرنسية، ثم تنقلها بكل سرية إلى المقاومين، مجسدة المقاومة الصامتة في أبهى صورها، تلك المقاومة التي لا تصنع صخبا لكنها تشكل الشريان الحيوي الذي يغذي المجاهدين في خطوط المواجهة.
أما التفاصيل الدقيقة عن حياتها، وتاريخ ميلادها، وما إلى ذلك فلا يجوز أن نملأ فراغاتها بالتخمين. بل إن هذا النقص نفسه يتحول إلى سؤال حارق: لماذا نعرف عن الرجل الذي كانت المرأة تساعده أكثر مما نعرف عن المرأة التي ساعدته؟ وهو سؤال -في جوهره- عن بنية الذاكرة الوطنية بصفة عامة.
- ظهو نعيشة… امرأة في الهامش أم في قلب المعركة؟
منذ البدء نقول بأنه لا ينبغي أن نضع ظهو نعيشة في هامش المقاومة -كما قد يبدو للبعض- باعتبارها مساعدة للمقاومين، أو ناقلة أخبار لهم. فالمقاومة ليست سلما ترتب عليه الأفعال من أعلى إلى أسفل، فهناك من: يقاتل… يوفر له السلاح… يخفيه… يطعمه… يعالج جرحه… يحمل رسالته… يراقب العدو… ينقل المعلومة…
فكل هذه الأفعال -وغيرها- تشكل في مجموعها البنية الاجتماعية للمقاومة. ومن هنا تصبح ظهو نعيشة، امرأة تعمل في الظل الذي لا يعني الهامش. بل يعني أن الفعل المقاوم قد يكون أكثر فاعلية عندما لا يلفت الانتباه. ومن هذه الزاوية نخلص إلى:
- المقاومة الصامتة، صمتها ليس استسلاما وليس غيابا أو عجزا عن الفعل، وإنما هو اختيار لشكل من أشكال الفعل لا يحتاج إلى ظهور.
- لم تكن هذه المرأة مطالبة بأن تتحول إلى بطلة في مشهد علني. فقد كان يكفيها أن تثق فيمن تنقل إليه المعرفة، وأن تدرك أن ما لديها يمكن أن يحمي أرواحا ويغير حسابات.
- مقاومتها تكتسي الكثير من الدلالات ذات القيمة الخاصة، في مساعدتنا على توسيع تعريف “المقاومة النسائية” بحيث لا يبقى محصورا في صورة المرأة التي تحمل السلاح.
ومن المفارقات الجميلة في قصة هذه القروية الأمازيغية، أنها لم تكن تنتظر أن يمنحها أي كان دورا سياسيا كي تصبح جزءا من المقاومة، فهي لم تحمل السلاح ولكنها حملت ما يمكن أن يجعل السلاح في المكان المناسب وفي الوقت المناسب. فحياتها مليئة بشبكات المعرفة: الأشخاص… المسالك… الأخبار… العلاقات… وكل ما يحدث داخل الجماعة. ومع وصول جحافل الاحتلال، أصبحت هذه المعرفة قابلة للتحول إلى رأسمال مقاوم، ضمن ما يمكن أن نسميه اليوم شبكة استخبار اجتماعية غير رسمية. على أن لا نفهم كلمة (استخبار) هنا بمعناها المؤسساتي الحديث، وإنما باعتبارها قدرة المجتمع على جمع المعلومات وتداولها سرا، مع الاستفادة منها في مواجهة المحتل. وفي هذا السياق غدت المرأة جزءا من فعل المقاومة وقرارها.
وتضيف بعض الروايات المتداولة حول ظهو نعيشة أنها لم تكتف بدور الاستعلام ونقل الأخبار، بل أقدمت بعد أن علمت -بحسب بعض الروايات- بخيانة زوجها وموالاته للمحتل، على قتله. غير أن هذه الجزئية تظل في حدود ما توفر لنا من مصادر، في حاجة إلى مزيد من التحقق والتمحيص، ولا سيما تحديد هوية الزوج وملابسات الواقعة ومصدرها الأول. فلا نستحضرها هنا إلا باعتبارها رواية واردة في بعض الكتابات حول المرأة المقاومة، لا باعتبارها حقيقة تاريخية مكتملة الإثبات. فنتعامل معها بحذر أكبر من تعاملنا مع واقعة إبلاغ موحا أوحمو الزياني بخبر وصول تعزيزات الاحتلال إلى خنيفرة. إذ ليس من المنهجي أن نحول رواية واحدة إلى حقيقة نهائية دون البحث عن مصدر أصلي أو شهادة مستقلة تؤكدها.
غير أن هذا لا ينقص من قيمة ظهو نعيشة، بل على العكس إنه يحمي صورتها من أي مبالغة، ويمنحها موقعها الدال في تاريخ المقاومة الصامتة، حيث تحولت المعلومة التي حصلت عليها إلى إنذار مبكر يمكن أن يؤثر في استعداد المقاومين ومواجهة الخطر الفرنسي.
- لماذا غابت ظهو نعيشة عن الذاكرة؟
غالبا ما تقاس الثقافة العسكرية بعدد المعارك والقتلى والأسلحة، أما المقاومة الشعبية فتفترض مقياسا آخر، يتمثل في قيمة الفعل وعلاقته بالهدف. وقد تكون المعلومة أكثر تأثيرا من الرصاصة، ويكون الإنذار المبكر أكثر أهمية من الاشتباك. كما يكون الصمت في لحظة معينة، شكلا من أشكال المقاومة. ومن هنا تصبح السيدة “ظهو نعيشة” مدخلا أساسيا لمفهوم أوسع: المقاومة بوصفها شبكة من الأفعال، وليست بطولة فردية معزولة.
وللإنصاف نقول بأنه لا ينبغي أن نرفع هذه المرأة إلى مرتبة أسطورية، وأن لا نقول عنها إلا ما نعرفه بعد البحث في مختلف المصادر. منطلقين من أن التاريخ -للأسف الشديد- كتب عن بعض النساء، وصمت عن أخريات. وهنا تصبح مهمة الباحث ليست كتابة الماضي من جديد، وإنما إعادة فتح الأسئلة التي أغلقها النسيان. خاصة وأن طبيعة عمل السيدة “ظهو” كانت صعبة التوثيق، لأن المقاومة الصامتة لا تترك وراءها وثائق يمكن الرجوع إليها. فالخبر الذي ينقل سرا لا يكتب في حينه، والمرأة التي تؤدي مهمتها في صمت لا تنتظر أن يسجل أحد اسمها. والشبكات الاجتماعية التي كانت تحمل المعلومات من مكان إلى آخر لا تترك في الغالب أرشيفا منظما. فكم من النساء حملن أخبار المقاومة في ذاكرتهن، ومشين بها في المسالك الجبلية، وحفظن أسرارها، ثم مضين من التاريخ دون أن يترك لهن سوى الاسم.
وهنا تكتسب الملاحظة التي أوردها بعض الباحثين حول صعوبة ظهور دور المرأة في المادة المكتوبة، أهمية خاصة. رغم أن المرأة والرجل أسهما معا، كلا بطريقته وإمكاناته في صنع أحداث المقاومة.
خلاصة أولية
- إن تجربة السيدة “ظهو نعيشة” تتجاوز الصورة النمطية للمرأة كحاضنة في أوقات الحرب، لتضعها في موقع المخطط والمنفذ الشجاع الذي يخوض غمار الخطر اليومي دون انتظار ثناء أو وثيقة تشهد على نضالها. فكانت ركنا أساسيا في استمرار المقاومة الأطلسية، ومثالا حيا على أن النصر في المعارك التاريخية يصنعه رجال في الميدان ونساء يمسكن بأزمة القرار والصمود في الظل.
- حين لا يكون الصمت غيابا -كما يراد له عند البعض- فإننا نصغي إلى ما تقوله الذاكرة، ونتحفظ أمام ما لا تثبته الوثيقة، وأن نترك للبحث مهمة استكمال ما بدأناه. وفي انتظار ذلك، فإن السيدة “ظهو نعيشة” تستحق أن تستعاد من الذاكرة إلى متنها. ففي قصتها شيء يتجاوز الواقعة نفسها، فهي تعلمنا أن المرأة بطلة في:
- معرفة ما لا يعرفه الآخرون.
- إدراك خطورة ما تعرف.
- جعل الصمت طريقة للدخول للتاريخ.
تنبيه توثيقي:
- لقد أبقيت في إعداد هذا البورتريه الادعاءات الخاصة بسيرة “ظهو نعيشة” في حدود ما سمحت به المصادر المتاحة، ولم أضف تاريخ ميلاد أو تفاصيل أسرية أو بطولات غير موثقة. مؤكدا على أن وصفها بأنها من الأطلس المتوسط / محيط خنيفرة أدق من نسبتها إلى الأطلس بصفة عامة.
من المصادر المعتمدة أشير إلى:
- سليماني محمد. أدوار المرأة وإسهامها في مواجهة المحتل الأجنبي، منطقة الأطلس المتوسط المغربي نموذجا. دورية كان التاريخية، العدد 46.
- أزوكاي الحسين. الذاكرة الشفهية وسؤال التدوين، المقاومة النسائية بالأطلس المتوسط نموذجا، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال.
- شفيق محمد، الشعر الأمازيغي والمقاومة في الأطلس المتوسط. مطبوعات الأكاديمية المغربية. الرباط.
- مصادر الذاكرة الشفهية والشعر الأمازيغي الغنائي “إيزلان”.
