استراتيجية الكذب في السياق السياسي المغربي: قراءة في آليات التضليل وإدارة الأزمات
عبد الرحمان الغندور
منذ عام 2011، تطورت استراتيجية الكذب في المغرب لتصبح هندسة متكاملة الأركان، وعقيدة متماسكة البنيان، لإدارة الشأن العام وتدبير الأزمات، حيث يتم توظيف الخطاب الرسمي والإعلام المدعوم والمشري والمكري والمتسول وحتى المجاني { كاري حنكو } ومراكز الدراسات التي يمكن وصفها بأنها “استرزاقية” بهدف خلق واقع موازٍ يغطي على عمليات النهب والاغتناء غير المشروع، وهذه الاستراتيجية تقوم على مبدأ الضخ المستمر للأكاذيب حول القضايا الجوهرية التي تمس حياة الناس اليومية، بغرض استنزاف قدرتهم على التحليل والمقارنة، وهو ما يوقع المواطن في حالة من فقدان القدرة على إصدار الأحكام العقلانية، مما يؤدي بالضرورة إلى حالة من التيه والضياع تشل قدرته على المبادرة والتغيير، وهذا المسار يتضح جلياً عند مراجعة أداء الحكومات المتعاقبة التي تعاقبت على تدبير الشأن العام في البلاد.
في فترة حكومة عبد الإله بنكيران الممتدة بين عامي 2011 و2016، تأسست استراتيجية الكذب على ما يمكن تسميته بالشعبوية العاطفية، حيث تم رفع شعارات محاربة “التماسيح والعفاريت” التي خلقت استقطاباً حاداً في المجتمع، مصحوبة بوعود إصلاحية واسعة، لكن هذه الوعود انتهت عملياً بتحرير أسعار المحروقات وضرب القدرة الشرائية للفئات الهشة، مما وضع الشعب أمام صدمة وعي كبرى أدت إلى تآكل الثقة في الخطاب السياسي ذي المرجعية الإسلامية، وهكذا وجد المواطن نفسه أمام تناقض صارخ بين الخطاب الشعبي الجذاب والسياسات الاقتصادية القاسية التي أثرت بشكل مباشر على معيشته اليومية، فالشعارات الثورية التي رفعها بنكيران لم تترجم إلى إصلاحات حقيقية، بل على العكس، تم استخدامها كغطاء لتبرير إجراءات تقشفية أضرت بالطبقات الفقيرة والمتوسطة، مما جعل المواطن يدرك أن الخطاب السياسي مهما كان جاذباً فإنه لا يعكس بالضرورة نوايا الفعل أو نتائجه، وبالتالي ترسخ في الوعي الجمعي شعور عميق بالخيبة والخذلان من العملية السياسية برمتها.
مع الانتقال إلى حكومة سعد الدين العثماني بين عامي 2016 و2021، اتخذ الكذب شكلاً أكثر سلبية من خلال سياسة الصمت والارتباك في تدبير الاحتجاجات الاجتماعية، حيث تم تجاهل نبض الشارع في حراك الريف ومقاطعة 2018، وهذا التجاهل لم يكن مجرد غياب للرد، بل كان رسالة واضحة مفادها أن السلطة لا تملك حلولاً ولا تملك الشجاعة للاعتراف بوجود أزمة حقيقية، وهذه السياسة عززت حالة العزوف السياسي والاغتراب المجتمعي بشكل غير مسبوق، إذ لم يعد المواطن ينتظر شيئاً من المؤسسات المنتخبة، وصار ينظر إلى العملية السياسية باعتبارها مسرحية هزلية تهدف إلى إضاعة الوقت وإبقاء الأمور على حالها، وقد أدى هذا الصمت الرسمي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية وزيادة حالة الإحباط، حيث شعر الناس بأن مطالبهم المشروعة تُقابل بالجدار أو بالتجاهل المتعمد، مما دفع الكثيرين إلى الانسحاب من أي مشاركة سياسية أو مدنية فعالة، وهذا الانسحاب لم يخدم سوى السلطة التي وجدت في هذا العزوف فرصة لتمرير سياساتها دون معارضة حقيقية أو رقابة شعبية، وهكذا أصبحت سياسة الصمت أداة فعالة في إدارة الأزمات، ليس من خلال حلها، بل من خلال تعطيل أي نقاش جاد حولها.
أما في المرحلة الحالية مع حكومة عزيز أخنوش منذ عام 2021 وحتى 2026، فقد اتخذت استراتيجية الكذب بعداً تكنوقراطياً مغلفاً بوعود الدولة الاجتماعية وشعارات تستاهلوا أحسن، ولكن الواقع أفرز ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار وتضخماً ينهش الطبقات الوسطى والفقيرة، حيث يتم توظيف السياقات الدولية والحرب والجفاف كشماعات لتعليق فشل السياسات الداخلية، وهذه الشماعات تحرم المواطن من حقه في مساءلة الحكومة عن تدبيرها للثروة والأمن الغذائي، فبدلاً من الاعتراف بالتقصير الداخلي، يتم إلقاء اللوم على عوامل خارجية تبدو وكأنها خارجة عن الإرادة الوطنية، مما يخلق شرعية زائفة للسياسات الاقتصادية القاسية، وفي هذا السياق، يصبح المواطن مجرد متلقٍ سلبي للأخبار والتبريرات، دون أن يكون له دور في تقييمها أو نقدها، وهذا النمط من التبرير يساهم في إطالة أمد الأزمة وتكريس واقع الفقر والتهميش، حيث يتم تغليف السياسات الفاشلة بخطاب تقني معقد يصعب على المواطن العادي تفنيده أو حتى فهمه، وبالتالي يجد نفسه مضطراً لقبول الأمر الواقع وكأنه قدر لا مفر منه، وفي الحقيقة أن أخطر ما في هذه السيرورة ليس الكذب بحد ذاته، بل تحويله إلى أداة حكم مستمرة تجعل من الاعتراف بالأخطاء، حين يحدث، مجرد تكتيك جديد لإطالة أمد الأزمة وإعادة إنتاج التيه المجتمعي، فالمغرب اليوم محكوم باستراتيجيات إعلامية وفكرية تهدف إلى تطبيع الشعب مع الفساد عبر إيهامه بأن التغيير مستحيل، وبأن الواقع الذي تفرضه الحكومات هو قدر محتوم مرتبط بالتقلبات العالمية، في حين أن الغاية الحقيقية هي الاستمرار في نهب الثروات بعيداً عن أية محاسبة أو مساءلة.
إن حالة انعدام الثقة التي وصل إليها الشعب المغربي اليوم ليست سوى النتيجة الحتمية لهذه الاستراتيجية المتكاملة التي استبطن فيها الناس الريب وأصبحوا غير قادرين على تمييز الحق من الباطل، وهذا بالضبط ما يخدم الحاكمين في نهاية المطاف، لأنهم يفضلون شعباً تائهاً ومنقسماً على نفسه على شعب واعٍ يمتلك القدرة على المبادرة والمطالبة بالحقوق، فالتيه المجتمعي الذي تنتجه هذه الاستراتيجية يعمل على تفكيك الروابط الاجتماعية وإضعاف الحركات الاحتجاجية، ويجعل الناس منشغلين بهمومهم اليومية وبحثهم عن لقمة العيش، بدلاً من التفكير في آليات التغيير الجذري أو المطالبة بالإصلاحات الهيكلية، وهكذا يكون الكذب قد نجح في تحقيق أهدافه ليس من خلال إقناع الناس بما هو غير صحيح، بل من خلال إرباكهم وإضعاف ثقتهم في أي رواية، بما في ذلك الروايات البديلة التي قد تقدم حلولاً حقيقية، غير أن التاريخ يعلمنا أن حبل الكذب مهما طال وتعددت أشكاله في الخطابات الرسمية فإنه يظل هشاً أمام واقع اقتصادي واجتماعي لا يرحم، وعاجلاً أم آجلاً ستصطدم هذه الاستراتيجية بالحائط، حيث لا تجدي نفعاً لا التقارير الموجهة ولا التصريحات المضللة، لأن الواقع المادي المعاش سيفرض نفسه في النهاية، وسيكتشف الناس أن كل هذه الأكاذيب لم تكن سوى ستار رقيق يخفي فشلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً، والحقيقة أن الأزمة الحالية التي يعيشها المغرب، من تضخم وارتفاع في الأسعار وتدهور في الخدمات العامة، هي الدليل العملي على هشاشة هذه الاستراتيجية، فهذه الأزمات ليست نتيجة عوامل خارجية فقط، بل هي نتاج تراكمي للفساد وسوء التدبير الذي غطته سنوات من الخطاب المضلل، ولكن هذا التغطية لم تعد قادرة على الصمود في وجه معاناة الناس اليومية، فكلما طالت الأزمة واشتدت وطأتها على الفئات الأكثر هشاشة، كلما ازداد وعي الناس بحقيقة ما يجري، وكلما أصبحت الحاجة إلى تغيير جذري أكثر إلحاحاً، وهكذا فإن استراتيجية الكذب التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011، رغم تنوع أشكالها وتطور أساليبها، تبقى في النهاية مجرد محاولة يائسة لتأخير المواجهة مع الحقيقة، لكن الحقيقة كالشمس لا يمكن حجبها إلى الأبد، فهي ستشرق من جديد لتكشف كل ما كان خفياً، وتعيد للشعب ثقته بقدرته على التغيير، وتمنحه الأدوات اللازمة لمحاسبة من نهب ثرواته واستباح مقدراته، عندها فقط سيدرك الجميع أن الكذب لم يكن يوماً استراتيجية ناجحة، بل كان مجرد هروب من المواجهة الحقيقية للتحديات التي تواجه البلاد، وهروب كهذا لا يمكن أن يستمر طويلاً في عالم يتسم بالشفافية المتزايدة وسرعة تدفق المعلومات.
وبينما تتكشف أمام أعين المغاربة حقيقة هذه الاستراتيجية في إدارة الشأن العام، يبرز سؤال جوهري حول إمكانية الخروج من هذا المأزق السياسي والأخلاقي، وحتى لا نكون عدميين، نرى ان الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تتم بمعزل عن البحث في البدائل الممكنة التي يمكن لليسار والمنظمات الحقوقية والمدنية أن تقدمها، ليس عبر الانغلاق على مواقفها التقليدية أو الاستمرار في صراعاتها الداخلية التي تستنزف طاقتها وتضعف حضورها، بل من خلال الدخول في حوار وطني جاد بين مختلف مكوناتها، حوار يذيب الخلافات القائمة التي كثيراً ما كانت تعيق أي تحرك موحد، ويركز على البحث عن المشترك الأوسع الذي يجمع هذه الأطياف المختلفة، بعيداً عن الاختلافات الإيديولوجية أو التنافسية الضيقة، هذا الحوار يجب أن ينطلق من إدراك حقيقي بأن الاستراتيجية القائمة للكذب والنهب تستهدف الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم، وأن التشرذم الحالي لا يخدم سوى السلطة القائمة التي تستفيد من تشتت المعارضة واستمرار خلافاتها، وبالتالي فإن المهمة الأولى أمام هذه القوى هي بناء أرضية مشتركة من المبادئ والقيم التي لا تقبل المساومة، كالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والحق في المساءلة ومحاربة الفساد، ومن ثم الانتقال إلى خلق إطار تنظيمي واسع يضم مختلف التنظيمات اليسارية والهيئات الحقوقية والجمعيات المدنية الناشطة في مختلف المجالات، إطار لا يلغي خصوصياتها أو استقلاليتها، بل ينسق جهودها ويوحد خطابها ويجعل من الممكن تضخيم صوتها المدني في وجه السياسات النهب والتضليل، وذلك في أفق تكوين جبهة وطنية عريضة مناهضة لهذا الواقع، جبهة لا تكون مجرد تحالف ظرفي أو انتخابي، بل مشروع مجتمعي بديل قائم على قيم الشفافية والديمقراطية التشاركية والحق في المعرفة، وهذه الجبهة يمكن لها أن تعمل على مستويات متعددة، تبدأ بتفعيل آليات الرقابة الشعبية على المؤسسات عبر إنشاء مراصد مستقلة لتتبع الأداء الحكومي وكشف تناقضات الخطاب الرسمي، وتمر ببرامج توعوية واسعة تهدف إلى استعادة قدرة المواطن على التحليل والنقد من خلال ورشات التثقيف المدني والسياسي في الأحياء الشعبية والمناطق النائية، وتصل إلى تنظيم حملات ضغط شعبية منظمة تطالب بحوار وطني حقيقي لا يكون مجرد استعراض إعلامي، بل عملية جادة لمناقشة القضايا الجوهرية كآليات توزيع الثروة وسيادة القانون واستقلال القضاء، وهذا الحوار الوطني المنشود ينبغي أن يضع الأسس لمرحلة انتقالية يتم خلالها وقف نزيف الثروات وتفعيل آليات المحاسبة، وإعادة هيكلة الإعلام العمومي ليصبح أداة في خدمة الحقيقة لا في طمسها، كما أن هذه الجبهة الوطنية العريضة مدعوة إلى كسر العزلة بين مختلف الفئات الاجتماعية، وربط هموم الطبقات العاملة والفلاحية بتطلعات الحركات الشبابية والنسائية، وصياغة خطاب جامع يخاطب المواطن في انشغالاته اليومية دون أن يفقد الرؤية الاستراتيجية للتغيير الجذري، ذلك أن النجاح في هذه المواجهة يتطلب أكثر من مجرد رفض للواقع القائم، بل يتطلب بناء قدرة على الحلم بمغرب آخر، مغرب تكون فيه الحقيقة هي الأساس في علاقة الحاكم بالمحكوم، وتكون فيه المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وهذا الحلم لا يمكن أن يتحقق ما لم تتجاوز القوى المدنية واليسارية ذاتها حالة الانكماش والانغلاق التي أصابتها في السنوات الأخيرة، وتستعيد دورها التاريخي كفاعل أساسي في إنتاج الوعي النقدي وتنظيم العمل الجماعي، وهنا يأتي دور المنظمات الحقوقية بشكل خاص، التي تمتلك خبرة متراكمة في توثيق الانتهاكات وكشف حقائق الفساد، ولكنها بحاجة إلى تجاوز دورها الرقابي التقليدي إلى دور بناء يقدم رؤية واضحة لإصلاح المؤسسات وتعزيز الحكامة، وبالمثل اليسار السياسي مدعو إلى مراجعة خطابه وإعادة صياغة برامجه لتكون أكثر قرباً من هموم الناس وأكثر قدرة على تقديم حلول عملية وملموسة، بدلاً من الخطابات العامة التي كثيراً ما بدت بعيدة عن تعقيدات الواقع، وفي هذا السياق، يمكن للتحالفات الواسعة بين النقابات والجمعيات والأحزاب أن تشكل نواة صلبة لحركة اجتماعية عارضة قادرة على فرض تغيير حقيقي عبر الاحتجاج السلمي والضغط المدني والمقاطعة الاقتصادية حيثما أمكن، فإذا كانت استراتيجية الكذب تعتمد على إيهام الناس بأنه لا بديل عن الواقع القائم، فإن رد الفعل الطبيعي هو إثبات وجود بدائل قابلة للتطبيق من خلال مبادرات عملية صغيرة في المجتمعات المحلية، كالبرامج التعاونية للإنتاج والاستهلاك، وصناديق التضامن المحلية، وشبكات الاقتصاد التضامني، فهذه المبادرات وإن بدت محدودة فإنها تقدم نموذجاً حياً عن كيفية تنظيم الحياة خارج إطار الدولة الناهبة، وتعيد إلى الناس الشعور بقدرتهم على التحكم في مصائرهم، وكل هذه الجهود يجب أن تتكامل في إطار رؤية استراتيجية واضحة ومجدولة، لا تراهن على الانتفاضات العفوية بقدر ما تراهن على بناء قوة اجتماعية وسياسية متماسكة، قادرة على الصبر والمقاومة الطويلة، لأن التغيير في سياق مثل السياق المغربي لا يحدث بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى تراكم من التنظيم والوعي والممارسة، وهذا التراكم هو بالضبط ما تحاول استراتيجية الكذب إجهاضه عبر إغراق الناس في التيه والإحباط، لكن إرادة الحياة والتغيير أقوى من أي تخطيط للتضليل، والشواهد التاريخية تؤكد أن الشعوب حين تتوحد وتتجاوز خلافاتها، حين تضع المصير المشترك فوق كل الحسابات الضيقة، فإنها تصبح قادرة على هزيمة أشد الأنظمة تحصيناً وأكثرها تعقيداً في أساليب التلاعب، ومغرب اليوم، رغم كل ما يعانيه من أزمات متراكمة، يزخر بطاقات شابة ومدنية هائلة، تنتظر فقط قناة منظمة لتحويل غضبها وإحباطها إلى فعل سياسي واجتماعي بناء، وهذه القناة لا يمكن أن تتشكل إلا من خلال حوار وطني شامل بين مختلف فاعلي المجتمع المدني، حوار يبدأ بالاعتراف بالأخطاء المتبادلة ويتجاوزها نحو بناء مشترك، حوار تذوب فيه الخلافات الشخصية والإيديولوجية أمام حجم التحدي، حوار يضع أسس جبهة عريضة قادرة على مناهضة استراتيجية الكذب ليس فقط بفضحها، بل بتقديم بديل عملي وأخلاقي يقنع الناس بأن المغرب الذي يستحقونه ليس ذلك المغرب الذي تفرضه عليهم حكومات متعاقبة تنهب ثرواته وتكذب عليه، بل مغرب الكرامة والحرية والعدالة، وهذا الهدف النبيل يستحق من الجميع تضافر الجهود وتجاوز الأنانية والانقسام، لأنه في النهاية ليس مشروع فئة أو حزب، بل مشروع أمة بكاملها تسعى إلى استرداد حقيقتها وقدرتها على تقرير مصيرها.
