لوركا واليمين الإسباني المتطرف!
الصادق بنعلال
“كثيرا ما قيل إن شهرة لوركا تعود إلى اغتياله بيد الجلادين السياسيين عشية اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1936 .. بل النادرة تعود إلى رسوخ تجربته الشعرية في التربة المتوسطية العميقة، وربما كانت أصالته الشعرية والإنسانية إحدى دواعي اغتياله، إذا علمنا أن الذين اغتالوه هم الفاشيست المعروفون بضيق الأفق ومحدودية الثقافة”: محمد الميموني
أ – يذكرنا الهيجان الإعلامي الإسباني الحالي بفترات بالغة السواد في العلاقة المغربية الإسبانية، وأخص بالذكر مرحلة نهاية القرن الخامس عشر ومستهل القرن السادس عشر الميلادي، حين أمرت الملكة إيزابيلا وهي على فراش الموت (1504 م) بعدم التردد في التخطيط لتنصير المغرب وإفريقيا ونشر المسيحية فيهما، لأن الخير لإسبانيا في أن يكون المغرب مشتتا جاهلا فقيرا مريضا. ولعل هذه “الوصية الإيزابيلية” أضحت مكونا جوهريا من مكونات عدد كبير من الإسبان، إلى درجة يمكن القول معها بقدر يسير من المبالغة إن الإسباني الطيب والجيد هو الذي يخذل المغاربة و يعاديهم قديما حديثا.
ب – إن المشهد الإعلامي الإيبيري الراهن ينفجر بالأكاذيب والخرافات لإيذاء المغرب شعبا وقادة. لكن في الآن عينه وجدنا ومازلنا نجد مثقفين إسبانيين متنورين في الماضي والحاضر، يصدحون بالحق والموضوعية والنزعة الإنسانية الرفيعة. وفي هذا المضمار نستحضر الشاعر المبدع فيديريكو غارسيا لوركا (1898 – 1936)، رائد مدرسة الحداثة الشعرية العالمية، الذي طالما تغنى عبر قصائده ومسرحياته وإبداعاته الأدبية المتنوعة، بأسمى القيم الإنسانية الداعية إلى التسامح والتعددية والاختلاف والمساواة، في صوغ شعري فائق الجودة، وتعبير لغوي انزياحي يجمع بين التجريد واللاواقعية والغوص في آلام الإنسان، وتطلعاته نحو الأمن والاستقرار والرقي. إنه نموذج للشاعر العضوي المدافع بشراسة عن إنسانية الإنسان مهما كلفه ذلك من تضحيات جسام.
ج – وفي سياق سياسي مضطرب ومشحون، حيث هيمنة لغة الحديد والنار في بداية الحرب الأهلية الإسبانية (1936 – 1939)، أبى هذا الشاعر الاستثنائي إلا أن يقف في وجه جرائم الكنيسة الهمجية، واليمين الفاشي والميول الاستئصالية، والتعبير عن موقفه المندد بتصفية المسلمين و إبادتهم والدوس على القوانين والأعراف والاتفاقيات المبرمة. يقول الشاعر والناقد المغربي الراحل محمد الميموني في كتابه الشيق ( فيديريكو غارسيا لوركا: ديوان التماريت) ما نصه في استجواب مع جريدة EL sol قبيل اغتياله: “أنا أنتمي إلى غرناطة التسامح والتقدم العلمي والأدبي الرفيع، غرناطة ما قبل السقوط في يد الكاثوليك .. وأدين التنكر للعهود والمواثيق التي عقدت مع المسلمين بالحفاظ على ممتلكاتهم وعاداتهم، كما أدين إرغامهم – هم واليهود – على التنصر أو الطرد من وطنهم”. لكن مشعلى الحرائق وحفار القبور من المتشددين لم يغفروا له هذه “الجرأة” غير المنسجمة ومواقف التيار العسكري الاستئصالي، فقاموا باغتياله غدرا وخفية! مما يعني من جملة ما يعني أن إسبانيا ليست ولن تكون على قلب رجل واحد، في زحمة المشاحنات والمهاترات غير المسؤولة، الصادرة عن بعض المسؤولين السياسيين والعسكريين والإعلاميين المتطرفين، هناك دائما أصوات الاعتدال والمحبة والأخوة الإنسانية؛ ترتفع مطالبة بأولوية الحوار البناء والاحترام المتبادل والعيش المشترك.
