منهجيةُ البحث التاريخي عند المصطفى اجْماهْري
آلان غرونبيــرغ
ترجمة مبارك بيداقي
تعتمد المنهجية البحثية للكاتب المغربي المصطفى اجْماهري في أعماله حول مدينة الجديدة ومنطقة دكالة بالأساس على التاريخ المجهري والمونوغرافيا المحلية، وهو توجه يُعطي الأولوية للتحليل المفصل لمجال ترابي محدد بهدف تفكيك بنيته الإنسانية والاجتماعية. ويسير الكاتب في هذا الإطار على نهج “التاريخ المحلي” الذي رسخته مدرسة الحوليات الفرنسية وروادها مثل مارك بلوخ. فمن خلال تركيزه على مدينة الجديدة وإقليم دكالة، يفلح اجْماهري في بعث الحياة اليومية من جديد، وفي تأريخ المؤسسات المحلية، وتتبع مسارات الجماعات البشرية، لا سيما الأقليات، التي استوطنت المدينة. وبذلك، تتحول الحاضرة في كتاباته إلى مختبر حقيقي للملاحظة، يؤكد من خلاله أن الفهم العميق للديناميات المحلية كفيل بإضاءة جوانب من التاريخ المعاصر للمغرب.
وتتوزع الإنتاجات الفكرية لمصطفى اجْماهري حسب ثلاثة أنواع أساسية: كتب سِلسلته الدورية دفاتر الجديدة، ودراساته المنشورة في مجلة التاريخ “زمان”، التي يشغل عضوية هيئة تحريرها، بالإضافة إلى مساهماته الرقمية، والتي تتناول غالباً مواضيع جهوية غالبا غير مسبوقة. هذا الإنتاج المتنوع يسلط الضوء على ثراء الفضاءات، والأعلام، والسلوكات السوسيو-ثقافية في المنطقة المدروسة.
الروافد المنهجية
لا يمكن قراءة البُعد المنهجي في مشروع اجْماهري دون ربطه بسياقه الفكري وبأبرز الأعلام الذين ألهموا مسيرته. إذْ تكتسي هذه الإحاطة السياقية أهمية خاصة بالنظر إلى خلفية الكاتب، فهو خريج إعلام وحاصل على دبلوم الدراسات العليا في الصحافة الثقافية، واستهل مساره تحت إشراف الخبير الإعلامي الدكتور زكي الجابر مستعيناً بآليات البحث الإعلامي (كتحليل المضمون، ودراسة الجمهور، والتحري الميداني).
غير أن نقطة التحول الكبرى في مساره برزتْ تحت تأثير عالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي، الذي وجه اهتمامه نحو الغوص في المكون المحلي وتوثيق ذاكرة الجديدة ودكالة. وفي هذا الصدد، أشار الأكاديمي مراد الخطيبي في مقال له على موقع هسبريس (بتاريخ 8 ماي 2026) إلى أن المصطفى اجُماهري ظل مخلصا لنهج سلفه، خاصة من خلال انخراطه في مشروع بحثي طويل الأمد، وهو ما يعكس الصرامة العلمية التي كان يدعو إليها السوسيولوجي الراحل.
علاوة على ذلك، حظيتْ تجربة اجْماهري منذ بداياتها بدعم وتوجيه من قامات علمية وازنة، أبرزهم المؤرخ الفرنسي غي مارتيني (متوفى بالدار البيضاء) الذي غرس فيه قيم الدقة الأكاديمية، والمؤرخة نيلسيا دولانوي، المزدادة بالمغرب، التي واكبتْ إصداراته ووقعت مقدمات بعضها، منذ البدايات وإلى غاية اليوم.
وتتأسس هذه المقاربة الشمولية على الجمع المنهجي للذاكرة الشفهية وصيانة الأرشيفات الخاصة، مستدركة بذلك النقص المسجل في الوثائق الإدارية والمصادر المحلية. ومن خلال تحرياته الميدانية المستفيضة، نجح اجْماهري في بناء أرشيف شفهي ذي قيمة استثنائية، وصياغة توصيفات دقيقة لمعالم المنطقة، وتدوين شذرات من الحيوات والشهادات الحية لشهود عيان من خلفيات دينية وإثنية متعددة، عايشوا فترات مفصلية من تاريخ الإقليم. وهكذا نجحتْ منهجيته في إعادة الصوت للفاعلين المجهولين، وصون تراث فكري وذاكراتي كان مآله الزوال. وهذا ما دفع المؤرخة نيلسيا دولانوي إلى التأكيد على أن هذا الكاتب يؤدي، في مجاله، مهمة حقيقية من مهام المصلحة العامة.
وتتوارى خلف مصطلح “رواية الحياة” منهجية بحثية أساسية في العلوم الإنسانية وهي المقاربة السير-ذاتية. إذ هنا، يستند المصطفى اجْماهري على فاعلين اجتماعيين قبلوا بمشاركته تجاربهم المعيشة. وتماهياً مع أطروحات عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو حول ضرورة إعادة سياق الهابيتوس الفردي (البنية الذهنية والسلوكية المكتسبة) داخل فضائه الاجتماعي، جعل الكاتب من كل مسار فردي مفتاحاً لقراءة تحولات المجتمع.
ولتجسيد هذه المقاربة على أرض الواقع، اعتمد المؤلف بشكل رئيسي على التاريخ الشفهي. وفي هذا الصدد، شجع عالم الاجتماع المغربي، محمد بنهلال، الباحث السابق في معهد بحوث ودراسات العالم العربي والإسلامي بمدينة إيكس أون بروفانس، المصطفى اجْماهري على استثمار آلية “المقابلة” لتجميع معلومات نادرة ومغيبة في المؤلفات الكلاسيكية. فبالنسبة إليه، تظل القيمة العلمية لهذه المنهجية غير قابلة للنقاش، إذ إن التفاصيل الصغيرة المتداولة شفهياً كفيلة بإضاءة مناطق الظل التي غالباً ما تغفلها الرواية الرسمية.
كما تستفيد جل بحوثه من ميزة “النشر القبلي” على شكل مقالات، لا سيما في مجلة “زمان”، مما يتيح له عرض نتائجه على مِكبح النقد العام وتعديل معطياته وتنقيحها. وعبر سيرورة الزمن، يتم إغناء هذه الأعمال وتوطيدها، ليُعاد هيكلتها لاحقاً لإغناء سلسلته المونوغرافية. ولم تتشكل هذه المنهجية بطريقة جامدة، بل نضجت على مدار أزيد من ثلاثة عقود. فمن خلال الاحتكاك المباشر بالميدان، استطاع هذا الباحث صياغة مقاربته الخاصة، مشحذاً أدواته التحليلية ومعرفته الوثيقة بالبيئة المحلية.
وقد قارب الباحث هذا الجانب المنهجي خلال ندوة “مؤرخو الهوامش” المنظمة في إطار المعرض الدولي للنشر والكتاب (2025)، وهي مائدة مستديرة شارك فيها بفعالية. حيث صرح المصطفى اجْماهري حينها بأنه : “أمام نقص المادة التوثيقية، بل وانعدام المكتوب حول بعض المواضيع، واستحالة الولوج إلى الأرشيفات المحلية، فإن عملية جمع المعطيات تظل غير مضمونة الأهداف. ولا يجد المؤرخ من خيار سوى اعتماد منهجية المحقق لتدبير بحثه. ومن ثَم، فضلتُ المزاوجة بين مقاربتين منهجيتين: الأولى مباشرة، تستدعي الأرشيفات الخاصة، على الرّغم من ندرتها في المغرب، والتحري الميداني. والثانية غير مباشرة، تستنجد بشهادات قدماء المدينة. وقد أتاح تقاطع هاتين المقاربتين فرصة لتجديد وتحديث معرفتنا بالميدان باستمرار”.
ولإلقاء مزيد من الضوء على موقفه من المنهج، أضاف قائلاً: “إن المؤرخ المحلي هو قنّاص تفاصيل، غالباً ما تكون دقيقة ومهمشة. غير أن هذه التفاصيل تُشكل في حقيقة الأمر نقطاً تاريخية مفصلية وجب الإبقاء عليها في الذاكرة الحية للمغاربة لكي يستفيدوا من ماضيهم الغني بالثقافات. وهكذا، ففي الفترة الممتدة من 1820 إلى 1912، كان المغرب إمبراطورية يسيل لها لعاب القوى العظمى، ويكفي، للوعي بذلك، الانكباب على تاريخ ميناء الجديدة، الذي كان يُعد الثاني في المغرب بعد ميناء طنجة”.
الخيار متعدد التخصصات
إن النقطة الجوهرية التي وجب التأكيد عليها، هي أن المؤرخ المحلي، عموماً، لا ينحصر عمله في حدود التاريخ المحض، بل يتحول أيضاً إلى عالم أنثروبولوجيا، وعالم اجتماع، وإثنولوجي، وجغرافي… وذلك تبعاً لطبيعة كل دراسة. وتكمن أصالة هذا الباحث تحديداً في هذا المنزع القائم على تعدد التخصصات. فمن خلال ارتقائه بمدينة الجديدة وإقليم دكالة إلى مصاف مختبر للملاحظة، يعتمد المصطفى اجْماهري منهجية شمولية تمفصل بين التاريخ المجهري، والمقاربة السير-ذاتية، وصيانة الأرشيفات الخاصة.
وإذا كانت بعض مؤلفاته تقتضي بالضرورة إعمال المنهج التاريخي، مثل كتبه حول القنصليات الأجنبية في الجديدة أو حول ميناء مازغان. فإن بعضها الآخر يندرج ضمن المنهج السوسيولوجي، كدراساته التي تتبعت ظاهرة الزواج المختلط بين المعمرين الأوروبيين والنساء المسلمات. وفي المقابل، تتبنى أعمال أخرى لديه المنهج الأدبي، وهو ما يتجلى بوضوح في مؤلفه المخصص لنساء مدينة الجديدة.
ختاما، يمكننا أن نؤكد، تماشياً مع ما ذهب إليه الدكتور عبد الله فيلي (الأستاذ بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة)، أن المصطفى اجْماهري يمنح مكانة مركزية للملاحظة المباشرة، والتحري المحلي، ومقارنة المصادر، وهو ما تشهد عليه مقدمته لكتاب “الجديدة – دكالة. في الأمكنة وفي حكاياتها الخفية”، إن منجزه الفكري لا يقتصر على مجرد استعادة ماضي منطقة ما، بل إنه يُقدم للمجهود التاريخي المغربي المعاصر مرآة عاكسة، يغدو فيها التاريخ المحلي رافداً يثري التاريخ الوطني الكبير ويمنحه أبعاداً أكثر عمقاً.
