مدينة الرشيد (بغداد) في رواية ياسمينة
طلال سليم آل جعفر
على مدى أسبوعين كاملين والمسرحية الشعرية (ياسمينة) للشاعر هزبر محمود، وهي أمام ناظري، تداعب مشاعري لكي أقرأها، إلا أنني كنت أتوجس من أمرين: خشيتي من أن لا يحالف الحظ الشاعر هزبر بالتميز في مسرحيته هذه، وهو الشاعر المتفرد في مكانته الشعرية بين معاصريه، ومن الصعب قبول عثراته، أو تبريرها. ثانيهما: كوني لم أقرأ مسرحاً شعرياً منذ مسرحية « أسوار »، ومسرحية « زيتونة »، للشاعر خالد الشّوّاف، بعدما مررت بعدهما بقراءة مسرحيتين للشاعر صلاح عبد الصبور كانتا أقرب للنثرية منهما الى الشعر. غير أني جازفت ببدء القراءة، وسؤال يراودني، فيما إن كان هزبر سينجح كدانتي في « الكوميديا الإلهية »، والمعري في « رسالة الغفران »…؟
وقد ظل هذا التوجس حاضراً معي، وأنا أتعثر في القراءة، متقدماً فيها على حذر، حتى انفتحت أمامي آفاق المسرحية مع دخولي في المشهد الثالث، من الفصل الأول، الذي استلني من عوالم اللهو والطرب والغناء، التي شغلت البابين الأولين من المسرحية، ويعد السبب إلى أنني بدأت أتنفس ذلك الشعر وجماله، حيث يقول على لسان مغني عازفاً على عوده:
أعددت أغاني من ذهبٍ صيغت بأرق الشعراء
مختاراً من الشعر العربي ثلاث قصائد لكل من: جميل بثينة، والهذلي، وجرير، فأجاد في خياراته، كجودة المغني الذي أحسن أداء هذه القصائد، بشهادة السندباد، الحاضر لتلك السهرة حين خاطبه قائلًا:
أنت حقاً جعلت للعود قلباً فاض نبضاً بلمسة الأفكارِ
فعقب الحاضرون بالثناء على المغني وما غناه، فقال الشاعر هزبر على لسان أحدهم وهو علاء الدين:
نحن الذين التقينا ببعضنا قدراً ولـم يســـر أحـد منّا الـى أحـدِ
إلى أن يقول عن بغداد إعجابا وحبا:
لما نزلنا بها، سرنا على عجبٍ ما بين رعشة قلب وارتجاف يدِ
وتطول الأمسية، وتحلو الحوارات بين السندباد وضيوفه، من قبل أن يفاجئهم بأنه ورفاقه قد عزموا على السفر عبر الزمان إلى بغداد المستقبل، بمساعدة من عالم بغدادي كبير في الكيمياء، معتذراً لضيوفه عن المكوث معهم، فيعرض الضيوف على السندباد مرافقته في سفره، ويتفق الجميع على ذلك. ليلتقون في المشهد الثالث، من الفصل الأول، حيث يرفع الستار وهم مجتمعون فوق تل، والكيميائي في مشغله الذي تتصاعد منه الأبخرة بفعل تجاربه الكيميائية.
يدخلون خيمة ويمتطون « بساط الريح »، فينفتح أمامهم الزمان، فيجدوا أنفسهم في بغداد عام 2007 م.، حيث وجدوا مدينة السلام وقد ضاع فيها الأمن، وتفكك مجتمعها، بعدما أحرقتهم نيران الطائفية والمذهبية، والاغتيالات، والاعتقالات، على الهوية المذهبية، وذلك من قبل أن يلتقوا بفلاح وزوجته، الذي لم يكن إلا أحد العلماء المتخفين، خوفاً من القتل. نزلوا في ذلك الحقل، وأقاموا فيه خيمتهم، وكل ذلك من خلال حوار شعري جميل، إلى أن وثقوا بالفلاح، فصار لهم دليلًا ومعازيب، على قول أهل العراق، الذي عبث فيه المحتل وعملاؤه، كما قال الفلاح:-
عبث المحتل بالأرض التي لم يزل فيها معين الشاربِ
وتـولــى أمــرَنـا أتبـاعُـهُ ناهبًا عـن ناهبٍ عن ناهبِ
مما فجر الألم والحزن في نفس السندباد، الذي سبق له أن فُجع بخبر احتلال بغداد من قبل المغول، فقال:
ويلاه! محتلةٌ بغداد كيف بنا؟ يا ليتني متُ، كي لا أيلغ الليلةْ
يتشعب الحديث، وتمضي أيام، وهم ضيوف الفلاح وعياله. وقد هيأ لهم خياطا، يخيط لهم ملابس تماشي العصر، حتى إذا ما خرجوا للتجوال في شوارع بغداد وأحيائها، والاطلاع على حالها، كان الاعتقال والسجن بانتظارهم، على أيدي مسلحين، من دون أي ذنب اقترفوه، ولولا جهود « ياسمينة »، التي تابعتهم طائرة في فضاء بغداد، ملاحقة إياهم، لتُحدد مكان اعتقالهم، ما نجوا أبدا، ولا استطاع الفلاح بما لديه من علاقات بسماسرة ومرتشين، أفاض عليهم بالمال والهدايا لقاء إطلاق سراحهم. غادروا السجن، وقائدهم السندباد، يخاطبه من قبل أن يدخل ورفاقه الخيمة، ويطلقون الأبخرة من قنانيهم، ويختفون قائلًا:
أيها الســـجن، لا وداعًا لســـــجنٍ فــي عــراقٍ يعـــجُّ بالأخطــاءِ
فاعترض، أو لا تعترض لرحيلي، سوف أمضي بحشرجات اللقاءِ
آمِـلاً أن ألقاك ليــس بســـجنٍ، في عــراقٍ خال مـن السـجناءِ
ليدخل السندباد بعدها ورفاقه، في عالم المستقبل، حدده الشاعر بعام 2210 م.، مودعًا بغداد البائسة، وما فيها من جور وظلمات، وانتهاك حرمات، حتى إذا حطَّ بخيمته على رصيف في مدينة حديثة، بعمارات وأبراج شاهقة، وحدائق وشوارع، وسيارات طائرة في الفضاء، وأخرى تسير على الأرض، يتفاجأ الناس بقدومهم، ومن غرابة هيئاتهم، فيَهِمُّ فريق بالهروب هلعًا، من قبل أن تصل سيارة حديثة، يترجل منها رجلٌ أنيقٌ، فيتجه إلى الخيمة، مرحباً بالقادمين:
وأخيــرًا، وبعد صبـــرٍ طـويـلٍ قد وصلتم، فمرحباً يا رفاقي
بعد ذاك العراق، أهـلًا وسـهلًا قد شــرفنا بكم بهذا العـراقِ
اخرجوا، أنتم بين أهلٍ وصحب… فيتم السندباد من داخل الخيمة عجز البيت: لفظة السـر؟ قبل أي اتفاقِ…
ولفظة السر التي يعلنها الرجل الذي استقبلهم هي:
لفظة السر؟ إن بغداد شمسٌ… فيخرج السندباد ورفاقه من الخيمة، متممًا بيت الشعر بعجز، قال فيه: ليتها قد عادت الى الإشـراقِ
فيطمئنه المضيف، المستقبل لهم، والذي يظهر فيما بعد، أنه واحد من أحفاد الفلاح، الذي أقاموا في حقله حين وصولهم بغداد، عام 2007 م.، أيام انهيارها، وضياع أمرها وأمنها، والذي بعث لأحفاده برسالة مع السندباد، يوصيهم خيرًا بالقادمين إليهم في عصرهم. وسط احتفاء كبير من أهل بغداد عام 2210 م.، بالقادمين، يستذكر السندباد ورفاقه أيام الظلمة في بغداد بأبيات ومقاطع شعرية، تكشف عن حال بغداد حينها، وما كان فيها من ظلم وجور.
أقام السندباد ورفاقه شهرا عند مستضيفهم، مستأنسين ببغداد المزدهرة، من قبل أن يغادروها عائدين إلى ماضيهم، بسبب انتهاء مدة رحلتهم، التي حددها الكيميائي بعامين، ينتهي بعدها مفعول كيميائه، آسفين أنهم لن يستطيعوا البوح بأسرار رحلتهم، لأنها محض خيال، ليس من السهل تصديقه. وأنهم سيتهمون لو تحدثوا بما شاهدوا من أهل زمانهم بالكذب. فاتفقوا على أن تقوم ياسمينة، بحل ذلك الإشكال، بنقلها لأخبار تلك الرحلة عبر الأزمان: الماضي والحاضر والمستقبل للطيور، والأشجار والطبيعة، التي تعيش ياسمينة فيها، متيقنة من تصديقهم إياها، لأن ياسمينة والطيور لا يعرفون الكذب والخداع، فتقول:
إلا الطيور فحتماً لن تكذبني لكن ترد على بغداد بالطـربِ
كذا اتفقنا على أنـي أحدثها حتى تحدث عن بغداد للسحبِ
الى نهاية المقطوعة الشعرية فيؤمّن جميع الحضور على ذلك بالثناء عليها ومنهم الوزير الذي كان ملازمًا لهم قائلا:
يليق بياسمينة كل مجدٍ أجل، لم لا؟ رواية ياسمينةْ
ويعقّب السندباد ورفاقه على ذلك بـ: أجل، لم لا؟ رواية ياسمينةْ…
وهنا ينتهي طوافي حول عاصمة الرشيد، من خلال « بغداد برواية ياسمينة»، مؤكدًا أن الشاعر قد أعاد للمسرح الشعري هيبته التي انطفأت مع انطفاء رواده الأوائل، إذ لم يجازف شاعر بدخول هذا المعترك الصعب، وبالصيغة التي ابتكرها الشاعر هزبر، متابعا في كتابته عددا قليلا من الشعراء، على رأسهم احمد شوقي في مصر، وخالد الشواف في العراق. مع ملاحظة أن الشاعر هزبر قد اختلف عنهم في أسلوب كتابته، اختلافاً جذريًا، حيث ابتعد عن استخدام أشعار سواه في أحداث وشخصيات مسرحيته، مع أنه اتكأ بشكل غير مباشر على حكايات « ألف ليلة وليلة »، لكنه لم يأخذ من تلك الحكايات شيئاً محددًا من شعر ونثر، بل كان مجددًا فيما كتب عبر انتقالاته الخيالية بين قرون آفلة، وحاضرة، ومستقبلية.
ومما يحسب للشاعر هزبر في مسرحيته، اعتماده كليًا على شعره العمودي، من دون سواه، متنقلاً بين بحور شعرية مختلفة، استحضر فيها ما يدور بدواخل الفرد العراقي من معاناة وتوقعات وآمال. كذلك تحسب للشاعر جرأته في طروحاته المباشرة، وتشخيص وضع البلد بماضيه وحاضره، مبشراً بأيام زهو وعزة قادمة على أيدي أبناء العراق البررة لآباء عانوا الكثير، وصمدوا بوجه التحديات وصولا إلى ما وصل إليه أحفاد الفلاح، العالم الكبير، الذي كان متخفيًا. ويكفي الهزبر انه دخل مدخلاً صعباً وخرج منه بسِفر شعري يحسب له، ويدون باسمه كأول شاعر مسرحي في الأدب المعاصر، منتظرين تحقيق نبوءته في أن تنهض بغداد من كبوتها، ليعود لها زهوها المفقود بأرض مستقرة، وفضاء يتسع لـ « ياسمينة »، وللسندباد ورفاقه وأحفادهم بالحياة الكريمة، التي نرجوها، وننتظر تحقيقها، وذلك آت بعون الله لا محالة…
