قِصَّة قَصِيرَة: مَوْسم لَلاَّ دِّيمُقْرَاطِيَّة
عبد الرحيم التوراني
في البدء كانت الكلمة للبوق. لم يحفل أهالي بلدة لَلاَّ دِّيمُقْرَاطِيَّة في البداية بصوت الراوي المبتسم، الذي أخذ يعلي صوته الجهوري من وراء بوق نحاسي لامع عند مدخل الميدان. كان الرجل يرتدي قبعة عالية غريبة الشكل، ويهز عصا أبنوسية مصقولة هتافا وترغيبا:
– قربوا يا ناس.. الديمقراطية في الصندوق…
لكن البلدة لم تكن غريبة عن المواسم، فأهلها يعرفون طقوس مولاي عبد الله أمغار وحلقات ذكر سيدي الهادي بنعيسى وتفاصيل موسم التمور والزيتون وجني المحاصيل. إلا أن هذا الموسم الذي وصفه الراوي بالمبارك، كان مختلفا تماما.. فهو يجيء بحساب التمام مرة واحدة كل خمس سنوات، ليقلب حياة البلدة رأسا على عقب.
تنصب له الخيام الواسعة الملونة في الميدان الفسيح، وتتراكم فوق المصاطب الخشبية بضائع لم يروا لها نظيرا في الأسواق من قبل، وعود طازجة تذوب كالسكر تحت اللسان، مواعيد عرقوبية لُفَّت بعناية بالورق الشفاف البراق، وعهود معسولة وبرامج مصنوعة بعناية فائقة من هواء وصدأ.
كان الحاوي يرتدي بدلة داكنة أنيقة وله وجه حليق كأنه خرج للتو من شاشة تلفزيون حديثة. وقف بجانب صندوق زجاجي مربع شفاف وتحلقت حوله شوافات وعرافون، يرتدون ياقات بيضاء ناصعة، يلوحون بالمباخر وينشدون قصائد المديح في بركات الولية الصالحة للا ديمقراطية.
بدأ العرض الشيق. اقترب رجل قروي جفت يده وتصلبت أصابعه كأنها قطعة حطب يابسة، ودفع بعناية عبر شق الصندوق ورقة ناصعة بيضاء عليها رسم بسيط لحمامة. تبسم الحاوي ورقصت عيناه بخفة. خضَّ الصندوق خضا خفيفا، وما هي إلا لحظات حتى اضطرب القاع الزجاجي، واستحالت الحمامة حية بيضاء تسعى بسرعة وتتلوى برأسها الأصم نحوه، مثيرة رعب الحاضرين.
قفز رجل آخر من وسط زحام المشاهدين وألقى بورقة تحمل رمز الوردة. في تلك اللحظة تعالت الموسيقى المبهجة من خيمة الشيخات التي نصبت في هزيع الليل، لكن حين نظر الجميع داخل الزجاج الشفاف، رأوا الوردة قد انكمشت وتصلبت حتى أضحت عقربا شوكاء سوداء، رفعت شوكتها السامة لتلدغ اليد التي مدتها إليها.
وحين جاء دور السنبلة الخضراء، لم تكد تلامس قاع الصندوق حتى انقلبت سيفا مسموما حاد الشفرتين، يتوهج ببريق قاتل لا يرحم.
جاء رجال أقوياء يحملون التراكتور بعجلاته الضخمة وصوته الهادر، حاولوا حشره في الشق الضيق لفتحة الصندوق، فتهشم الحديد وانكسرت الأضلاع المعدنية للجرار. ثم أطلقوا الحصان، فاستحال في لحظة إلى غضب هائج، رفس الصندوق الزجاجي بكل قوته وشرخ أركانه، وشتت الشظايا اللامعة في كل جانب.
أما الميزان فقد اختلت كفتاه فورا وانكسر عموده الفقري كأنه قصبة يابسة لا قيمة لها.
ثم وصل شخص ملتح مجلبب، على رأسه الأشيب طاقية سوداء، وبيده عكازة منحوتة من خشب العرعار. فأشعل فتيل مصباح زيتي برائحة نفاذة، وألقى به داخل الصندوق الزجاجي المكسور. وما هي إلا رمشة عين حتى غابت شمس الظهيرة وحل الكسوف المفاجئ! وتبعه أصحابه يحملون لامبة تقليدية، لكنهم افتقدوا الزيت اللازم لإشعال الفتيل، فاستبدلوا الزيت بلعاب زعيمهم السائل من فمه وهو يتطلع بشغف وشبق إلى ما سيجنيه من أموال وثروات.
وفجأة أبصر الناس شخصا قصيرا آتيا من بعيد، يركض بهستيريا وجنون صوب خيام الموسم. ولما اقترب ذهل الجميع حين رأوا أن له رأس كرة قدم، وعينين من كرتي قدم صغيرة ولامعة… وما أن همّ بركوب التراكتور المكسور، حتى استحالت عجلاته الثلاث إلى كرات قدم ضخمة. صرخ الرجل الكروي المكوَّر في الجمع بحماس مجنون: “هيا جميعا.. اتبعوني لنسجل الأهداف.. أهداف التنمية والتقدم والرخاء في الشباك...
اندفع خلفه بعض السذج يركضون ويصيحون، لكنهم لم يجدوا أمامهم أية شباك، لم تكن هناك سوى أرض محروقة يابسة قاحلة. وحين لاح البحر الأزرق أمام أعينهم، لم يتردد الشباب وكل من امتلك القدرة والاستطاعة، فارتموا فورا فوق أمواجه المتلاطمة يبتغون النجاة والهروب نحو الضفة الأخرى.
صاح الحاوي بلسان رخيم ونبرة أب رؤُوف: “لا بأس.. لا بأس! الكرامات تتنزل الآن… “
في هزيع الليل الأخير، وفي عتمة الكسوف وطقوس التبرك بالضريح، أُعلن من أعلى المنصة عن فوز حزب سرّي لم يره أحد من قبل في البلدة. كان رمزه حشرة غريبة سوداء، حشرة تنبعث منها رائحة صدأ نفاذة ورطوبة متعفنة.
لم يعترض الضحايا على النتائج الغريبة. بل على العكس، تقدمت الرموز الممسوخة والمكسورة، ووقف قادتها من أمناء الأحزاب وسدنة الضريح، ورفعوا طعونا حارة إلى المجلس الأعلى ليس لإلغاء النتائج، بل لينال كل رمز على حصته الشريفة والمقدسة في الفوز.. وكان دليلهم الساطع الذي قدموه للقضاة هو مقدار العدوى والصدأ الذي يسري جليا على سحناتهم وأوصالهم المتعبة.
أُخذت الطعون ببالغ الاحترام والتقدير، وتمت المحاصصة المباركة بنجاح، ووزعت المقاعد تحت القبة المذهبة اللامعة بإنصاف بين الحشرات والحيات والعقارب والسيوف والصدأ.
في الصباح كانت الخيام قد طويت بسرعة، ورفعت الألوية الملونة، وغادر الحاوي ومعه الشوافات والشيخات وأصوات المنادين. وعاد مواطنو بلدة للا ديمقراطية صاغرين ومنكسرين إلى بيوتهم الطينية البائسة.. يسعلون قليلا من دخان البخور، وينتظرون البحر… منهم من ينتظر مجيئه ليركبه صوب الشمال بعيدا عن كرامات للا ديمقراطية، ومنهم من يتطلع إلى أمواجه علّها ترمي جثث أولادهم الذين سرقهم الغرق.
وخلال هذا الانتظار الطويل والمر، كان ضريح للا ديمقراطية يتحول رويدا رويدا إلى مقبرة ضخمة مفتوحة الأبواب، تستقبل الأحياء بدفء وخيانة، وتغريهم بما هو أفضل من الجنة.
ومن بعيد.. عند اقتراب الفجر، كانت تسمع أصوات غريبة شجية تشق خفوت الظلام، أصوات كأنها الهمهمة، تردد بألسنة خاشعة وموقنة أدعيةً وابتهالات متوسلة:
“بركاتك مولانا المخزن…
مولانا نسْعاوْ رضاكْ…
وعلى بابك واقفين...
يَا لَلاَّ.. يَا لَلاَّ دِّيمُقْرَاطِيَّة!
جِئْنَاكِ شِيَاعاً وَفُرَادَى،
نَطْلُبُ بَرَكَتَكِ المَمْزُوجَةَ بِالبَخُورِ وَالوَهْمِ،
وَنَلْثَمُ أَعتَابَ الصُّنْدُوقِ الزُّجَاجِيِّ المَكْسُور
هَبِينَا خِفَّةَ اليَدِ كَيْ لاَ نَرَى السُّمَّ فِي الُوَرُودِ،
وَارْزُقْنَا صَبْرَ الخُيُول حِينَ تُرْفَسُ في الحَلَبَة،
وَاجْعَلْ حَيَّاتِكِ الرقطاءَ لَطِيفَةً حِينَ تَلْتَفُّ حَوْلَ الأَعْنَاق!
مَوْلاَنَا المَخْزَنُ نَسْعَاوْ رِضَاكْ..
وَعَلَى بَابِكَ وَاقِفِين،
نَبِيعُ لَكَ الزَّيْتُونَ المُرَّ وَبَقَايَا الأَمَلِ،
كَيْ نَشْتَرِيَ بَيْضَةً ذَهَبِيَّةً لاَ تُؤْكَل،
وَنَنْتَظِرَ الحَشَرَةَ الفَائِزَةَ لِتَكْسُوَ أَوْصَالَنَا بِالصَّدَأِ المُبَارَك!
آمين..
***
بعد خمس سنوات رجع المنادي وبدأ يصيح من جديد في أزقة البلدة قرية البائسة. كان صوته يلتصق بالجدران الطينية اليابسة كضربة السوط، وبوقه النحاسي يلمع تحت شمس الهجير الحارقة. لم يلتفت إليه أحد في البداية، فالناس هنا يعرفون الصدأ الذي ينخر المعادن والأرواح على حد سواء، ولا يكترثون للغريب الذي يصرخ في الطريق.
قال المنادي ووجهه مطلي بابتسامة عريضة كئيبة: “أيها الناس.. أيها الناس.. موسم “للا كرامة” قد أقبل.. تعالوا لتنالوا نصيبكم من البركات والوعود الطازجة! .
لم يكن في القرية ضريح ولي اسمه “للا كرامة”، ولا قبر لولية صالحة، ولكنهم كانوا يعرفون هذا الموسم جيدا، هو نسخة كربونية من موسم للا ديمقراطية. ينصبون له الخيام ويفرشون الحصير ويجلسون ينتظرون شيئا لن يأتي أبدا.
على منصة خشبية تهتز مع كل نسمة ريح، وقف خطيب يرتدي معطفا طويلا باليا، رأسه ليس رأس إنسان، بل هو كرة صوف متشابكة ومعقدة، تتساقط منها الخيوط وتتعقد كلما تكلم وحاول الإقناع. قال بصوت يشبه فحيح الأفاعي: – نعدكم بالنعيم.. نعدكم بالأنهار العسلية.. نعدكم بأن تكون كل بيضة تحتاجونها، بيضة ذهبية...
صفق له الناس طويلا، وصفقوا بحماس، كأنهم لم يسمعوا قبل ذلك أن البيض الذهبي لا يؤكل وأن كرة الصوف لا رأس لها، وأن الوعود لا تشبع جوعا.
وفي الزاوية بعيدا عن المنصة، كان هناك رجل يبيع أوراقا ملونة مزخرفة، ليست أوراقا نقدية حقيقية، ولكنه قال إنها تشتري المقاعد في الجنة. اشتراها الناس وقدموا له في المقابل بقايا أملهم، وبعض حبات فاكهة مرة كالزقزم، بضاعتهم الوحيدة التي لم تصدأ بعد.
في الليل حين هدأت الأصوات وتفرق الناس إلى أهليهم، بقي المنادي وحده في الميدان الفسيح، يهز عصاه الأبنوسية، ويتمتم بكلمات لم يسمعها أحد: – الموسم القادم.. الموسم القادم.. موسم “للا حرية”.. وسنبيع لهم مقاعد في جهنم.. وسيشترونها بالأمل نفسه، وبالزقوم المر نفسه .
