العروي والمعيار المختل عند نيني!
د. محمد الشاوي
لا شك أن بعض الأقلام الصحفية، حين تشتد بها الرغبة في محاكمة الآخرين، تنسى أحيانًا أن الذاكرة لا تمحو البدايات، وأن من خبر هامش الحياة ومعاناتها لا ينبغي له أن يتعامل مع تجارب الناس من برج عاجي، أو أن ينصّب نفسه قديسًا متعاليًا عن الخطايا، مدعيا طهارة النفس.
ولعل هذا ما يجعل مقال رشيد نيني، المعنون بـ: “الأوروبيون الجدد”، جديرًا بالوقوف عنده ومناقشته، لاسيما حين ينتقل من نقد مظاهر العنصرية الإسبانية إلى عقد مقارنة بين الأديب الإسباني خوان غويتيصولو والمفكر المغربي عبد الله العروي، مستندًا إلى تفاصيل من حياتهما الشخصية، من قبيل عدم إنجاب أيٍّ منهما أطفالًا، وإلى خيارات ومواقف أخرى ذات طابع شخصي، منها قبول العروي إحدى الجوائز العربية، مقارنة بغويتيصولو الذي رفض جائزة أخرى.
وقد نسي النجم المُشعشع أن غويتيصولو، الذي يُستدعى في المقال المذكور نموذجًا للموقف الأخلاقي من الجوائز، لم يكن رافضًا لها على إطلاقها، كما قد يوحي المقال. فالتاريخ يخبرنا أن غويتيصولو رفض سنة 2009 جائزة دولية للأدب كانت ممولة من نظام معمر القذافي، لأسباب سياسية وأخلاقية صرّح بها آنذاك. لكنه، في المقابل، قبل جائزة ثربانتس الإسبانية لعام 2014، وتسلمها شخصيًا من الملك فيليبي السادس في حفل رسمي بجامعة ألكالا دي إناريس في 23 أبريل 2015.
ومن ثم، فإن رفضه جائزة القذافي كان مرتبطًا بسياق سياسي وأخلاقي محدد، ولا يجوز تحويل موقفه من جائزة بعينها إلى معيار أخلاقي عام لمحاكمة عبد الله العروي أو غيره.
ومن هنا، فإنه من السخرية بمكان أن ينصّب الصحفي رشيد نيني نفسه قاضيًا للأخلاق الفكرية، ويوزّع صكوك الطهارة على الكبار، ناسيًا أو متناسيًا صفحات تجربته الأولى. أليس هو صاحب كتاب: “يوميات مهاجر سري”، ذلك السجل الواقعي الذي وثّق فيه تجربته الخاصة والمرهقة في قاع المجتمع الإسباني، بين أليكانتي ومدريد وبرشلونة، حيث خبر بنفسه مرارة جني المحاصيل في الحقول، وشقاء العمل في المطاعم والحانات ومراقص الليل وورش البناء، بعيدًا عن أوهام وبهرجة قصص النجاح الزائفة، وقبل أن يصبح النجم المُشعشع في سماء الصحافة؟
فكيف لمهاجرٍ سري سابق اكتوى بنار التهميش وقسوة الواقع أن ينصّب نفسه محققًا ينتقد مفكرًا بحجم المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي، مقارنًا إياه بالأديب والكاتب الإسباني خوان غويتيصولو؟
وكأن نيني قد نسي أن غويتيصولو لم يكن مجرد أديب وناقد سياسي، بل كان شخصية إشكالية ومتمرّدة على كثير من الثوابت والمؤسسات التقليدية والمجتمعية. وقد تناول في مذكراته وتجربته الأدبية جوانب حميمة من حياته، من بينها مثليته الجنسية، بصورة صريحة. كما وثّقت صحيفة «El País» رسالته إلى مونيك لانج، التي أفصح فيها عن مثليته، في سياق يكشف تعقيد تجربته العاطفية والشخصية.
وهذا موقفه ورأيه، وتلك اختياراته الشخصية والفكرية، ولا مجال لمصادرتها أو توظيفها خارج سياقها. لكن المفارقة هنا أن من يستحضر الحياة الخاصة لشخصية فكرية مغربية باعتبارها مدخلًا للحكم عليها، سيكون عليه، بالمنطق نفسه، أن يتعامل مع حياة الأديب الذي يقارنه بها بكل تفاصيلها وتعقيداتها، لا أن ينتقي منها ما يخدم حجته، ويغضّ الطرف عما سواه.
وعلى هذا الأساس، فإن أي محاولة لمحاكمة العروي بمنطق المزايدات الصحفية، والقفز على موقف اختاره هو بكامل إرادته، لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للنيل من مكانته الفكرية أو التقليل منها.
ولأجل ذلك، فمن يُفترض أنه عايش قاع الهجرة وتناقضات الإنسان المهاجر المقهور، كما وثّق في “يوميات مهاجر سري”، كان أحرى به أن يمتلك عمقًا نقديًا يتيح له أن ينتقد نفسه أولًا، وأن يتجاوز تسطيح المواقف واصطياد المزايدات، لا أن يمارس محاكمات جاهزة تتجاهل السياق الفكري والتاريخي لأعلام الفكر المغربي.
إن الاختلاف مع العروي حق مشروع، ونقد أفكاره ومواقفه حق لا ينازع فيه أحد، لكن النقد الفكري الجاد لا يقوم على محاكمة الأشخاص من خلال تفاصيل حياتهم الخاصة، ولا على اختزال قيمة مفكر في موقف شخصي أو اختيار حياتي. فعبد الله العروي يُناقش بما أنتجه من فكر وتاريخ وأدب ونقد، وبما تركه من أثر في الثقافة العربية والمغربية، بل وفي الفكر الإنساني، لا بعدد الجوائز التي قبلها أو رفضها، ولا بما إذا كان قد أنجب أم لم يُنجب.
وبالمقابل، فإن خوان غويتيصولو يُقرأ بوصفه أديبًا كبيرًا وصاحب تجربة فكرية وأدبية وسياسية معقدة، لا بوصفه مجرد شخصية تُستدعى انتقائيًا لإسناد حكم مسبق على شخصية أخرى. ومن هنا يصبح هذا التأمل مشروعًا: إذا كانت الحياة الشخصية معيارًا للحكم على المفكرين والأدباء، فلماذا يكون المعيار انتقائيًا؟ ولماذا يُستدعى من سيرة العروي ما يخدم الحجة، بينما تُهمَل الجوانب الأخرى من سيرة من يُقارن به؟
وعليه، فإن المشكلة ليست في الاختلاف مع عبد الله العروي، ولا في نقد مواقفه، بل في تحويل النقد إلى محاكمة، وتحويل الاختلاف الفكري إلى مزايدة أخلاقية، وكأن قيمة المثقف تُقاس بمطابقة حياته الخاصة لمعايير يضعها الصحفي رشيد نيني لنفسه ولغيره.
لقد كان الأولى بمن خبر بنفسه مرارة الهجرة السرية، وعاش، كما وثّق في يومياته على هامش المجتمع الإسباني، أن يدرك أكثر من غيره أن الإنسان أعقد من أن يُختزل في موقف أو اختيار أو تفصيل من تفاصيل حياته.
وكان الأجدر به أن يكون أكثر إنصافًا تجاه من يختلف معهم، وأكثر حذرًا من إصدار الأحكام الجاهزة. فالمثقف الحقيقي لا يحتاج إلى محكمة أخلاقية لكي نختلف معه، ولا إلى التشهير بالسيرة الشخصية كي ننتقد أفكاره ومواقفه، بل يحتاج إلى الحجة والمعرفة، وإلى احترام تعقيد التجربة الإنسانية واختلافها من شخص إلى آخر.
