أنفٌ في الأدب.. ورحلةٌ في فلسفة الجسد والذاكرة

أنفٌ في الأدب.. ورحلةٌ في فلسفة الجسد والذاكرة

مينة المغاري

       حين يصبح الأنف موضوعاً للأدب… وتصبح التفاصيل الصغيرة ذاكرة أحياناً، تكفي تفصيلة صغيرة في جسد الإنسان لكي تفتح أمامنا عالماً واسعاً من الحكايات والمعاني.

في يوم السبت 5 شتنبر 2026، اجتمعت صديقات «غرفة صديقات أجمل العمر» لاستئناف حلقاتنا المخصصة للجسد، وكان موعدنا هذه المرة مع الأنف، ذلك العضو الذي نراه كل يوم، ولا نتوقف عادةً عند ما يمكن أن يحمله من رموز ودلالات.

اختارت الأديبة والصحفية الرائعة أمينة إسحاق أن تقودنا في رحلة ممتعة عبر الأدب العالمي، تحت عنوان: «الأنف.. حياة وأنفة وسلطة».

ومنذ البداية، أدركنا أن الموضوع ليس عن الأنف وحده، بل كان عن الإنسان، عن صورته أمام نفسه وأمام الآخرين، عن الجمال والقبح، عن الكبرياء والكرامة، عن الذاكرة التي تستيقظ أحياناً من رائحة، وعن الأدب الذي يستطيع أن يجعل من تفصيل جسدي بسيط علامةً على شخصية كاملة.

في حديقة الأستاذة الدكتورة لطيفة حليم، كان للمكان نصيب من جمال اللقاء، فقد رتبت الكراسي في دائرة، وكأنها أرادت أن تقول لنا إن الثقافة لا تُلقى من أعلى، وإنما تُبنى في فضاء المشاركة والحوار. كانت الحديقة هادئة، والجو حميمياً، واللقاء أقرب إلى لَمّة صديقات منه إلى جلسة أكاديمية تقليدية.

كل الشكر والامتنان للصديقة لطيفة حليم، صاحبة “غرفة صديقات أجمل العمر”، على كرم الاستقبال وحفاوة الضيافة، وعلى عنايتها الكريمة بإطار هذا اللقاء، الذي استهلته بالاستشهاد بالمثل العربي الشهير: “لأمرٍ ما جَدَعَ قَصِيرٌ أنْفَه.

أما أمينة إسحاق، فقد أخذتنا في مداخلتها من الأنف بوصفه عضواً في الجسد إلى الأنف بوصفه علامة ثقافية وأدبية. حدثتنا عن علاقته بالتنفس والحياة، وبالشم والذاكرة، وبالصورة الجسدية والهوية، ثم توقفت عند حضوره في الأدب والسينما والمسرح، وعند الصلة اللافتة بين الأنف والأنفة والكبرياء والاعتداد بالنفس.

وحين حضرت شخصية “سيرانو دو برجراك” في الحديث، بدا لنا كيف يستطيع الأدب أن يقلب النظرة إلى الجسد: فما قد يبدو عيباً أو موضعاً للسخرية يمكن أن يتحول، في عالم الأدب، إلى علامة على التفرد والشخصية والبلاغة.

ولم تكتفِ أمينة بالحديث عن الموضوع، بل جعلته مشهداً حيّاً من خلال قطعة مسرحية أدتها بنجاح تحت قبعة تحمل أكثر من دلالة، فانتقلت بنا من الكلمة إلى الأداء، ومن التحليل إلى الإحساس، وأضافت إلى اللقاء بعداً فنياً جميلاً.

ثم جاء دور الصديقات، وهنا أخذ اللقاء شكله الحقيقي.

تعددت المداخلات، واختلفت الزوايا، وتقاطعت التجارب، صحية وجمالية ونفسية وثقافية، واستدعينا أمثلة من الحياة اليومية ومن الذاكرة ومن الموروث الشعبي. اكتشفنا أن الموضوع الذي بدا في البداية بسيطاً وطريفاً، كان قادراً على أن يقودنا إلى أسئلة أكبر حول الجسد، والهوية، ونظرة الإنسان إلى ذاته، ونظرة المجتمع إليه.

وهكذا، لم يعد الأنف مجرد عضو في الوجه، بل صار علامةً نقرأ من خلالها الإنسان. ولعل هذا هو سحر اللمات الثقافية والأدب: أن تجعلنا نتوقف أمام ما اعتدنا رؤيته، وأن تعيد إلى التفاصيل اليومية معناها، وأن تفتح من الأشياء الصغيرة أبواباً واسعة للتأمل.

لكن أجمل ما في هذا اللقاء أنه لم يكن درساً في الأدب فحسب، كان لَمّةً جميلة لصديقات أجمل العمر.

في الحديقة بين عطر الزهور وعطور اقتسمناها أُخرجت من الحقائب اليدوية للصديقات، وبين دفء الصحبة وثراء الحوار، امتزجت المعرفة بالضحكة، والفكرة بالذكرى، والثقافة بالمودة. وفي النهاية، ربما كان أجمل ما خرجنا به أن الصداقة نفسها يمكن أن تكون فضاءً للمعرفة، وأن المعرفة حين نتقاسمها مع من نحب تصبح أكثر دفئاً وأقرب إلى القلب.

شكراً لطيفة حليم على البيت الذي فتح لنا أبوابه، وشكراً لأمينة إسحاق على هذه الرحلة الممتعة في عوالم الأدب، وشكراً لكل الصديقات اللواتي حضرن، وشاركن، وأغنين النقاش بحضورهن وكلماتهن وذكرياتهن.

ويبقى في الذاكرة من هذا اللقاء:

  • أنفٌ قرأناه في الأدب،
  • وحديقةٌ احتضنتنا،
  • وصديقاتٌ جمعتهن أجمل العمر،
  • وفكرةٌ صغيرة قادتنا إلى أسئلة كبيرة عن الإنسان.

فما أجمل أن نلتقي… وما أجمل أن نكبر معاً، ونحن لا نزال نجد في كل لقاء فكرة جديدة، وذكرى جديدة، وضحكة جديدة.

سيّرت الجلسة: الأستاذة مينة المغاري

شارك هذا الموضوع

أمينة المغاري

أستاذة باحثة في التاريخ والأركيولوجيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!