أحداث سبتة.. أو في العلاقة بين “السياسي” و”الاجتماعي”

أحداث سبتة.. أو في العلاقة بين “السياسي” و”الاجتماعي”

 حـسـن زهـيـر  

           “إذا لم يتمكّن السياسيون من سماع كل هذه الأصوات والحناجر، فهُم بالتأكيد في حاجة إلى آلات دعم السمع” (المغني والملحن الإيرلندي “بوب غيلدوف”)

     في ثمانينات القرن الماضي، عندما كان الفقر والخصاص والمجاعة تنخر أجساد الأطفال والشيوخ والنساء في القارة السمراء، قاد المغني والملحن الإيرلندي، “بوب غيلدوف”، خلال تلك الفترة مبادرة فريدة من نوعها، إذ نظّم حفلين موسيقيين كبيرين لفرق “روك أند رول” عبر العالم، حوالي أكثر من 70 فناناً وفرقة موسيقية عالمية. الحفل الأول كان في ملعب ويمبلي بلندن والثاني بملعب جون كينيدي بفيلاديلفيا.

     اختار المُنظّمون للتظاهرتين شعار: “من أجل المساعدة على الغذاء”. ثلاثة أيام، إذن، من الموسيقى والفن، استقطبت مئات الآلاف من المتفرجين وأكثر من مليار مُشاهِد حول العالم، وجمَعت أكثر من مائة وعشرين مليون دولار ما بين التذاكر، التبرعات، حقوق النقل التلفزي، إلخ. وقد عرَفت تظاهرة فيلادلفيا الموسيقية اختتاماً رائعاً على إيقاع الأداء الجماعي للأغنية الشهيرة: “نحن العالم.. نحن الأطفال”. كلّ ذلك كان من أجل مساعدة الضحايا في المناطق المتضرّرة بأفريقيا. وقد وقف “بوب غيلدوف” بنفسه على سير المفاوضات مع المنظّمات الحكومية لضمان سبل وصول المساعدات كاملة إلى المتضرّرين.

        بعد ذلك، استدعت قناة الـ “بي بي سي” الفنان الإيرلندي، صاحب المبادرة، للحديث عن تقييمه لنتائج التظاهرتين، فأطلق جملته الشهيرة: “إذا لم يكن السياسيون قد تمكّنوا من سماع كُل تلك الأصوات والحناجر، فهُم بالتأكيد في حاجة إلى آلات دعم السمع”. شكّلت  هذه المقولة، في تلك الفترة، تعبيراً مجازياً عن التوتر والتنافر الدائم بين مجال الفعل السياسي، الذي يُكرّر، باستمرار، فكرة أن للاقتصاد قوانينه التي تتجاوز إرادة الأفراد وتتعالى عن الحساسيات الاجتماعية، وبين مجال فعل الحركات الاجتماعية الواسع والمنفتح على قضايا  الناس في معيشهم اليومي، والذي يَحمِل في أعماقه شعار: “إن سياسة مختلفة أمر ممكن دائماً”.

     هذا التناقض والتنافر والتوتر الذي كان يشغل أذهان الفاعلين السياسيين ولا زال يشغلهم إلى الآن، ذات اليمين وذات اليسار، هو نتيجة لما يمكن تسميته بإشكالية العلاقة بين “السياسي” و”الاجتماعي”، فالبرامج السياسية،  بغض النظر عن الأغلبية الحاكمة أو الأقلية المعارضة، أصبحت شبه متماثلة في اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، وهو ما جعَل اليسار تحديداً، في المغرب وفي عدة مناطق من العالم، أمام مأزق سياسي-فكري يتجلّى، من جهة، في العجز عن إيجاد تمايزات مقنعة تُحافظ له عن هويته بعيداً التوجهات الكبرى للاقتصاد العالمي، ومن جهة ثانية يجد نفسه غير قادر على استيعاب التوتر القائم والمتكرّر بين الأداء السياسي داخل المؤسسات وبين ممارسات الفعل الاجتماعي خارج المؤسسات ووسط الشوارع. وهنا يُطرح السؤال: هل يرجع هذا الأمر إلى مجرّد نتيجة لضعف البنيات الكلاسيكية للاستقبال السياسي والمؤسساتي ؟ أم أننا بصدد تبلور قناعات بدأت تنتشر وتتحوّل، بالتدريج، إلى ما يشبه “إيديولوجيا” تعتقد أن بإمكان الفعل الاجتماعي الاحتجاجي، خارج المؤسسات، أن يكون مكتفياً بذاته، وقادراً لوحده على إحداث التغيير المجتمعي؟ فهل يمكن الحلم، إذن، بتغيير النظام السياسي دون الأخذ في الاعتبار الإكراه الاقتصادي؟ أي الخلط بين المسار الاقتصادي والمسلسل السياسي، أي بين إدارة الأشياء وإدارة البشر. أليس هذا هو الخطأ نفسه الذي وقعت فيه الديمقراطية الاجتماعية وتسبّب في إفلاسها؟ وها هو، اليوم، يُقوّض، بدون شك، الحركة البيئية؟

      يتعلّق الأمر، في نهاية المطاف، بضرورة تحديد عقدة التناقض ووضعها نصب أعيننا، من أجل محاولة فهم طبيعة معضلة العلاقة بين “السياسي” و”الاجتماعي”  قبل التفكير في البحث عن أيّ حلول ممكنة لها.

شارك هذا الموضوع

حسن زهير

باحث وكاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!