المجتمع الجاهل عدو لمن لا يجهل

المجتمع الجاهل عدو لمن لا يجهل

 د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

           «الإنسان عدو ما يجهل» هي مقولة قيلت وتُقال دائماً، بصيغ كثيرة ومتنوعة، ولستُ أنا من قال هذه القولة، ولا أنا من زرع معناها في كثير من العقول، ولا أنا من أوجد الخوف من المعرفة الجديدة.

وتُنسب هذه الكلمة إلى الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه/رضي الله عنه)، ولقد وردت من خلال قوله: «الناس أعداء ما جهلوا»، ومن خلال قوله: «الإنسان عدو ما لم يعلم». وفي هذا الرفض المجاني والعبثي يكمن الخوف المرضي، ويمكن رفض المخاطرة في العلم وفي الفكر، وفي الحياة اليومية قبل كل شيء.

ولعل أسوأ كل الحروب، وأغبى كل الحروب، هي التي قد تقع بسبب سوء الفهم، أو بسبب سوء التفاهم، فيقول هذا قولا، ويقرأ الآخر قولا آخر، ويحضر الخلاف بينهما، في درجة من درجاته، مع أن الاختلاف لا وجود له، وهو موجود فقط في الأذهان التي لا تقرأ إلا نفسها، وفي الآذان التي لا تسمع إلا نفسها. وهذا هو ما حصل للاحتفالية، عبر كل تاريخها ومسارها، والتي كُتبت كتابات قُدّمت فيها أفكار، والتي أصدرت بيانات بيّنت فيها ما كان في حاجة إلى تبيين، وفسرت الغامض وشرحت المركّب، وكل ذلك من أجل أن يعرفها عشاق المعرفة، معرفة حقيقية، ومن أجل أن يصلوا إلى بنيتها الفكرية والجمالية والأخلاقية العميقة، وأن يصلوا إلى مصدر صوتها المتكلم فيها، والخفي في أعماقها، وأن تكون هذه المعرفة مجسدة في هذا الجزء الصغير من المعرفة الإنسانية، والذي يمثله المسرح الاحتفالي، والذي هو اجتهاد فكري وجمالي يمكن أن يعزز خارطة الاجتهادات التجريبية في العالم، وأن يكون مدخلاً آخر لمعرفة بنية المسرح الحديث والمعاصر، وذلك من خلال معرفة أحد تياراته ومقاربة أحد تجاربه والاطلاع على أحد اجتهاداته.

ولو أنهم عرفوا هذه الاحتفالية، لأكدوا، في المقام الأول، على أنهم أهل علم وأهل معرفة، ولعرفوا بعد ذلك كل المسرح المغربي والعربي والإنساني، ولعرفوا من أين جاءت هذه الاحتفالية، ولعرفوا شروطها التاريخية، ولعرفوا السياقات التي ساقت هذه الاحتفالية، ولعرفوا تاريخ المسرح المغربي، ولعرفوا التراث الثقافي المغربي، العربي والأمازيغي والأفريقي والموريسكي والمتوسطي والحساني، والذي تأسست به وفيه التجربة الاحتفالية، في المسرح وفي كل الفنون والآداب المشهدية المختلفة.

وفي نفس هذا المعنى يقول شمس الدين التبريزي: «كلنا نعيش نفس الليل، ولكن لكل واحد منا ظلامه». ولقد اشتركت هذه الاحتفالية مع العالم في نفس الليل، ولكن كان لها ظلامها المغربي الخاص، والذي له سواده الخاص، وكان لها حلمها المغربي الخاص، ولقد أصرت على أن تشترك مع العالم في نفس التعييد الاحتفالي، وأن تحتفل بطريقة خاصة. ولكن.. هل فهم الفاهمون قصدنا، وهل استوعبوا معنى الكتابات الاحتفالية ومعنى البيانات الاحتفالية ومعنى المشروع الاحتفالي، ومعنى الرؤية العيدية للوجود؟

الكلام الذي هو كلام والكلام الذي ليس كلاماً

ويقول المثل الشعبي المصري: «نحن قلنا لهم هو ثور، وهم قالوا لنا احلبوه»، وما زالوا لحد اليوم ينتظرون منا أن نحلب لهم الثور. أما المثل الشعبي المغربي فقد قال: «أنا أشتكي له عقمي، وهم يسألونني: وكيف حال الأبناء والبنات وكيف حال الأحفاد والحفيدات؟».

وهذا الذي يعادي ما لا يعرف، فقط لأنه لا يعرفه، وليس لأي سبب آخر، عليه أن يعرف اليوم، وغداً وفي كل يوم، الحقيقة البسيطة التالية: وهي أنه بهذه الذهنية المنغلقة، لا يمكن أن يعرف مستقبلاً، في كل المعرفة الإنسانية، أي شيء. وهو عندما يعادي ما لا يعرفه، فهو في حقيقة الأمر يعادي كل المعرفة الإنسانية. وهل بمثل هذا الخوف من الجديد، في الفن والفكر والعلم، يمكن أن نؤسس في مستقبل الأيام والأعوام فكراً جديداً، وأن نؤسس علماً جديداً، وأن نؤسس مسرحاً جديداً، وأن نؤسس صناعات إبداعية جديدة؟ وبماذا؟ بعقول يسكنها الجهل والأمية والخوف من المعرفة، ولا تستطيع أن تقترب من خط المخاطرة العلمية والفكرية والجمالية؟

وما يجهله الإنسان اليوم، ينبغي ألا يجهله، وهو معرفة أخرى مختلفة. وهل يصح أن نخاف المعرفة، ونحن لا نعيش إلا بالمعرفة، ولا نتطور إلا بالمعرفة، ولا نتجدد إلا بالمعرفة؟

ولقد عبرت الاحتفالية عن وجودها وعن فلسفتها وعن اختياراتها من خلال كتابات نظرية وإبداعية كثيرة جداً، وهي تلك الكتابات الناطقة، والتي ظلت تتجدد على امتداد نصف قرن من عمر الزمان، وظلت تُكتب بصفات وبلغات وأبجديات متعددة ومتنوعة، ولكنها لم تُقرأ إلا قراءة واحدة ووحيدة. ولقد كان أبرز ما ميز هذه القراءة العقيمة هو خوفها من جديد المعرفة الاحتفالية، وهو هروبها من معنى البيانات الاحتفالية، وهو مواجهة الكتابات الاحتفالية العالمة بالشعارات الأمية. وماذا يمكن أن يكون الشعار في معناه الحقيقي؟

وبالنسبة للاحتفالي، فإن كل كلام نقوله ونعيده، بحناجر متعددة، وفي مناسبات متعددة، وبأصوات عالية جداً، هو مجرد شعار. وما أبعد العالم الاحتفالي عن عالم الشعارات، لأن الاحتفال امتلاء والشعار خواء!

وكل كلام نقوله وهو كلامنا، من غير أن نفكر فيه، ومن غير أن نوجد فيه، ومن غير أن نعرف معناه ومغزاه، هو أيضاً مجرد شعار. وما أبعد الزمن الاحتفالي المتجدد عن أزمان الشعارات العابرة والزائفة والمتبخرة في الهواء! ومن سوء حظ الفكر الاحتفالي أنه جاء العالم في زمن الشعارات السياسية والإيديولوجية.

وكل كلام تقوله لحظته، ولا نقوله نحن، وتنتهي صلاحيته في لحظته، هو شعار فقط.

وكل كلام يقولنا هو، بدل أن نقوله نحن، وتُقوله ونحن في شبه غيبوبة، هو شعار بكل تأكيد.

وكل كلام نقوله ونعيده، بحناجر متعددة، وفي مناسبات متعددة، وبأصوات عالية جداً، فإنه لا يمكن أن يكون إلا صيحة في وادٍ، وهو في شرع الاحتفاليين مجرد أصوات في الهواء، أو هو مجرد حروف على أوراق. وهذا هو حال كل ذلك النقد الذي خائن المعرفة الاحتفالية، لا لشيء، إلا لأنه لا يعرفها، ولا يحسن قراءتها.

المسرح دولة ديمقراطية

ويقول الاحتفالي: «لا عنصرية في المسرحية الاحتفالية»، و«لا غياب ولا تغييب في الاحتفالية»، و«لا عزلة ولا انعزالية في الاحتفالية»، و«لا طبقية في الاحتفالية»، و«لا بطولة فردية في الاحتفالية»، و«لا تقية في الاحتفالية»، و«لا مشيخة في الاحتفالية»، و«لا زعامة ولا زعماء في الاحتفالية»، و«لا إدارة ولا مدير ولا وزير ولا أمير في الاحتفالية»، و«لا ترتيب ولا تراتبية في الاحتفالية». والناس فيها إخوة وأحباب وأصحاب ورفاق طريق، وهم جميعهم يختلفون في درجات الجمال، وليس في درجات القبح، وهم يشتركون في كل شيء، ويقتسمون كل شيء، وأجمل وأنبل وأغلى ما يمكن أن يشترك فيه الاحتفاليون الصادقون هي اللحظة الاحتفالية الصادقة، وهي الساعة العيدية الحية.

وهذه الاحتفالية، في مسرحها، تؤمن بوحدة الوجود المسرحي، وهي لا ترتب مكونات المسرحية في مراتب، بعضها أعلى أو أدنى من بعض، وهي لا تقول بأن الكاتب المسرحي أحسن من المخرج، ولا تقول بأن الممثل أهم من العناصر السينوغرافية، ولا ترتب العناصر المسرحية المتعددة، فهي وحدة واحدة غنية ببعضها البعض، وقوية ببعضها البعض، ومقنعة ببعضها البعض، وممتعة جمالياً ببعضها البعض.

والنص المسرحي، في هذا المسرح الاحتفالي الغني، لا يمكن أن يكون إلا غنياً بمواضيعه وبمضامينه، وبلغاته، وبأبجدياته، وبشخصياته، وبأحداثه، وبمواقفه الأدبية، وبحالاته، وبحواراته، وبأجساده، وبظلاله، وبأصواته، وبصمته المتكلم، وبأصدائه التي تعيد نفس ما يُقال بشكل مختلف.

وهذه الاحتفالية لا علاقة لها بتلك الإشاعة التي أطلقها النقد المسرحي العربي، والتي افترض فيها أن الدولة المسرحية هي دولة ديكتاتورية، وأنها تحتاج لحاكم مستبد. وهذا ما جعل هذه الاحتفالية لا تردد مع كثير من القائلين مقولات لا تنسجم مع روح المسرح، ولا تنسجم مع فلسفة المسرح، والقائمة أساساً على الحرية والتحرر، وعلى الحوار بين العناصر المتكافئة والمتكاملة. ومن أغرب وأعجب ما روج له النقد المسرحي العربي: «ديكتاتورية الكاتب المسرحي»، أو «ديكتاتورية المخرج المسرحي»، أو «ديكتاتورية السينوغراف المسرحي»، أو «ديكتاتورية الجمهور المسرحي»!

والفضاء المسرحي هو بالضرورة فضاء احتفالي وعيد، وبهذا فقد كان فضاء ديمقراطياً، تتكامل فيه العناصر، وتتحاور فيه الأصوات، وتتعدد فيه اللغات، وتتقاطع فيه الأفكار، وتتكامل فيه الحالات، وتتعدد فيه المساهمات والاجتهادات.

والمهم، بالنسبة للاحتفالي، ليس هو قوة عنصر واحد في المسرحية الواحدة، وذلك على حساب كل العناصر المسرحية الأخرى، ولكن هو قوة كل المسرحية، وهو جمال كل المسرحية، وهو قدرتها على الإقناع والإمتاع، وعلى تأسيس لحظة احتفالية حقيقية، بمناخ احتفالي، وبإيقاع احتفالي، وفي فضاء مسرحي مؤثث تأثيثاً احتفالياً.

وبالتأكيد فإن مسرحنا هو مسرح غني.. وهو غني بمواضيعه، وغني بمضامينه، وغني بلغاتِه، وغني بنصوصه الأدبية، وغني بفضاءاته، وغني بحالاته، وغني بمواقفه، وغني بأزيائه، وأضوائه وظلاله، وغني بلحظة التلاقي الإنساني الجميل والنبيل.

ويؤمن الاحتفالي بأن ساعة الفرح العيدي، في يوم التعييد الاحتفالي، هي أكبر وأخطر وأغلى من كل الأيام العادية المتشابهة، وأن هذا اليوم الاستثنائي يتطلب جهداً استثنائياً وميزانية استثنائية. وفي هذا المعنى يقول المثل المغربي: «عرس ليلة تدبيره عام». وهي ليلة واحدة، مثلها مثل ليلة العرس المسرحي، تحتاج إلى مبدعين وإلى مفكرين وإلى صناع وتقنيين، وإلى عام واحد، أو ربما لأعوام كثيرة من التفكير ومن التدبير ومن البحث ومن الاجتهاد ومن التجريب ومن الإعداد.

وفي المسرح أيضاً، يمكن أن تقول: «احتفالية ساعة تتطلب جهداً ومالاً وخيالاً وفكراً وبحثاً وخبرة تقنية». ولهذا يكون من حقنا أن نسأل من يبحث عن المسرح الفقير: أين هو الفقر في كل هذه المساهمات والاجتهادات التي تمثلها فنون وعلوم وآداب وتقنيات وصنائع متعددة؟

والاحتفال المسرحي هو مأدبة حسية ورمزية، وفي هذه المأدبة يتغذى الجسد، بكل حواسه، وتتغذى النفس، وتتغذى الروح، ويتغذى العقل، ويتغذى الخيال. وليس هناك مأدبة فقيرة، فهي إما أن تكون مأدبة باذخة، تليق بمقام ضيوف الاحتفال المسرحي، أو لا تكون.

وعندما نشترك في فعل التفكير، ونشترك في فعل التعبير، ونشترك في فعل بناء المسرح الاحتفالي، فإن الذي يمكن أن يربح في النهاية هو الاحتفال المسرحي المتكامل، ويربح الفكر الحاد، ويربح الفن الجميل، وتربح القضية العادلة، ويربح الجمهور المثقف، ويستفيد الجميع، ويستمتع الجميع، ويربح الجميع ولا يخسر منا أي أحد.

والمبدع الاحتفالي، في مساره الاحتفالي، انتقل من التفكير الفردي إلى التفكير الجماعي، وعبر عن هذا التفكير الجماعي من خلال البيان، وانتقل من الأنا والأنانية إلى النحن والنحنية، والتي عبر عنها من خلال تأسيس «جماعة المسرح الاحتفالي»، والتي كانت تتضمن المفكر والمنظر والكاتب المسرحي والمخرج المسرحي والممثل المسرحي والسينوغراف المسرحي والناقد المسرحي والمؤرخ المسرحي والتقني المسرحي والمسير المسرحي.

ومهمة هذا البيان الجماعي هي أن يكشف عن طبيعة المسرح الاحتفالي، وأن يكشف عن فلسفته، وهو بهذا بيان جماعي يكشف عن رؤية جماعية للوجود، ويكشف عن موقف جماعي من الواقع والتاريخ، ويكشف عن حساسية جمالية عامة، ويكشف عن أسئلة ومسائل جماعية.

المسرح: من الجماعة إلى المجتمع

وهذه الاحتفالية هي التي أسست في البدء جماعة، لأن هذا المسرح هو فن الجماعة، وهو علم الجماعة، وهو فكر الجماعة، وهو صناعة الجماعة، وهو سؤال الجماعة، وهو قضية الجماعة. ولم تكن هذه الجماعة المسرحية المؤسِسَة غاية في حد ذاتها، ولكنها كانت آلية تقنية أملتها مرحلة التأسيس الاحتفالي. ولقد عبرت هذه الجماعة عن أفكارها وعن رؤاها وعن مقترحاتها وعن اختياراتها من خلال هذه الجماعة. وهل كان من الممكن لهذه الاحتفالية، وهي جيل رمزي، أن تقدم لنفسها الناس والتاريخ بنفسها، ومن غير وجود مسرحيين يحملون هذه الأفكار الرمزية، وأن يجسدوها في بيانات وفي مقالات وفي مواقف فكرية، وفي إبداعات مسرحية؟

ولقد كان هناك، في المغرب وفي كل العالم العربي، من فهم تأسيس جماعة المسرح الاحتفالي فهماً سليماً وصحيحاً، كما كان هناك من فهمه فهماً خاطئاً ومغلوطاً، معتبراً أن في الجماعة مذهبية أو أنها آلية فقط للظهور والتميز، أو أنها نرجسية، أو أنها رغبة في الزعامة لقيادة المسرح العربي، في حين أن الجماعية هي قناعة فكرية، وهي تمثل روح المسرح وجوهره. ووجود الجماعة هو درجة أبعد وأعلى وأوسع من الفرقة المسرحية، والتي من مهامها إبداع مسرحية ما، وذلك في إطار زمني محدد ومحدود، في حين أن مهمة الجماعة هي تأسيس مسرح كامل ومتكامل لفترة زمنية غير محدودة ولا محددة، وذلك برؤية فكرية وجمالية وأخلاقية جديدة ومجددة، وهي فعل في التاريخ، عنوانه الأكبر والأخطر هو التبشير بمسرح جديد، وبعهد مسرحي جديد. وبهذا فقد كانت «جماعة المسرح الاحتفالي» مقدمة أساسية لتأسيس المجتمع الاحتفالي الجديد، ولتأسيس المدينة الاحتفالية الجديدة، ولتأسيس اللغة المسرحية الجديدة. ولقد كان الاعتقاد هو أن الدخول إلى عصر ذلك المجتمع الاحتفالي يمر أساساً عبر هذه الجماعة المسرحية المؤسِسة والفدائية، والتي كان من مهامها الأساسية أن تطرح الأطروحة الاحتفالية، وأن تبشر بالزمان الاحتفالي، وأن تؤسس الفكر الاحتفالي، وأن تبدع الفن الاحتفالي، وأن تدعو لأن يتحول المجتمع العربي إلى مجتمع احتفالي ديمقراطي، بقيم احتفالية، وأخلاقيات احتفالية، وبوعي احتفالي، وبرؤية احتفالية، وأن تعيد للحياة عيدية الحياة وعيدية الوجود.

ولعل أخطر ما أقدم عليه المبدع الاحتفالي، في أواسط السبعينات من القرن الماضي، هو أنه قد انتقل من التفكير الفردي إلى التفكير الجماعي، وعبر عن هذا التفكير الجماعي من خلال البيان الجماعي، وانتقل من الأنا والأنانية إلى النحن والنحنية، والتي عبر عنها من خلال تأسيس جماعة المسرح الاحتفالي، والتي كانت تتضمن المفكر والمنظر والكاتب المسرحي والمخرج المسرحي والممثل المسرحي والناقد المسرحي والمؤرخ المسرحي والتقني المسرحي والسينوغراف المسرحي والمسير المسرحي.

آخر الكلمات وليس آخر الكلام

وفي الختام، نعود إلى نقطة البدء في هذه المقالة، والتي هي مقولة «الإنسان عدو ما يجهل»، لنؤكد على الحقيقة البسيطة التالية: وهي أن هذا الجهل قد لا يكون خطيراً وضاراً إذا هو بقي في حدوده الدنيا، والتي هي حدود الفرد الجاهل، ولم يصبح في درجة الشعب الجاهل، أو في درجة الأمة الجاهلة، أو في درجة القيادة السياسية الجاهلة، أو في درجة النظام السياسي الجاهل، ولم يتحور، ولم «يتطور»، ولم يصبح حالة مرضية مزمنة، وأن يصبح في المجتمع كراهية وعدواناً على العارفين وعلى الفاهمين وعلى المجتهدين. وبهذا يمكن أن تتحول مقولة «الإنسان عدو ما يجهل» إلى مقولة أخرى غيرها، والتي هي: «المجتمع الجاهل عدو من لا يجهل». وهذا ما يفسر أن يموت عالم كبير اسمه الدكتور محمد السرغيني في صمت، وأن يتم الاحتفاء بالجهل وبالجهلة في هذا العصر الجاهلي الجديد.

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!