حضور المحامي جوهري وليس مجرد إجراء
جلال الطاهر
قام السيد الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بسطات، بمراسلة السيد الرئيس الأول بنفس المحكمة، في موضوع ما سماه “حول شلل إجرائي” في العنوان، وفي النص سماه “شبه شلل” في تصريف القضايا، بسبب استنكاف السادة “المحامين” عن مؤازرة المتهمين، وأقصد الملفات الجنائية على وجه الخصوص، التي تجعل مؤازرة المحامين واجبة في الجنايات … .
والأكيد أن هذه مراسلة إدارية، مصلحية بين، المسؤولين الأولين في النيابة والرئاسة بالمحكمة المذكورة، فكيف ولماذا أصبحت هذه المراسلة منشورة ومعممة على الرأي العام ؟.
هل كل المراسلات الداخلية، التي يتبادلها المسؤولون القضائيون، تصبح عرضة للإعلام وتبادل الرأي فيها، بين كل الفعاليات الإعلامية والاجتماعية، ما دامت هذه المراسلة تضمنت ما يجري حول مجرد “شلل إجرائي”، فهل كل العقبات والتعثرات، التي يشهدها التدبير اليومي للسلطة القضائية في جميع مستوياتها، يمكن نشره وتعميمه على الرأي العام ؟.
ثم ما الغاية من هذه المراسلة، التي تضمنت وصفاً لواقع العدالة المغربية اليوم، التي تعيش وضعية استثنائية بجسدها، ما سمي “بالشلل الإجرائي”.
فهل توقف المحامين عن ممارسة المهنة، احتجاجاً على مشروع قانون المهنة 66.23، التي يسعى واضعوه إلى تهديم بناء أسس مهنة المحاماة، وتكسير قيمها الراسخة، حقوقيا، ودستوريا، وإنسانيا … عبر العصور، وفي كل المجتمعات، وكرستها المنظمات الدولية، هو مجرد إجراء !.
هذا الموقف الجماعي، الذي اتخذ تنفيذاً لقرارات المؤسسات المهنية وطنياً، وبعد استنفاد كل المساعي والمحاولات التي بذلت مع المسؤولين، في أعلى درجات المسؤولية، الحكومية، والبرلمانية … التي أفشلت بسبب عنهجية البعض، مما حدا برئيس مجلس النواب، إلى إحالة المشروع إلى المحكمة الدستورية، التي ينتظر أن تصدر قرارها، في الأسبوع الأول من شهر غشت 2026.
وبناء على ما ذكر، فإن القضية المطروحة ليست مجرد “شلل إجرائي” أو “شبه إجرائي”، هي قضية أكبر من هذا الوصف التصغيري للموقف الكبير، الذي يواجه وضعاً يريد به واضعو المشروع تكريس الوصاية على مهنة المحاماة، التي اكتسبت مناعة حقوقية، ودستورية على مستوى العالم، والمجتمعات الإنسانية الحرة، وأصبحت قيمها راسخة كونياً.
هذه المناعة التي يؤمن بها كل من قدم جنائيا، أو سعى مدنيا، إلى دفاع المحامي عبر كل العصور، حيث قرن الحق سبحانه إيمان الإنسان، بضمانة الدفاع، والإنسان مادام يؤمن بالعدالة، فإنه ضمن له الدفاع لقوله تعالى ” إن الله يدافع عن الذين آمنوا … “.
إن رسالة السيد الوكيل العام، تضمنت تغطية “إعلامية” لتوقف محكمة الاستئناف، عن البت في القضايا المعروضة عليها، وربط ذلك باستعمال لفظ “الامتناع” بدل التوقف، وشتان بين دلالة المصطلحين، لأن الامتناع يتضمن في هذا السياق نوعاً من التمرد، الذي يستوجب الرد عنه بإلغائه وتجاوزه، وهي قراءة مبتسرة للموقف الشجاع والمسؤول، بعدما أصبح المحامون أمام وضع بين الوجود أو العدم.
لكن لم يفصح صراحة عما يمكن عمله حسب رأيه، كأن ما ذكره وهي وقائع بدون منطوق صريح، مع أنه حمل المسؤولية “لامتناع” المحامين … .
فهل يريد السيد الوكيل العام، أن يدعو السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، ابتداع وسيلة تواصلية مع السادة القضاة أعضاء محكمة الجنايات، أن يواصلوا النظر في القضايا الجنائية بدون حضور المحامين المتوقفين، مكرهين.
لكن هذه الرغبة، يعترضها الدستور ونصوصه، التي تمنع أي محاولة وبأية وسيلة صراحة أو ضمنا، تفيد ما يوحي به السيد الوكيل العام للسيد الرئيس الأول، وهذا ما نص عليه الفصل 109 من دستور 2011، الذي تضمن: يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء؛ ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط.
يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة.
يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة.
فاعتبروا يا أولي الألباب.
