شُعل نباتيّة

شُعل نباتيّة

سعيد بوخليط  

       من أجمل العبارات التي نحتها غاستون باشلار بين صفحات كتابه ”شعلة قنديل” (1961)، قوله بأنّ كلّ كائن عمودي تسكنه شعلة (ص 102). الشّعلة عنصر ديناميكي، تجسّد مختلف معاني الاستقامة ورفع الهامات بالتطلّع نحو قمم الأعالي.

استحضر باشلار ضمن منحى الاستقامة صورتي الشّجرة والشّعلة، منطلقا ثانية من تعريف للشّاعر نوفاليس بدا موحيا جدّا عبر ثنايا هذا السّياق: ”ليست الشّجرة شيئا ثانيا غير كونها شعلة مزهرة”. شجرة مزهرة بأسرارها النّباتية، تقتضي اقتفاء أثر الشّعراء من خلال صورة قصيدة مفعمة حياة تنبعث منّا لأنّها تسكن وتعيش دواخلنا.  

تزاوج الشّعلة عبر اندفاع هائم للخيال بين حيوية النّار وقوّة الاخضرار الدّؤوبة، تجد رحابتها الإبداعية تبعا لأفق صور جديدة وجدت نبراس هوّيتها في زخم كثافتها واستلهام وكذا إلهام جمل فتيّة تخاطب متخيِّلين، سعي يقتضي عدم تضييع الوقت في خوض سجالات مع أشخاص يفتقرون لملَكَة الخيال وذائقة الجمال.

القصيدة بداية دائمة، تبدع ريشة شاعر استثنائي لبنة صورة ونواة صورة، قول غير مسبوق ولغة مختلفة تتأمّل العالم شعريا: ”أستحضر في هذا السّياق شهادة عن شعلة تلتهب داخل حميمة شجرة فأظهرت تعهّدا كاملا بخصوص الحياة الملتهبة، يتعلّق الأمر تحديدا بقصيدة لوي غيوم: شجرة السّنديان العجوز، نتشبّع تأمّلات شاردة بكلمتي: ”محرقة النّسغ”، قيلت من أجل تمجيد الشّجرة الكبيرة.”(1).

يلزم على القارئ الذي يريده تصوُّر باشلار السّفر حُلُميا خلف إحالات هذا النّسغ النّاري، ويستأنس خياله على عبارات شعرية كثيرة قوامها أنّ الشّجرة حاملة للنّار. وحدها اللغة الشّعرية التي تمتلك الجرأة، تنقل القارئ إلى مجال الخيال الحرّ والخلاّق، وتمثّل المنطق الخيميائي لعالم التّناقضات الكونية مثلما فعل الشّاعر لوي غيوم مع كلمتي النّار والماء.

هكذا تحضر مثلا صورة شعلة نافورة الماء المنعزلة التي بلورها خيال الشّاعر الفرنسي جون كوبير في ديوانه “صحارى” الصّادر عام 1955 نافورة الماء، الكائن المستقيم، الأكثر استقامة من بين كل أشجار الحديقة. إنّها نار تتناثر غاية أقصى مدى استقامتها.

تلغي الصّورة الشعرية مختلف تباينات العناصر الكونية الأوّلية، لقد جعلت الماء نارا متخيّلة، ماء يلتهب فتشكّلت سوريالية شعلة نافورة الماء. يحتاج هذا الحديث إلى القصيدة، ثمّ مرونة الشّعري وكذا التحوّلات الشّعرية، يؤكّد باشلار، مادام يستحيل على لغة النّثر تجسيد حيثيات تآلفات وانصهارات مثل انصهار نافورة الماء والشّعلة، الشّجرة والشّعلة، نسج ملامحها لأوّل مرّة خيال يؤمن بقصيدة حرّة ومستقلّة كلّيا بمصيرها:”ولجنا مع شعراء حقبتنا عهد القصيدة المباغتة، قصيدة لاتثرثر قط لكنها تتوخّى دائما أن تحيا ضمن إطار الأقوال الأولى. بالتّالي يلزمنا الاصغاء إلى القصائد مثل كلمات تسمع للمرّة الأولى. القصيدة انبهار، تحديدا على مستوى الكلام، داخل الكلام وبفضل الكلام ”.(2)

تغدو الأشجار الحاملة للفواكه بمثابة أشجار تحمل مصباحا، حسب مرجعيات هذا الأفق الذي أشار إليه الشاعر جيلبير سوغار في مجموعته الشعرية ”وفاء إلى العالم”: ”الشّجرة أكثر من كونها شجرة”، يصبح معها جائزا قول ”البرتقال مصابيح البستان” أو ” أعاين توهّج ثمار أشجار التّفّاح مثل مصابيح” أو” شجرة منبع، شجرة انبعاث، قوس نار”.

يستسيغ بيسر وسهولة حالم أدمن نصوص الشّاعر نوفاليس، عبارة:”كلّ الورود، مختلف الورود بمثابة شعل تتطلّع كي تصبح ضوءا”، كواحدة من بديهيات شعرية العالم النّباتي. يشعر جلّ حالمي الورود بهذه الصّيرورة نحو الضّوء. يتخلّص الشّاعر من حواس المرئي والمعطى الواقعي، بعد ارتقائه صوب عوالم حقيقة اللاّحقيقة وبلوغ معاني الحريّة وقد انضبط الشاعر لمهنته: ”يلزمه التحدّث عن الوردة وجعلها تتكلّم، لايمكنه بالتّالي استيعاب الوردة سوى بتحفيز شعل الوردة بواسطة شعل الكلام. تمثِّل العبارة الشّعرية صيرورة للضّوء يستشعرها كلّ حالم نوفاليسي ضمن تأمّلاته الفلسفية.”(3).

يعبِّر الشّاعر عن الواقعي بواسطة اللاّواقعي، بين طيّات المضيء/المعتّم لوجوده. بناء على هذا النّوع الشّعري نتخيّل بسهولة أنّ كلّ الشّجرة لها مفعول نشاط ضوئي، ينتقل التهاب القمم إلى مختلف أزهار الحديقة وقد استشهد باشلار في كتابه بمقاطع شعرية متنوّعة ومذهلة، إن قرأناها باشتعال تلقائي نشعر بتحقّق وحدة للنّار بين السّماء، الشّجرة، الوردة.

الورود شعل أكثر تفرّدا، أليس الزّنبق الأحمر بمصباح؟ ”إذا اقتطفتَ من الحديقة زنبقا وحملته إلى طاولتكَ، فقد أتيتَ بمصباح”(4). تعتبر حقّا الوردة، مقارنة مع باقي مختلف أنواع الأزهار موقد صور بخصوص خيال الشّعل النّباتية.

”النّار والوردة كائن واحد”، يقول مقطع شعري ل ت. س. إليوت (أربعة مقطوعات موسيقية، ترجمة بيير ليريس ص 125). كما أنّ”المصباح داخل الغرفة وردة بيضاء”(جورج رودينباخ : مرآة السّماء الأمّ، ص 13).

هكذا، وبكيفية متلازمة، تزهر النّار كما تتوهّج الوردة. يبرز مزاج شعري أكثر تحمُّسا نار الورود بشغف واضح، مادامت كلُّ وردة تنطوي على ضوئها الخاص.

هوامش:

(1)Gaston Bachelard.la flamme   d’une chandelle(1961).p ;107.

(2)ibid.page111.

(3)ibid.page115.

(4)ibid.page117.

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!