صورة «الأب الرَّاعي» في التاريخ السياسي السلافي: من القيصر إلى الباتكا وأبي الشعوب
د. زياد منصور
ليس من السهل فهم العلاقة التاريخية بين المجتمع الروسي والسلطة إذا نظرنا إليها من خلال المؤسسات السياسية وحدها. ففي طبقات أعمق من الوعي الشعبي، تشكلت عبر قرون صورة أخرى للحاكم: ليس بوصفه موظفا في رأس الدولة، ولا مجرد صاحب سلطة سياسية، بل باعتباره أبا وحاميا وقاضيا أعلى، مسؤولا عن سلامة «الأسرة» الكبيرة التي يحكمها. ومن هنا تكتسب كلمات روسية مثل «باتيا» و«باتكا» و«باتيوشكا» دلالة تتجاوز معناها العائلي المباشر، إذ تنتمي إلى حقل لغوي وثقافي مرتبط بالأبوة والقرب والرعاية والسلطة، ثم انتقل جانب من هذه الدلالة إلى المجال السياسي والعسكري.
يظهر معجم فاسمر الاشتقاقي أن «باتيا / باتكو» تنتمي إلى مجموعة سلافية قديمة، مع نظائر أو صيغ قريبة في الأوكرانية، والبيلاروسية والبلغارية وغيرها. ولكن الأهم بالنسبة إلى المؤرخ ليس أصل المفردة وحده، بل السؤال: متى تحول الأب إلى صورة للسلطة؟ في العهد القيصري، كان “القيصر الأب” (tsar-batyushka) صورة مستقرة منذ مرحلة قبل إصلاحات بطرس الأكبر، انسجمت مع التصورات الروسية للعلاقات الأبوية في الخضوع والسلطة. وفي الوعي الثقافي والتاريخي الروسي، كان القيصر ينظر إليه بوصفه أب الأمة، فظهرت تسميات من قبيل: «القيصر الأب» و«السيد / الحاكم الأب». إننا أمام شيء يتجاوز التحبيب اللغوي؛ فالسلطة تفهم وفق نموذج قريب من العائلة: في الأعلى أب، وفي الأسفل أبناء، وبين الاثنين علاقة يفترض أن تجمع الطاعة من جهة والحماية والعدل والرعاية من جهة أخرى. وهذا التفصيل مهم؛ لأن مفهوم «الأب» لا يعني أن الحاكم يجب أن يكون رقيقا أو ضعيفا، بل على العكس، فالسلطة الأبوية التقليدية تجمع بين الرحمة والقوة.
تؤكد المؤرخة الروسية أولغا ميخايلوفنا موروزوفا في مقالتها «القيصر المقدس الذي قتل نيقولاي؟» أن الدور الأساسي للحاكم المقدس في التصور القديم كان حماية المجال الخاضع له من الشر والمصائب. ولذلك، لكي يحمي شعبه من الأعداء ويوسع مملكته، كان مطلوبا من القيصر أن يظهر بمظهر البطل والمحارب الذي لا يهزم والقائد العسكري المتميز. وفي الوقت نفسه، يفترض أن يكون «القيصر الأب» أبا لرعيته، قاضيا رحيما يستطيع الصفح والعفو. وهكذا تجتمع في الشخصية الواحدة صورتان تبدوان متناقضتين للوهلة الأولى: الأب الرحيم في الداخل، والمحارب القوي في مواجهة الخارج. وهذا يفسر لماذا كانت الحروب الخاسرة، إلى جانب المجاعات وسوء المحاصيل واضطراب الحياة الريفية، من العوامل التي ألحقت ضررا بالغا بصورة الحكم القيصري. فالحرب تضع العقد الأبوي كله أمام الامتحان: إذا كان القيصر أبا، فعليه أن يحمي؛ وإذا كان قائدا، فعليه أن ينتصر؛ وإذا كان حامي الأرض الروسية، فعليه أن يمنع العدو من تهديدها. وإذا تحمل القيادة العسكرية بنفسه، أصبحت الهزيمة مرتبطة بشخصه بصورة يصعب فصلها عنه. وهذا بالضبط ما حدث في آب / أغسطس 1915، حين تولى نيقولا الثاني بنفسه منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية، فلم يعد ممكنا فصل موقعه السياسي بسهولة عن مسؤولية أوضاع البلاد والحرب. وهكذا تحول الشخص الذي كان يفترض أن يكون «القيصر الأب» إلى قائد أعلى في حرب أخذت أزماتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية تتفاقم، فأصبح الأب مسؤولا مباشرة عن مصير البيت.
ومع سقوط نيقولاي الثاني وانتهاء الإمبراطورية الروسية، لم يختف النموذج الأبوي بصورة تلقائية، بل انتقل إلى فضاء جديد تماما: الحرب الأهلية التي أفرزت نموذج القائد القريب من المقاتلين والفلاحين، الذي يستمد سلطته من حضوره الشخصي وقدرته على القتال والحماية والقيادة، أكثر مما يستمدها من منصب رسمي داخل دولة مستقرة. وهنا تبرز أهمية التمييز بين كلمتي «باتيوشكا» و«باتكا»: فالأولى ارتبطت في أحد استعمالاتها السياسية التاريخية بصورة القيصر الأب، أما الثانية فحملت في الاستعمال الشعبي معنى الأب، لكن المعاجم الروسية تسجل لها أيضا معنى تاريخيا آخر: رئيس أو قائد تشكيل مسلح خلال الحرب الأهلية، ولا سيما في أوكرانيا وبيلاروسيا وجنوب روسيا. فالأب لم يعد بالضرورة جالسا على العرش في بطرسبورغ، بل يمكن أن يكون على ظهر حصان، أو في عربة عسكرية، أو في مقدمة مجموعة من المسلحين. وفي هذه البيئة ظهر أشهر من ارتبط اسمه باللقب: نيستور إيفانوفيتش ماخنو، الذي ولد عام 1888 في غوليايبوليه في محافظة يكاترينوسلاف، وانخرط منذ شبابه في الحركة الأناركية، ثم أصبح واحدا من أبرز قادة الحركة المسلحة الفلاحية في جنوب أوكرانيا. وإن تسميته «باتكا ماخنو» تكشف طبيعة العلاقة بين القائد وجزء من محيطه الاجتماعي والعسكري: فهو ليس جنرالا بالمعنى الإمبراطوري، وليس موظفا عسكريا يستمد مرتبته من تسلسل هرمي ثابت، بل قائد خرج من البيئة المحلية نفسها، ويقاتل وسط رجال يعرفون المنطقة والقرى والفلاحين، ويستند بقاؤه إلى شبكة من العلاقات الاجتماعية والعسكرية المباشرة. وفي نموذج الحرب الأهلية، يقوم جانب أساسي من سلطة الباتكا على الشرعية الشخصية: قدرته على قيادة رجاله، والنجاة معهم، وتحقيق الانتصارات، والدفاع عن المصالح التي يعتقدون أنهم يقاتلون من أجلها.
غير أن القصة لم تنته عند ماخنو، بل انتقلت إلى المرحلة السوفيتية، حيث أعادت الدولة التي أطاحت بالقيصر صياغة العلاقة الأبوية بين السلطة والمجتمع بلغة أيديولوجية جديدة. فالمشروع البلشفي كان مختلفا جذريا عن عالم «القيصر الأب»، إذ لا قيصر، ولا شرعية مقدسة للسلالة، بل حزب وثورة وطبقة ودولة سوفيتية جديدة. لكن بناء دولة جديدة لا يعني أن المجتمع يتخلص فورا من حاجته إلى تجسيد السلطة في شخص. وهنا وقع التحول الأكثر إثارة: فبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، بدأت الدعاية السوفيتية في سياق بناء الدولة الشمولية وعبادة الشخصية، بصياغة صورة ستالين بوصفه «الأب المعلم» و«القائد العظيم»، قبل أن تتبلور الذروة في لقب رسمي متداول على نطاق واسع: “أبو الشعوب” (Otets narodov) . وهذا المصطلح ليس مجرد ترجمة لـ«باتيوشكا» أو «باتكا»، بل هو صياغة سياسية جديدة تلتقي مع القديم في الجوهر، وتختلف عنه في الشكل والمدلول الأيديولوجي. فمصدر الشرعية لم يعد الدم السلالي أو المسحة المقدسة للكنيسة الأرثوذكسية، بل التاريخ الثوري والحزب وإرادة الشعب (كما ترويها الرواية الرسمية). كما أن الأب الجديد ليس أبا للأمة الروسية وحدها، بل أبا لوحدة متعددة الجنسيات (الاتحاد السوفيتي) التي تضم شعوبا وقوميات مختلفة. وأخيرا، تمت صياغة العلاقة بين المواطن وستالين عبر آلة دعائية ضخمة (الصحافة، السينما، الأدب، التعليم) سعت إلى خلق نوع من العشق الصناعي المدروس.
لكن الامتحان الأكبر لصورة ستالين كان الحرب. ففي 22 حزيران / يونيو 1941، هاجمت ألمانيا النازية الاتحاد السوفيتي، وابتدأت المرحلة التي دخلت الذاكرة السوفيتية والروسية باسم «الحرب الوطنية العظمى». ومنذ تلك اللحظة، تغيرت وظائف صورة الزعيم، فالبلاد لم تعد تحتاج، في الدعاية، إلى باني الاشتراكية فقط، بل أصبحت تحتاج إلى قائد الحرب وحامي الوطن. وهذا يعيدنا مباشرة إلى إحدى أقدم الوظائف التي رأيناها في صورة «القيصر الأب»: الحاكم مطالب بحماية البيت عندما يأتي العدو من الخارج. لكن الدولة السوفيتية لم تعد، في زمن الحرب، تعتمد فقط على رموز الثورة، بل استحضرت شخصيات من التاريخ الروسي السابق على الثورة: ألكسندر نيفسكي، وديمتري دونسكوي، وألكسندر سوفوروف، وميخائيل كوتوزوف، وغيرهم. وهكذا تطورت صورة ستالين خلال الحرب من زعيم حزبي إلى زعيم ذي طابع قومي ودولي أوسع، وصار يقدم في سياق استمرارية تاريخية مع تقاليد الأمراء والقياصرة والقادة العسكريين الروس الذين بنوا الدولة ودافعوا عنها. وقد بلغ هذا التحول ذروته في خطاب ستالين الإذاعي في 3 تموز / يوليو 1941، حين خاطب المستمعين بعبارة أصبحت شهيرة: “أيها الإخوة والأخوات!” (Bratya i syostry!)، متحولا من لغة الطبقة والحزب إلى لغة الجماعة والأسرة والوطن.
ومع انتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية سنة 1945، أصبح هذا الانتصار واحدا من أعظم مصادر الشرعية والرمزية في التاريخ السوفيتي، فازدادت صورة «أبي الشعوب» قوة، وتم دمج صفات عدة في شخص واحد: القائد، المنتصر، حامي الوطن، أبو الشعوب. غير أن الفترة الستالينية شهدت أيضا القمع السياسي والاعتقالات والترحيل القسري والتطهير، مما جعل العلاقة بين المجتمع والسلطة أبعد كثيرا من صورة «الأب الرحيم» التي أنتجتها الدعاية. وهنا تظهر مفارقة أخرى: ففي النمط الأبوي التقليدي، لا تعني الأبوة الرحمة فقط، بل الأب يمتلك أيضا حق التأديب والعقاب وفرض الطاعة. وهذا يفسر لماذا تستطيع السلطة الأبوية أن تجمع في المخيل نفسه بين الحماية والشدة، فالحاكم القوي يمكن أن يصور حاميا للجماعة، وفي الوقت نفسه قاسيا تجاه من يعرفون بأنهم أعداؤها أو خونة لها.
وبعد موت ستالين في 5 آذار / مارس 1953، ثم بداية مرحلة نقد عبادة الشخصية في المؤتمر العشرين للحزب سنة 1956، تراجع الخطاب السوفيتي عن المستوى الاستثنائي من تمجيد الفرد، لكن علاقة المجتمعات السوفيتية بالسلطة لم تتحول فجأة إلى علاقة مؤسساتية مجردة. وظلت كلمة «باتكا» حاضرة في الذاكرة، حتى عادت مرة أخرى، بعد عقود، في فضاء مختلف تماما: فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، وتحديدا في بيلاروسيا مع الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، الذي انتخب سنة 1994 في مرحلة كانت الجمهورية، مثل معظم الجمهوريات السوفيتية السابقة، تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية ناجمة عن الانتقال من النظام السوفيتي. ومنذ سنوات حكمه الأولى، بدأ لقب «باتكا» يلتصق باسمه، حتى أصبح علامة سياسية شعبية تختصر تصورا كاملا لشخصية الحاكم. ويفسر لوكاشينكو نفسه هذا اللقب بأنه ظهر بعد ولايته الرئاسية الأولى، في وقت كانت بيلاروسيا تمر بأزمة اقتصادية وسياسية حادة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مرتبطا بصورة الرجل الذي يعيد الإمساك بالدولة في زمن الفوضى وعدم اليقين. وهنا نقترب كثيرا من الخيط التاريخي: فالباتكا لا يظهر فقط لأن شخصا ما قوي، بل حين تقرأ هذه القوة باعتبارها قدرة على الحماية، وإعادة النظام، وضبط المسؤولين، ومنع انهيار البيت. والأكثر دلالة أن لوكاشينكو نفسه لم يرفض اللقب، بل في مقابلة تلفزيونية سنة 2021 قال: “إنه الباتكا، سواء أحب المرء ذلك أم لم يحبه”.
إن عودة «باتكا» في بيلاروسيا تحمل أبعادا متعددة: فلوكاشينكو جاء من خلفية ريفية وإدارية مرتبطة بالقطاع الزراعي، وكان الحفاظ على الإنتاج الزراعي والهياكل الاجتماعية الريفية جزءا مهما من النموذج البيلاروسي بعد الاستقلال. وكلمة «باتكا» ليست لغة بيروقراطية حديثة، بل كلمة قريبة من عالم الأسرة والقرية والجماعة المحلية، واستخدامها في وصف رئيس دولة يحمل رسالة ضمنية: الحاكم ليس بعيدا عن الناس، بل هو واحد منهم، لكنه يقف في موقع الأب الذي يمسك زمام البيت. وفي نموذج «الباتكا» الحديث نجد أيضا واحدة من أقدم الآليات التي مرت معنا منذ زمن القيصر: الحاكم في الأعلى، وتحته مسؤولون قد يخطئون أو يفسدون أو يهملون، وهنا يظهر الأب بوصفه المراقب الأعلى الذي يعيد النظام ويعاقب المقصر، وهذا النمط قريب جدا من منطق «القيصر عادل، لكن البويار سيئون».
وبناء على ما سبق، يمكننا أن نرى المسار الذي قطعناه بوضوح أكبر: في العهد القيصري كان «القيصر الأب» أبا يستمد شرعيته من السلالة والأرثوذكسية والتقاليد الملكية. وفي الحرب الأهلية، كان «الباتكا» قائدا ميدانيا يستمد جانبا من شرعيته من الجماعة والكاريزما والقدرة على القتال والحماية. وفي العصر الستاليني، كان «أبو الشعوب» قائد دولة مركزية حديثة، تنتج المؤسسات والدعاية صورته بوصفه قائدا وبانيا وحاميا وأبا رمزيا لشعوب متعددة. وأخيرا، في بيلاروسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، عاد «الباتكا» لوكاشينكو كاستجابة لصرخة الاستقرار في زمن الانهيار. ليست هذه الألقاب الثلاثة شيئا واحدا، ولا توجد بينها سلسلة لغوية بسيطة، لكنها تكشف ظاهرة أعمق: استمرار إمكان فهم السلطة من خلال لغة القرابة والأبوة والحماية. تتغير الدولة، ويتغير النظام، وتتغير الأيديولوجيا، لكن صورة القائد الذي يطلب منه أن يحمي الجماعة، وأن يجسد وحدتها، وأن يقف فوق صراعاتها الداخلية، تستطيع أن تعود في أشكال جديدة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأدق: لماذا تقوى صورة الأب الحامي عندما تصبح الدولة في خطر؟ يكمن الجواب في أن الحرب تحول العلاقة السياسية من عقد مدني (قوانين ومؤسسات) إلى عقد وجودي (حياة وموت). ففي الظروف العادية، يسأل المواطن الحاكم عن الضرائب والتعليم والصحة والطرق، أما في زمن الحرب أو الخطر الداهم، فتنهار تلك التفاصيل تحت وطأة سؤال وحيد بقائي: من سيحمني من الموت والفوضى؟ وهنا يتحول الذهن الجماعي من التفكير في الحقوق إلى التفكير في البقاء، والأب – في الميثولوجيا السياسية – هو الضامن الأول للبقاء. إضافة إلى ذلك، فالدولة كيان مجرد، أما الأب الحامي فهو شخص يمكن رؤيته وسماعه والتعرف عليه، ففي أوقات الأزمات، يحتاج الجيش والشعب إلى راية تتمثل في قائد واحد لا يجزأ، لأن تعدد الأصوات يقرأ في هذه اللحظات كضعف، بينما يمنح التمركز الشخصي إحساسا بالوحدة واليقين. كما أن علاقة الأبوة السياسية مبنية على عقد غير مكتوب: الطاعة في مقابل الحماية، والحرب هي أقصى امتحان لهذا العقد، حيث يستطيع الحاكم الأب أن يطالب أبناءه بتقديم أعلى التضحيات (الأرواح، المال، الحقوق) باسم حماية البيت الكبير. وهذه الآلية ليست حكرا على السياسة الروسية؛ فالتاريخ يمتلئ بأمثلة من الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وبريطانيا مع وينستون تشرشل، وفرنسا مع شارل ديغول، حيث تصاعدت شعبية القادة في اللحظات المحورية. لكن الاختلاف في الفضاء السلافي هو أن هذه الصورة ليست استثنائية، بل مبنية في صميم مفهوم السلطة نفسها منذ القرون، مما يجعل استدعاءها أسرع وأقوى وأكثر تماسكا.
وفي الختام، إن «الباتكا» ليس لقبا فقط، بل علاقة بين الحاكم والمحكوم. لكي يوجد باتكا، يجب أن توجد جماعة تتوقع من قائدها أن يكون أكثر من رئيس: أن يحمي، وأن يتدخل، وأن يعاقب المسؤولين، وأن يضمن الاستقرار، وأن يعرف مشاكل الناس، وأن يقف بينهم وبين الخطر. وفي المقابل، تمنحه الجماعة مساحة واسعة من السلطة لأنها لا تنظر إليه باعتباره مجرد موظف يمكن استبداله بسهولة، بل باعتباره، في الصورة الأبوية، رأس البيت. لقد انتقلنا من القيصر الجالس على عرش الإمبراطورية، إلى قائد عسكري يجوب سهوب الحرب الأهلية، ثم إلى زعيم سوفيتي صورته الملصقات أبا للشعوب، وأخيرا إلى رئيس دولة ما بعد سوفيتية أصبح «الباتكا» جزءا من هويته السياسية. تغيرت الأنظمة، لكن السؤال بقي: عندما تأتي الحرب أو الأزمة، هل يبحث المجتمع عن مؤسسة تحميه… أم عن شخص يجسد هذه الحماية؟ وربما تكمن في الإجابة عن هذا السؤال إحدى الطرق لفهم حضور «الباتكا» الطويل في تاريخ الذهنيات السلافية والروسية.
