أوروبا والاستغناء عن الحماية الأمريكية
إبراهيم أبو عواد
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكلت العلاقة الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة على أساس شراكة إستراتيجية قوامها حلف شمال الأطلسي، حيث اضطلعت واشنطن بالدور الأكبر في حماية القارة الأوروبية عسكريًّا، وردع التهديدات الخارجية.
وعلى امتداد عقود الحرب الباردة وما بعدها، أصبحت المظلة الأمنية الأمريكية أحد أهم أعمدة الاستقرار الأوروبي، الأمر الذي سمح للدول الأوروبية بالتركيز على التنمية الاقتصادية، وبناء دولة الرفاهية، مع تقليص الإنفاق العسكري مقارنة بالولايات المتحدة.
غير أن التحولات الدولية المتسارعة خلال السنوات الأخيرة أعادت طرح سؤال جوهري: هل تستطيع أوروبا الاستغناء عن الحماية الأمريكية، وبناء منظومة دفاعية مستقلة تحقق أمنها الإستراتيجي؟
لقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، أن الأمن الأوروبي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على القدرات العسكرية والاستخباراتية واللوجستية الأمريكية، كما أظهرت أن كثيرًا من الجيوش الأوروبية، رغم تطورها التقني، لا تمتلك بمفردها القدرات الكافية لإدارة صراعات واسعة النطاق دون الدعم الأمريكي.
في المقابل، برز داخل أوروبا تيار سياسي وإستراتيجي يدعو إلى تحقيق “الاستقلالية الإستراتيجية”، أي امتلاك الاتحاد الأوروبي القدرة على الدفاع عن مصالحه، واتخاذ قراراته الأمنية بعيدًا عن الارتهان الكامل للسياسات الأمريكية. ويستند هذا التوجه إلى اعتبارات عدة، أبرزها احتمال تغير أولويات الإدارات الأمريكية، وتصاعد النزعة الانعزالية في بعض الأوساط السياسية داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى تركيز واشنطن المتزايد على منطقة المحيطين الهندي والهادي ومنافسة الصين.
لكن تحقيق هذا الهدف يواجه تحديات معقدة، فالاتحاد الأوروبي لا يزال يفتقر إلى جيش مُوحَّد وقيادة عسكرية مركزية، كما تختلف الدول الأعضاء في تقييمها للتهديدات الأمنية، وحجم الإنفاق الدفاعي، وأولوياتها السياسية. دول شرق أوروبا، على سبيل المثال، ترى في الولايات المتحدة الضامن الأكثر موثوقية لأمنها في مواجهة روسيا، بينما تميل بعض دول أوروبا الغربية إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية بصورة أكبر.
كما أن بناء قوة دفاعية أوروبية مستقلة يتطلب استثمارات مالية ضخمة، وتطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز التكامل الاستخباراتي، وتوحيد آليات اتخاذ القرار في القضايا الأمنية، وهي أهداف تحتاج إلى إرادة سياسية طويلة الأمد، فضلًا عن توافق بين الدول الأوروبية قد يكون من الصعب تحقيقه بسرعة.
ولا يعني السعي إلى استقلالية أوروبية بالضرورة القطيعة مع الولايات المتحدة، بل قد يكون الهدف إعادة صياغة العلاقة على أساس شراكة أكثر توازنًا، بحيث تصبح أوروبا قادرة على تحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنها، مع الحفاظ على التحالف الأطلسي باعتباره ركيزة للاستقرار الدولي.
وفي ظل البيئة الدولية الراهنة، يبدو أن الاستغناء الكامل عن الحماية الأمريكية ليس خيارًا واقعيًّا في المدى المنظور، لكنه قد يتحول إلى مشروع إستراتيجي تدريجي إذا نجحت أوروبا في تعزيز قدراتها العسكرية، وتوحيد سياساتها الدفاعية، فالقوة لا تُبنى بالشعارات، بل بالإرادة السياسية، والاستثمار المستدام، والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.
إن مستقبل الأمن الأوروبي لن يتحدد فقط بمدى قوة الجيوش، وإنما بقدرة أوروبا على تحويل وحدتها الاقتصادية إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة. فإذا استطاعت تحقيق هذا التحول، فإنها ستصبح شريكًا أكثر استقلالًا على الساحة الدولية، وقوة فاعلة تسهم في صياغة توازنات النظام العالمي الجديد.
