تراجع التضخم… وصلابة الأسعار: حقيقة الأسواق التي غيبتها التقارير الباردة
الدكتور عبد الواحد غيات
بين الفينة والأخرى، تُعلن المؤسسات الرسمية في المغرب – كالمندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب – عن تراجع معدلات التضخم. تخرج هذه البيانات بلغة تقنية باردة توحي بأن جمر الأسعار قد بدأ يخمد، غير أن المواطن وهو يواجه يومياً في الأسواق نفس أسعار الخبز، الحليب، والنقل – بل وأحياناً أسعاراً أشد ارتفاعاً – لا يجد في هذه الأرقام ما يلامس واقعه. من هنا تحديداً تولد فجوة مقلقة بين الاقتصاد الإحصائي الرسمي والاقتصاد المعيشي؛ فبينما تتحدث المؤشرات عن الانفراج، تصر الأسواق على العناد.
هذه المفارقة ليست مجرد التباس إحصائي عابر، ولا هي ناتجة عن سوء فهم من المواطن البسيط، بل هي أزمة إدراك اقتصادي وسياسي مزدوجة. إنها تكشف بوضوح عن حدود النماذج التقليدية في تفسير الواقع، وتُميط اللثام عن بنية أسعار صلبة ترفض الانخفاض. فلماذا تظل الأسعار في المغرب متمسكة بقمتها حتى عندما يعلن المنحنى الرسمي تراجع التضخم؟
يسعى هذا المقال إلى تقديم إجابة منهجية تتجاوز التعريفات الجافة، لتغوص في كواليس الأسواق المغربية وآليات عملها. سنفكك معاً مفاهيم “صلابة الأسعار”، و”التكاليف الهيكلية الصامدة”، و”سلوك وتوقعات الفاعلين”، للوصول إلى تفسير موضوعي لهذه المفارقة اليومية التي يعيشها ملايين المغاربة.
ولتحقيق ذلك، سنبدأ بوضع التمييز العلمي الحاسم بين “تراجع التضخم” و”انخفاض الأسعار”، ثم ننتقل إلى تفكيك نظرية صلابة الأسعار وتجلياتها محلياً. كما سنناقش دور التكاليف غير القابلة للتراجع، وهياكل السوق المتسمة بضعف التنافسية، وصولاً إلى سيكولوجية التجار والشركات، لنختم بتحليل عمق الفجوة بين الأرقام والواقع المعيش، وطرح مقترحات لسياسات عمومية عملية.
1- الفرق بين تراجع التضخم وانخفاض الأسعار: اللبس الذي يشكّل الوعي العام
قبل الغوص في الأسباب الهيكلية الكامنة وراء صمود الأسعار، من الضروري الاعتراف بأن جل النقاش العمومي في المغرب يقع في خلط مفاهيمي جوهري بين مصطلحين مختلفين تماماً: “معدل التضخم” و”مستوى الأسعار”.
فالتضخم، من الناحية التقنية، ليس هو ثمن السلعة، بل هو معدل التغير الذي يطرأ على مستوى الأسعار خلال فترة زمنية محددة. ويُقاس هذا المعدل عبر “مؤشر أسعار المستهلكين” ويُعبر عنه بنسبة مئوية. بناءً على ذلك، عندما يعلن بنك المغرب عن تراجع التضخم من 8% إلى 3% مثلاً، فهذا لا يعني بتاتاً أن الأسعار انخفضت، بل يعني ببساطة أن وتيرة ارتفاعها تباطأت؛ فالأسعار مستمرة في الصعود لكن بقفزات أقل حِدة.
مفارقة الأرقام: مثال كيس الدقيق الغير المدعم
لتوضيح هذه المفارقة الرياضية، نضرب مثالاً مبسطاً بكيس من الدقيق غير المدعم:
|
الفترة الزمنية |
سعر الكيس |
معدل التضخم السنوي |
القراءة الإحصائية الرسمية |
الواقع المعيشي للمواطن |
|
يناير 2022 |
100 درهم |
خط الأساس |
— |
السعر الأصلي المستقر |
|
يناير 2023 |
120 درهم |
20% |
قفزة تضخمية حادة |
عبء مالي جديد وقاسٍ |
|
يناير 2024 |
121 درهم |
0.8% |
تراجع حاد في التضخم |
السعر لم يرتد، بل زاد درهماً إضافياً |
من الناحية الإحصائية الرسمية، يمثل الانتقال من 20% إلى 0.8% “انفراجاً كبيراً وتراجعاً حاداً في التضخم”. أما في الواقع المعيشي، فالقدرة الشرائية للمواطن لم تستعد عافيتها، لأن السعر استقر عند ذروته الجديدة (121 درهماً) ولم يعد أبداً إلى عتبة الـ 100 درهم السابقة. هذا التباين هو جوهر المفارقة.
لماذا يسيء الخطاب العام فهم هذه المعادلة؟
يعود هذا التداخل المعرفي لدى الرأي العام إلى ثلاثة عوامل أساسية:
- ضعف الثقافة الاقتصادية: غياب المفاهيم المالية الأساسية لدى غير المختصين، وهي معضلة عالمية لا تنفرد بها الساحة المغربية.
- التبسيط الإعلامي المفرط: تكتفي الكثير من المنابر الصحفية بنقل العناوين العريضة مثل “انخفاض التضخم” دون تقديم الشرح السياقي لتبعات هذا الانخفاض على جيوب المواطنين.
- صياغة البيانات الرسمية: تصدر التقارير أحياناً بأسلوب تقني يوحي ضمنياً بأن “الأوضاع الاقتصادية عادت إلى طبيعتها”، دون الإشارة بوضوح إلى أن مستوى الأسعار قد استقر على أرضية أكثر غلاءً.
في السياق المغربي، وتحديداً بين عامي 2022 و2024، تراجع التضخم من ذروته القياسية التي تخطت حاجز 8% ليستقر في حدود أقل من 2% وفقاً للمندوبية السامية للتخطيط. لكن الحقيقة المغيبة في ثنايا هذا التراجع هي أن المستوى العام للأسعار ظل في نهاية 2024 أعلى بنسبة تتراوح بين 15% و20% مقارنة بصيف 2021. هذه الأرقام “الماكرو- اقتصادية” متاحة، لكنها نادراً ما تُطرح في النقاش العمومي بنفس الزخم الذي يحظى به خبر “تراجع التضخم”.
1- صلابة الأسعار: بين النظرية الاقتصادية والواقع المغربي
في الاقتصاد النظري المفترض، لو كانت الأسواق تتسم بالشرط المثالي “للمنافسة الكاملة”، لتكيفت الأسعار فوراً وبمرونة مطلقة مع أي تغير في تكاليف الإنتاج أو حجم الطلب؛ فإذا تراجع سعر القمح أو النفط عالمياً، يُفترض أن ينعكس ذلك تلقائياً وبنفس السرعة على أسعار الخبز وتذاكر النقل محلياً.
لكن الواقع الاقتصادي – في المغرب كما في معظم دول العالم – يثبت العكس تماماً بفعل ظاهرة “صلابة الأسعار نحو الأسفل”؛ حيث تمتلك الأسعار حساسية فائقة للارتفاع عند حدوث الأزمات، مقابل جمود عنيد يمنعها من الانخفاض عند انفراجها.
تفكيك أنواع صلابة الأسعار
يقسم المحللون الاقتصاديون هذا الجمود السعري إلى مستويين رئيسيين:
|
نوع الصلابة |
الآلية المسببة لها |
تجلياتها في السياق المغربي |
|
الصلابة الاسمية |
تُعزى إلى “تكاليف القائمة”، وهي المصاريف اللوجستية والمحاسبية التي يتكبدها التاجر لتعديل أسعاره (تغيير اليافطات، تحديث الأنظمة الرقمية، إلخ). |
يظهر هذا الجمود لدى صغار التجار والمقاولات المتوسطة؛ إذ يفضل التاجر الإبقاء على السعر المرتفع تفادياً لإعادة تكبد مصاريف التغيير مجدداً إذا عاودت السوق الارتفاع بعد فترة قصيرة. |
|
الصلابة الحقيقية |
تنشأ من العوامل الهيكلية وسلوكيات السوق نفسِها (السيكولوجية التجارية). |
تتجلى في تخوف الفاعلين من إشعال “حرب أسعار” مع المنافسين، أو الخشية من أن يخلق السعر المنخفض انطباعاً لدى المستهلك بتراجع الجودة، فضلاً عن تجنب تعويد الزبون على سعر منخفض يصعب رفعه لاحقاً. |
تمظهرات الجمود السعري في القطاعات الحيوية بالمغرب
لا تتوزع صلابة الأسعار في النسيج الاقتصادي المغربي بالتساوي، بل تشتد حدتها في قطاعات معينة نتيجة لخصوصية هياكلها:
أ. قطاع المواد الغذائية وسلاسل التوريد
يتضح الجمود هنا في المسار المعقد لسلع أساسية “كالطماطم”؛ إذ تمر عبر حلقات متعددة (من الفلاح، إلى أسواق الجملة، ثم نصف الجملة، وصولاً إلى باعة التقسيط). المشكلة الهيكلية تكمن في تعدد الوسطاء (“الشناقة”)؛ فحين تنخفض تكاليف الإنتاج أو النقل، يرفض هؤلاء الوسطاء مبدأ “إعادة توزيع الهوامش الربحية” مع المستهلك، ويتمسكون بهوامشهم المرتفعة، مما يحرم المواطن من الاستفادة من انخفاض التكاليف الأصلية.
ب. قطاع المحروقات و”تأثير الصاروخ والريشة”
يعد هذا القطاع الأكثر إثارة للجدل سياسياً واقتصادياً. فالشركات المهيمنة على السوق الوطنية تعتمد نموذجاً تسعيرياً يتسم ” بالنقل غير المتماثل للأسعار”، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ ” تأثير الصاروخ والريشة” (يفر السعر كالصاروخ عند الارتفاع، ويهبط كالريشة عند الانخفاض). وقد وثقت تقارير مجلس المنافسة سابقاً هذا السلوك، حيث تتسع هوامش ربح الشركات عند تراجع الأسعار الدولية قبل أن تنكمش مجدداً عند صعودها.
ج. قطاع الخدمات (النقل، التعليم، والصحة)
تخضع الخدمات لصلابة تسعيرية من نوع آخر؛ فتعريفة النقل العمومي مثلاً ترفعها القرارات الإدارية أو ضغوط المهنيين عند الأزمات، لكنها تظل ثابتة حتى لو تراجع سعر الغازوال. وبالمثل، فإن مؤسسات التعليم الخصوصي والمصحات، بمجرد إقرارها لزيادات في الرسوم، تحولها إلى “أرضية ثابتة” يستحيل تراجعها إلى الوراء.
مقاربة رقمية: مرونة مفقودة
يوضح الجدول الافتراضي التالي الفجوة بين “المرونة النظرية” و”الصلابة الواقعية” في الأسواق المغربية، بناءً على مؤشرات رُصدت عقب تراجع تكاليف الشحن والنقل في النصف الثاني من عام 2023:
|
الصنف |
نسبة الانخفاض المتوقعة (علمياً) |
نسبة الانخفاض الفعلي (واقعياً) |
السبب الهيكلي للفجوة |
|
الخضروات والفواكه الأساسية |
25% إلى 30% |
لا يتعدى 5% |
تمنع وسائط التوزيع وانكماش هوامش الوسطاء تمرير الخفض للمستهلك. |
خلاصة المحور:
تُثبت المؤشرات الميدانية أن صلابة الأسعار في المغرب ليست مجرد فرضية أكاديمية، بل هي توصيف واقعي ودقيق للآليات اليومية التي تحكم الأسواق. ومع ذلك، لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على سيكولوجية التجار؛ فهناك بعدٌ آخر يتعلق بطبيعة “التكاليف الهيكلية الصامدة” وبنية الاقتصاد المغربي التي سنتطرق إليها في المحور الموالي.
- التكاليف الصامدة وهياكل السوق غير التنافسية
إن الجمود الذي تبديه الأسعار ليس مجرد “عناد سيكولوجي” أو رغبة عفوية من التجار في الإبقاء على الأرباح المرتفعة، بل هو في جوهره انعكاس لواقع اقتصادي ملموس: التكاليف الإنتاجية التي تشكلت وتضخمت خلال فترة الأزمة تصبح بمرور الوقت “تكاليف هيكلية” غير قابلة للتراجع.
فعندما تقفز أسعار الغازوال عالمياً، يمتد أثرها فوراً إلى تكلفة شحن ونقل كل سلعة داخل المغرب، وبالمثل فإن قفزة أسعار الأسمدة والأعلاف ترفع تكلفة إنتاج الخضروات، البيض، الدجاج، واللحوم الحمراء. المشكلة الهيكلية تكمن في أن هذه التكاليف عندما تستقر عند سقف جديد أعلى، فإنها تنفصل عن المؤشر الدولي؛ فحتى لو عاد النفط الخام عالمياً إلى مستويات ما قبل الأزمة، تظل تكاليف النقل المحلية مرتفعة بفعل عوامل موازية تزامنت مع الموجة التضخمية، مثل غلاء قطع الغيار، ارتفاع الإيجارات، وتأثير التضخم المستورد على بقية مدخلات الإنتاج.
الأجور والإيجارات: الروافد الثابتة للكتلة النقدية
تخضع عقود العمل والإيجار لقوانين وضوابط تجعل خفضها بعد تراجع التضخم أمراً شبه مستحيل:
- كتلة الأجور: شهدت الأجور في المغرب مراجعات صعوداً خلال طفرة التضخم (عبر الاتفاقيات الاجتماعية مثل زيادة 1000 درهم في القطاع العام، ورفع الحد الأدنى للأجور “SMIG” و.”SMAG” ورغم أن هذه الزيادات كانت حتمية لحماية السلم الاجتماعي والقدرة الشرائية، إلا أنها تحولت إجرائياً إلى “تكلفة إنتاجية ثابتة” للمقاولات؛ إذ من المستحيل سياسياً واجتماعياً وقانونياً للشركات أن تخفض أجور موظفيها لمجرد أن التضخم تراجع.
- الإيجارات التجارية: بمجرد إعادة التفاوض على عقود كراء المحلات والمستودعات والمصانع ورفع قيمتها لمواجهة تضخم الأصول، تلتزم المقاولة بهذه الكلفة المرتفعة لسنوات طويلة بناءً على البنود القانونية الحاكمة للعقود.
بنية السوق المغربية: “المنافسة الناقصة” وهيمنة القلة
يظل العامل الأكثر حساسية في المشهد المغربي هو أن العديد من القطاعات الحيوية لا تخضع لآليات “المنافسة الكاملة”، بل تصنف اقتصادياً ضمن “احتكار القلة” (Oligopole) أو حتى الاحتكارات الفعلية في بعض الجهات.
وتتجلى هذه الهيمنة في قطاعات استراتيجية تمس القوت اليومي والخدماتي للمواطن:
- قطاع توزيع المحروقات.
- قطاع إنتاج وتوزيع الإسمنت ومواد البناء.
- قطاع صناعة وتوزيع الأدوية.
- قطاع الاتصالات، وسلاسل المساحات التجارية الكبرى.
في ظل هذه البنية الاحتكارية، يغيب الحافز التنافسي الذي يدفع الشركات لخفض الأسعار؛ فالشركة الرائدة في قطاعها تدرك تماماً أن إقدامها على خفض السعر سيجبر بقية المنافسين على تتبع خطوتها، مما يؤدي إلى تآكل الهوامش الربحية للجميع دون تغيير في الحصص السوقية. من هنا، يفضل الفاعلون “التوافق الضمني” على الثبات عند السقف المرتفع الجديد، وهو ما يسميه علماء الاقتصاد ” بالسلوك المتناغم الضمني أو التواطؤ الضمني” (Collusion Tacite)؛ حيث تتقارب الأسعار عند مستويات عليا دون الحاجة لاتفاق مكتوب ومباشر.
فجوة الحكامة وضبابية المعلومة السعرية
يساهم ضعف آليات الرقابة وغياب الشفافية المعلوماتية في ترسيخ هذه الصلابة:
محدودية الردع ومركزية المعلومة: رغم الدينامية التي أبان عنها مجلس المنافسة المغربي في إصدار غرامات مالية بملايين الدراهم في قضايا تواطؤية سابقة، إلا أن هذه العقوبات قد لا تملك القوة الردعية الكافية مقارنة بحجم الأرباح الاحتكارية المحققة، فضلاً عن حاجة المؤسسة إلى صلاحيات أوسع وموارد بشرية وتقنية أضخم لتتبع آلاف السلع عبر التراب الوطني.
علاوة على ذلك، يعاني المستهلك المغربي من “التشتت المعلوماتي”؛ فلا توجد منصة رقمية وطنية موحدة تعرض أسعار المواد الأساسية بشكل آني ومحدث بحسب الأسواق والجهات، مما يبقي معلومة السعر مجزأة ومحلية، تمنح البائع الهامش الأكبر للتحكم وتثبيت السعر المرتفع.
1- توقعات الفاعلين الاقتصاديين: كيف يصبح الثبات عند السقف العالي سلوكاً “عقلانياً”؟
إن البُعد الأكثر خطورة في معضلة الأسعار يتجاوز الأرقام الجافة والمعطيات المادية ليرتبط ” بسيكولوجية التوقعات”. فالتضخم ليس مجرد ظاهرة حسابية تقاس بالمؤشرات، بل هو ظاهرة نفسية واجتماعية تتغذى على ما يتوقعه التجار، الشركات، والعمال بشأن تحركات الأسعار المستقبلية.
من “التوقعات التكيفية” إلى صياغة قواعد التسعير
عقب الصدمة التضخمية العنيفة التي شهدها المغرب بين عامي 2022 و2023 – جراء تداعيات الجفاف المستمر، واضطراب سلاسل التوريد العالمية، والأزمات الجيوسياسية – تولدت لدى الفاعلين الاقتصاديين قناعة راسخة مفادها: “إن كلفة العيش والإنتاج قد دخلت مرحلة تاريخية جديدة، والعودة إلى أسعار ما قبل الأزمة باتت ضرباً من الماضي”.
هذه القناعة لم تبقَ مجرد انطباع نفسي، بل تحولت إلى استراتيجية تسعير دفاعية:
منطق التاجر في ظل عدم اليقين:
يتبنى التاجر (سواء كان بائع تقسيط أو مقاولاً كبيراً) منطقاً وقائياً يقول: “إذا خفضتُ السعر اليوم بناءً على تراجع مؤقت في تكلفة الشحن أو المواد الأولية، فماذا لو عاودت السوق الارتفاع غداً؟ إن إعادة رفع السعر مجدداً ستثير سخط الزبائن وتضرب مصداقيتي؛ لذا فإن الإبقاء على السعر مرتفعاً ومستقراً هو الخيار الأكثر أماناً وضماناً لاستمرارية مشروعي”.
هذا السلوك، ورغم أنه يبدو مجحفاً وغير مبرر من منظور المستهلك، إلا أنه يمثل “سلوكاً عقلانياً تماماً” من منظور التاجر الذي يسعى لحماية هامش ربحه وتأمين بقائه في سوق تتسم بتقلبات حادة وغير متوقعة.
الخوف من التذبذبات وظاهرة “التخزين الاحتكاري”
في بيئة اقتصادية يغيب عنها الاستقرار وتتوالى فيها الصدمات (موجات جفاف، تقلبات أسعار الطاقة)، يتحول الخوف من القادم إلى سياسة تسعير غير معلنة: “الأسعار لا تنخفض لأن الغد غير مضمون”.
ولا يقف أثر هذه التوقعات عند حدود تجميد الأسعار، بل يتعداه إلى سلسلة من الممارسات التي تشوه آليات العرض والطلب، إذ تؤدي توقعات ارتفاع الأسعار مستقبلاً إلى لجوء الفاعلين الاقتصاديين إلى الاحتفاظ بالسلع في شكل تخزين احتكاري حذر، وهو ما يفضي بدوره إلى خلق ندرة اصطناعية في الأسواق المعنية، لتنتهي هذه الدينامية بتثبيت الأسعار عند مستويات قياسية، تظهر بشكل أكثر حدة خلال المناسبات والمواسم التي يرتفع فيها الطلب.
خلاصة المحور:
إن صلابة الأسعار في المغرب ليست ناتجة عن جمود ميكانيكي بحت، بل هي محصلة تفاعل معقد بين تكاليف إنتاجية صامدة، وبنية سوقية تفتقر للمنافسة الحقيقية، وتوقعات نفسية تجعل من الثبات عند السقف المرتفع الخيار “العقلاني” الأوحد للفاعلين الاقتصاديين لحماية مصالحهم. هذا التلاحم بين العوامل هو الصانع الحقيقي للفجوة العميقة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي.
1- فجوة الاقتصاد الرسمي والاقتصاد المعيشي: لماذا لا يثق المواطن في الأرقام؟
نصل هنا إلى المفاصل النفسية والسياسية الأكثر حرجاً في هذه المعادلة: لماذا يتولد لدى المواطن المغربي انطباع راسخ بأن “الأرقام الإحصائية منفصلة عن الواقع”، في حين أنها أرقام دقيقة وصحيحة تماماً من الناحية المنهجية والأكاديمية؟
مسار الاقتصادين المتوازيين
يعيش المغرب تحت مظلة نظامين اقتصاديين يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان، حيث يتجسد الأول في الاقتصاد الرسمي الذي تديره المؤسسات ويعتمد على قياس المؤشرات والمتوسطات، مقدماً صورة عن تضخم تقني منخفض يعكس استقراراً حسابياً أكثر منه واقعاً معيشاً، في حين يتمثل الثاني في اقتصاد معيشي يومي يختبره المواطن بشكل مباشر من خلال سلة غذائه الأساسية وفواتير الماء والكهرباء، وهو اقتصاد لا تعكسه الأرقام المجردة بقدر ما تعكسه ضغوط الحياة اليومية، مما يخلق فجوة بنيوية بين ما تُظهره البيانات وما يعيشه الأفراد فعلياً.
- الاقتصاد الرسمي (الماكرو-اقتصادي): وهو الذي ترسم ملامحه تقارير المندوبية السامية للتخطيط، بنك المغرب، والمؤسسات المالية الدولية. يركز هذا الاقتصاد على حساب “المتوسطات الكلية” (الناتج الداخلي الخام، العجز التجاري، معدلات التضخم العامة).
- الاقتصاد المعيشي (الميكرو-اقتصادي): وهو الواقع الميداني الذي يصطدم به المواطن صباح كل يوم؛ ويتجسد في ثمن الخبز، أسعار اللحوم، فاتورة الماء والكهرباء، واجبات الكراء، ومصاريف الدخول المدرسي.
تكمن الأزمة في غياب التطابق بين هذين العالمين. فعندما تشير البيانات الرسمية إلى أن التضخم العام استقر في حدود 2%، يكون سعر الحليب قد ارتفع بـ 15% على مدى ثلاث سنوات، وتذاكر النقل بـ 20%، وسعر الكراء بـ 25%، بينما لم تشهد الأجور إلا تحسناً طفيفاً لا يتجاوز 5%. بناءً على هذه الحسبة الواقعية، فإن “التضخم الفعلي” في وعي المواطن يتجاوز بكثير العتبة الرسمية المعلنة، مما يجعل أي خطاب مسؤول يتحدث عن “التحكم في التضخم” يبدو في نظر الشارع نوعاً من الاستخفاف بمعاناته اليومية.
لماذا تتسع هذه الفجوة في السياق المغربي تحديداً؟
تتظافر ثلاثة عوامل بنيوية لتجعل الهوة بين الرقم الرسمي والواقع المعيشي في المغرب أكثر عمقاً واتساعاً مقارنة باقتصادات مشابهة:
1- تضخم حجم الاقتصاد غير المهيكل
تُشير التقديرات إلى أن ما بين 30% و40% من النشاط الاقتصادي في المغرب يروج في فلك الاقتصاد الموازي (Economie Informelle). هذه الكتلة الضخمة من المعاملات والسلع لا تدخل شبكة رصد “مؤشر أسعار المستهلكين” بدقة كافية، وتخضع لمنطق تسعير عشوائي محكوم بالمضاربات والوساطة الفورية. والمشكلة الهيكلية هنا هي أن الأسعار داخل هذا القطاع غير المنظم إذا ارتفعت في وقت الأزمات، فإن آليات السوق التقليدية تعجز تماماً عن خفضها لاحقاً.
2- تشتت الحكامة وضعف التنسيق القطاعي
تتوزع مسؤولية تدبير المشهد الاقتصادي بين مؤسسات متعددة تعمل بجزر شبه معزولة:
- بنك المغرب: يملك سلطة كبح التضخم الكلي عبر أدوات السياسة النقدية (سعر الفائدة)، لكنه لا يملك سلطة التدخل في الأسواق.
- وزارة المالية: تدعم المواد الأساسية عبر “صندوق المقاصة” (كالغاز، السكر، والدقيق)، لكن قنوات الدعم تعاني من ضعف الاستهداف.
- وزارة الفلاحة: تعلن عن وفرة المحاصيل والإنتاج، في حين تفشل آليات المراقبة في منع سلاسل التوزيع والوسطاء من تعطيل وصول تلك الوفرة بأسعار معقولة للمستهلك. هذا التشتت يحرم الدولة من جني ثمار سياساتها الاقتصادية، ويعمق الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي.
- التضخم النفسي وسلوك الاستهلاك الدفاعي
توالي سنوات الغلاء يورث المستهلك حالة من “الاضطراب النفسي الاقتصادي”؛ حيث تترسخ لديه قناعة سوداوية بأن الأسعار لن تتراجع أبداً. هذا الخوف يترجم عملياً إلى سلوكيات استهلاكية دفاعية (كالإقبال المفرط على الشراء والتخزين عند أي انخفاض طفيف للأسعار، أو الضغط المتواصل لرفع الأجور)، وهي ممارسات تؤدي عكساً إلى إعادة إنتاج التضخم وتغذيته، سواء عبر تحفيز الطلب أو رفع تكاليف الإنتاج مجدداً.
التبعات السياسية والاجتماعية للفجوة
تآكل الرأسمال اللامادي (الثقة):
إن النتيجة الحتمية لاتساع هذه الفجوة هي التراجع الحاد في ثقة المواطن تجاه المؤشرات الرسمية والمؤسسات التدبيرية. وتؤكد استطلاعات الرأي الوطنية باستمرار أن “غلاء المعيشة” يتربع على رأس قائمة هواجس المغاربة، متقدماً على معضلات مزمنة كالبطالة، الصحة، والتعليم.
هذا الإحساس بالضيق – وإن بدا مبالغاً فيه من زاوية الأدوات الإحصائية الجافة – يظل حقيقة سياسية واجتماعية ساطعة لا يمكن القفز عليها؛ فحين تستعصي الأسعار على الانخفاض في الوقت الذي يستمر فيه الخطاب الإعلامي الرسمي في الاحتفاء ” بتحسن المؤشرات الماكرو-اقتصادية”، تنمو فجوة صامتة بين الدولة والمجتمع، تُشكل خطراً حقيقياً يتجاوز في أبعاده أي عجز مالي في الميزانية العامة.
1- لماذا لا تتدخل الدولة؟ حدود السياسات التقليدية ومعادلة الفعالية
أمام هذا الاستعصاء السعري، يتبادر إلى ذهن القارئ تساؤل مشروع: إذا كانت تشوهات السوق واضحة بهذا الشكل، فلماذا لا تتدخل الدولة مباشرة لخفض الأسعار، أو فرض سقوف محددة لهوامش الربح، أو توسيع قاعدة الدعم؟
تكمن الإجابة العلمية في أن أدوات التدخل المباشر للدولة في ظل اقتصاد السوق تظل محدودة الفعالية، بل إنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً وتخلق أزمات أعمق إذا لم تُصمم بكثير من الحذر والتحليل الاستراتيجي.
تفكيك كوابح وأدوات التدخل العمومي
تتوزع أدوات السياسة العمومية للتدخل في الأسعار بين أربعة روافد رئيسية، لكل منها حدودها البنيوية:
- نظام الدعم المباشر (صندوق المقاصة)
يواصل المغرب دعم بعض المواد الاستراتيجية (غاز البوتان، السكر، ودقيق القمح اللين) لامتصاص حدة الصدمات. ورغم الكلفة المالية الباهظة التي تتحملها ميزانية الدولة سنوياً (والتي تقدر بمليارات الدراهم)، فإن هذا الآلية تعاني من إشكالات هيكلية:
- معضلة الاستهداف: يفتقر هذا النظام إلى التوجيه الدقيق، حيث يتساوى في الاستفادة منه الجميع؛ بدءاً من الأسر الهشة والطبقة المتوسطة، وصولاً إلى كبريات المقاولات كالفنادق والمصانع الإنتاجية، وهو ما يمثل هدراً مالياً يفتقر إلى عدالة التوزيع.
- التسرب عبر القنوات: يمتص الوسطاء والمضاربون جزءاً من أثر هذا الدعم قبل وصول السلعة إلى المستهلك النهائي. ورغم إطلاق برامج الدعم الاجتماعي المباشر كخطوة بديلة وأكثر دقة، إلا أن تصفية تركة الدعم العيني تحتاج وقتاً لتفادي صدمات سعرية جديدة.
- تسقيف هوامش الربح وتحديد الأسعار
تبدو فكرة “فرض حد أقصى للأرباح” جذابة سياسياً وشعبياً، لكن التجارب الاقتصادية (محلياً ودولياً) تفيد بأن التسعير الإداري القسري يؤدي حتماً إلى ثلاث اختلالات كلاسيكية:
التسعير الإداري القسري للسلع
- اختفاء السلع من الأسواق (امتناع المنتجين عن التوزيع لعدم جدوى الربح)
- نشوء “سوق سوداء” موازية (تباع فيها السلع بأسعار مضاعفة بعيداً عن الرقابة)
- مخاطر الفساد الإداري (محاولات الالتفاف على لجان المراقبة والتفتيش)
لذلك، تحظر القوانين الحديثة (مثل القانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة في المغرب) التدخل في الأسعار إلا في حالات استثنائية مؤقتة (كالكوارث الطبيعية أو الأزمات الفجائية الحادة) ولأمد لا يتجاوز ستة أشهر.
- المناورة بالسياسة الجمركية والضريبية
تلجأ الحكومة في فترات الجفاف والأزمات إلى تعليق الرسوم الجمركية أو خفض الضريبة على القيمة المضافة (TVA) عند استيراد بعض المواد كالأعلاف، والقمح، واللحوم. ورغم أهمية هذه الخطوة لتأمين الإمدادات، فإن فاعليتها تظل منقوصة للأسباب التالية:
- امتصاص الخفض: غياب آليات التتبع الصارمة يسمح للمستوردين والتجار الكبار بامتصاص ذلك الإعفاء الضريبي وتحويله إلى “أرباح صافية” لصالحهم، دون تمرير الخفض إلى جيب المواطن.
- تراجع الإيرادات: يؤدي هذا الخفض إلى تقليص الموارد الجبائية للخزينة العامة، مما يحد من قدرة الدولة الاستثمارية في قطاعات اجتماعية حيوية كالصحة والتعليم.
- السياسة النقدية وبنك المغرب
يتحرك بنك المغرب لمكافحة التضخم عبر أداة “سعر الفائدة الرئيسي”. رفع هذا السعر يهدف تقنياً إلى رفع كلفة الاقتراض، وبالتالي كبح جماح القروض والاستهلاك لتخفيض الطلب الكلي.
- حدود الأداة: هذه السياسة النقدية ممتازة لمنع الأسعار من الاستمرار في القفز (كبح جماح التضخم مستقبلاً)، لكنها لا تملك القدرة على خفض الأسعار الحالية وإعادتها للوراء. فالأثر النقدي يظل معزولاً في المؤشرات الكلية، والمواطن لا يستشعر مرونته مباشرة وهو يقتني حاجياته اليومية من السوق البسيط.
خلاصة المحور:
إن التدخل المباشر للدولة عبر الأدوات التقليدية يصطدم “بجدار اقتصاد السوق” وقوانين العرض والطلب. هذا العجز الهيكلي للسياسات الكلاسيكية يؤكد أن الحل لا يكمن في فرض الأسعار إدارياً، بل في إعادة هندسة “الحكامة السوقية” وتفكيك شبكات الاحتكار والوساطة، وهو ما سنطرحه في المحور الختامي عبر توصيات عملية.
- تجارب مقارنة: الدروس المستفادة والحدود المالية
عند البحث عن حلول لهذه المفارقة، غالباً ما تتجه الأنظار نحو نماذج دولية وضعت خططاً استعجالية للتدخل، لكن قراءة هذه التجارب تفرض استحضار الفروقات البنيوية والمالية:
- النموذج الألماني (آليات مكلفة): خلال أزمة الطاقة الخانقة بين عامي 2022 و2023، أطلقت ألمانيا حزم إنقاذ تاريخية شملت فرض سقوف صارمة لأسعار الغاز والكهرباء وضخ دعم نقدي مباشر للأسر. ورغم نجاح التجربة، إلا أنها كبّدت ميزانية الدولة ما يفوق 200 مليار يورو؛ وهي رفاهية مالية وهامش مناورة لا تملكها الخزينة العامة بالمغرب.
- النماذج الإقليمية (مخاطر اختلال العرض): في المقابل، تُظهر تجارب دول “كمصر وتونس” في فرض سقوف سعرية قسرية وإدارية على المواد الأساسية أن هذه الأدوات تؤدي سريعاً إلى ارتدادات عكسية تتجسد في ندرة السلع، واحتجابها من الأسواق الرسمية، وانتعاش الأسواق السوداء.
بناءً على ذلك، يتضح أن الدولة ليست عاجزة، لكن خياراتها محكومة بمعادلة دقيقة ومعقدة تفرض عليها الموازنة المستمرة بين حماية التوازنات الماكرو-اقتصادية للميزانية من جهة، وتوفير حماية مؤقتة وقاصرة للقدرة الشرائية من جهة أخرى.
الخلاصة: تفكيك عناصر المفارقة
بناءً على التحليل المنهجي المتقدم، يمكننا الآن صياغة إجابة قطعية وموضوعية عن السؤال الجوهري: لماذا لا تنخفض الأسعار في المغرب رغم تراجع التضخم؟
إن الأمر لا يعود لخطأ في الاحتساب الإحصائي، ولا “لمؤامرة” معزولة من التجار، بل هو نتاج التقاء ميكانيكي لستة عوامل بنيوية:
- طبيعة المؤشر الإحصائي: التضخم يقيس سرعة وتيرة التغير لا اتجاه الأسعار؛ وتراجعه يعني تباطؤ الصعود لا الهبوط.
- الصلابة التنازلية: تتمتع الأسعار بجمود عنيد نحو الأسفل يغذيه الخوف من عدم اليقين وتكاليف القائمة وضغوط التنافسية.
- توطين التكاليف الهيكلية: التكاليف التي تشكلت وقت الذروة (الطاقة، الأجور، الكراء، المدخلات الفلاحية) استقرت كسقف ثابت يصعب جره للوراء.
- تشوهات بنية السوق: غياب آليات المنافسة الكاملة وهيمنة القلة في قطاعات حيوية يعزز سياسات “التوافق الضمني” على الأسعار المرتفعة.
- سيكولوجية الفاعلين: تحول عدم اليقين بشأن المستقبل إلى دافع “عقلاني” للتجار للإبقاء على الأسعار المرتفعة كإجراء وقائي.
- محدودية الهوامش الحمائية: اضطرار صانع القرار لترشيد التدخل المباشر تفادياً لإنهاك الميزانية أو خلق ندرة في التموين.
خارطة الطريق: خمس سياسات واقعية لتجاوز الأزمة
لا توجد في علم الاقتصاد حلول سحرية فورية، لكن هناك خمس حزم من السياسات الهيكلية الكفيلة بتضييق الفجوة بين الاقتصاد الإحصائي والمعيش اليومي للمغاربة:
أولاً: تفعيل هندسة المنافسة الحقيقية
يجب الارتقاء بالأدوار الرقابية لمجلس المنافسة ليتعدى منطق العقوبات المالية التقليدية نحو صلاحيات تفتيشية وزجرية أوسع. يشمل ذلك ربط الغرامات بنسب مئوية رادعة من العائدات السنوية الإجمالية للمقاولات المخالفة، إقرار آلية التشهير القانوني بنشر أسماء المؤسسات المتورطة في ممارسات احتكارية، وتبسيط مساطر ولوج فاعلين ومستثمرين جدد لكسر هيمنة “القلة” في قطاعات استراتيجية كالمحروقات والتوزيع الكلي.
ثانياً: الرقمنة الشاملة لسلاسل التوريد
إطلاق منصة رقمية وطنية موحدة تحت مسمى “المرصد المستقل للأسعار”، تتولى عرض الأسعار الآنية والمحدثة للمواد الأساسية في مختلف أسواق الجملة وأسواق التقسيط بجميع جهات المملكة. هذه الشفافية المعلوماتية كفيلة بإنهاء الاحتكار الإخباري للوسطاء (“الشناقة”) والضغط على هوامش ربحهم العشوائية، عندما يدرك المستهلك وبائع التقسيط الفجوة السعرية الحقيقية بين المدن. (على غرار النجاحات المحققة في المنصات الفلاحية بدول كالتشيلي والهند).
ثالثاً: الانتقال الكامل إلى الدعم الموجه
الإسراع في الهندسة البديلة لصندوق المقاصة؛ عبر التحول التدريجي والشامل من “دعم السلع العيني” (الذي يستنزف المالية العامة ويستفيد منه الأغنياء والوسطاء) إلى نظام الدعم النقدي المشروط والمباشر للأسر الهشة والطبقات المتوسطة الدنيا. ويجب ربط القيمة المالية لهذا الدعم “بسلة معيشية مرجعية” تتحرك قيمتها ديناميكياً وتلقائياً صعوداً وهبوطاً بحسب تقلبات مؤشر أسعار المستهلكين، لضمان حماية اجتماعية مرنة ومستدامة.
رابعاً: إرساء ثقافة اقتصادية شعبية
تتحمل وسائل الإعلام العمومية والمؤسسات التعليمية مسؤولية مجتمعية في تبسيط وتفكيك المفاهيم المالية الأساسية للرأي العام. إن رفع منسوب “الوعي الاقتصادي” يمر عبر تدريب صحفيين متخصصين على صياغة التقارير بأسلوب تحليلي يربط المؤشرات الماكرو-اقتصادية بتبعاتها المباشرة على المعيش اليومي، مما يقلص مساحات الإحباط الناتجة عن سوء الفهم المفاهيمي، ويخلق مستهلكاً واعياً وقادراً على ترشيد سلوكه الاستهلاكي.
خامساً: تفعيل آليات “الضغط الأخلاقي” والاستباقي
يمكن للحكومة تبني مقاربات تدبيرية مرنة عبر صياغة “مواثيق التزام تسعيرية” دورية مع جمعيات المنتجين، المستوردين، والغرف التجارية عند رصد أي تراجع في كلفة المواد الأولية عالمياً. هذا “الضغط الأخلاقي والمؤسساتي الموثق”، والمدعوم بالمتابعة الميدانية، يمكنه تسريع وتيرة نقل خفض التكاليف الدولية إلى الأسواق المحلية دون الحاجة لتدابير زجرية معقدة، وهو أسلوب أثبت نجاعته في أسواق أوروبية كإسبانيا والبرتغال.
خاتمة: من الأرقام الأجمل إلى الأسعار الأعدل
في نهاية المطاف، لا يحتاج المواطن المغربي لبيانات إحصائية “أكثر تجميلاً”؛ فالمندوبية السامية للتخطيط تقوم بمهامها العلمية بكامل الدقة والمهنية المعترف بها دولياً. إن ما ينقص المشهد هو سياسات عمومية شجاعة وضامنة لمرونة الأسعار؛ سياسات تملك الجرأة لفك كوابح الاحتكارات، ورقمنة الأسواق، وإعادة توجيه الدعم لمستحقيه.
عندها فقط، سيتوقف المواطن عن استقبال أخبار “تراجع التضخم” بمرارة وتهكم، وسيشعر فعلياً بأن الاستقرار التقني قد ترجم عافيةً في جيبه وقدرته الشرائية. وإلى أن تتحقق هذه الإصلاحات الهيكلية، تظل الفجوة بين الأرقام والواقع مفتوحة على مصراعيها، تتقاذف ملايين المغاربة وهم يطرحون سؤالهم البسيط والمعبر: “إذا كان التضخم قد تراجع… فلماذا لا يزال درهمي عاجزاً عن تلبية عيشي؟”
