نقاش: يسار التوافقات الفوقية وأزمة الاندماج
♦ يُشكل هذا المقال/الوثيقة، شهادةً نقدية وقراءة سياسية من الداخل، صاغها المناضل محمد بولعيش، أحد وجوه اليسار الراديكالي المغربي. النص ليس مجرد مساهمة عابرة في نقاش حزبي، بل هو وثيقة تتبع مسارات التحول والتباينات الفكرية والتنظيمية داخل الحزب الاشتراكي الموحد إبان بروز تيار اليسار الوحدوي. يفكك الكاتب من خلالها مبررات التأسيس وسياقات الاندماج الفوقي، واضعا الممارسة القيادية أمام مرآة التجربة التاريخية والمبادئ الديمقراطية، مما يجعل المقال مادة مرجعية لفهم ديناميات التدافع الداخلي لليسار المغربي وسجالاته الممتدة.
محمد بولعيش
اطلعتُ على أرضية يتم حالياً تداولها، صادرة عن تيار جديد داخل الاشتراكي الموحد، اختار له متزعماه المحمدان (الساسي ومجاهد) اسم “تيار اليسار الوحدوي”، وقد وقّع هذه الأرضية ـ حسب ما يروج ـ تسعون عضواً من أعضاء المجلس الوطني، ينتمون في معظمهم إلى فصيلي المستقلين والوفاء.
سأحاول في هذه المساهمة مناقشة هذه الأرضية بخصوص التسمية، ودواعي التأسيس، والهدف/ الأهداف المرجو تحقيقها.
في التسمية:
يبدو من العجيب الغريب أن يحمل التيار اسم “اليسار”، وقد اعترض الرفيق الساسي ومجموعته عند الاندماج سنة 2005 على تسمية الحزب بـ “اليسار الموحد”، وألحّ على تغيير صفة “اليسار” إلى صفة “الاشتراكي”. وكان مفهوماً إذ ذاك أن رفاق الوفاء اعتبروا أن مصطلح اليسار يحيل على اليسار السبعيني وعلى الحركة الماركسية اللينينية، وهم ينحدرون من أصول اتحادية، ولا بد أن يبصموا الحزب ببصمتهم ولو على مستوى التسمية، ورضخ الجميع لمشيئتهم (وقد حضرتُ أشغال ذلك المؤتمر الاندماجي بصفتي ملاحظاً). فما الذي تغير حتى يتراجع الرفيق الساسي عن ذلك القرار ويعود لتسمية تياره باليسار؟
في دواعي تأسيس التيار:
نظرياً ومنطقياً، من حق كل جماعة/ مجموعة ترى أن قناعتها الفكرية والنظرية والسياسية تختلف عن غيرها ممن تتساكن معهم حزبياً، أن تنتظم في تيار تؤسس له ليكون مقنعاً وواضحاً.
غير أن المبرر الذي يقدمه الرفيق الساسي (وأنا متأكد أنه صاحب الأرضية لأنها تحمل بصماته) ورفاقه غير مقنع، وغير منسجم مع ممارساتهم السابقة. فالمبرر هو أن الزعيمة “المتنفذة” في الحزب انحرفت عن الأرضية التي صادق عليها المؤتمر الرابع بأغلبية 80 في المائة وصارت تطبق ما ورد في أرضية أخرى، وأنها تنكرت لقرارات وتوصيات المؤتمر الذي هو أعلى هيئة.
كل هذا جميل، لكن ليتذكر الرفيقان المحمدان أنهما وفصيلاهما ـ وكانوا مسؤولين ضمن الأغلبية ـ قد فعلوا نفس الشيء بأرضية المؤتمر الثالث، الذي تم انحراف كامل عن قراراته وتوصياته سياسياً وتنظيمياً، والتي صُودق عليها بما يشبه الإجماع نظراً للظرفية التي تحكمت فيها دينامية حركة 20 فبراير. ومن ضمن التوصيات التي تم التشطيب عليها: عقد ثلاث ندوات وطنية تتعلق خاصة بالمسألة التنظيمية والمسألة النقابية. وأمام هذا التجاهل والانحراف، دبجنا عريضة وقعها ما يقارب مائتي مناضل. من ضمنهم عدة أعضاء من المجلس الوطني ومسؤولين في الجهات ـ نطالب فيها بعودة القيادة إلى جادة الصواب وتفعيل الأرضية والتوصيات، لكن القيادة ـ والمحمدان من ضمنهاـ ضربت بها عرض الحائط.
فأين كانت آنذاك غيرتكم على خط الحزب وأرضيته وقراراته وأنتم ترونها تُداس وتُرمى في سلة المهملات؟ لذا أعتبر أن صحوة ضميركم هذه جاءت متأخرة، وأشك في مصداقيتها.
ومن دواعي تشكيل تيار جديد، حسب الرفيق الساسي صاحب صياغة الأرضية، خروج متزعمة الحزب عن قوانين الحزب ومساطره التي تم خرقها حسب منطوق الأرضية بصيغة تصل حد الشجب والإدانة.
جميل أيضاً أن نطالب باحترام قوانين الحزب الأساسية والداخلية، واحترام المساطر المنصوص عليها في هذه القوانين، لكن هل فعل الرفيقان ذلك حين كانا في قيادة الحزب؟ هل احترما القوانين وطبّقا المساطر؟ سيتبين فيما سيأتي عكس ذلك، حينما كانا في الأمانة العامة للحزب أو في مكتبه السياسي، وقاما مع غيرهما باغتيال الديمقراطية والقوانين والمساطر باتخاذ قرارات غريبة عن خط اليسار، أو السكوت على ممارسات مناقضة لقيم اليسار ومبادئه. سأقف هنا عند حالات عينية تبين بوضوح وأمام الأشهاد والشهود مدى هذا الاحترام المفترى عليه:
قضية الرفاق بورزازات: حين تم رفع الغطاء الحزبي (والنقابي بالاستتباع) عن الرفاق بالمنطقة، وتجميد عضوية مكتب فرع الحزب بالمدينة بمراسلة عامل الإقليم (الرسالة تحمل توقيع الأمين العام إذ ذاك الرفيق محمد مجاهد) تخبره بأن المكتب المحلي لم يعد يمثل الحزب. والسبب أن الرفاق رفضوا تزكية المكتب السياسي لأحد أعيان الانتخابات (سنة 2007) الذي ارتحل بين عدد من الألوان الحزبية منها الحركة الشعبية، وقد وضع الرفاق بورزازات ملفاً ضخماً بخصوص هذا الشخص لم ينل أي اهتمام أو جواب، ونعرف جميعاً ما آل إليه مصير مناضلينا هناك. وقد عرف فرع بوعرفة ممارسة مشابهة تقريباً، كان من نتائجها تنقيل الرفيق كبوري خارج المدينة، كما تم تنقيل/ نفي الرفيق مجدي من ورزازات إلى قلعة السراغنة.
طرد المناضلين ومسؤولي (ح.ش.د.ت) وبعض أطرها من الحزب: صورة أخرى ودليل إضافي على هذا الاحترام للقوانين. فقد تم طرد رفاق من الشبيبة ومناضلين من فروع مختلفة، بعضهم أعضاء في المجلس الوطني، يتهمهم المكتب السياسي بالخروج عن خط الحزب وعدم الانضباط لقرارات وتوجيهات قيادته؛ تم طردهم دون عرض ملفاتهم على المجلس الوطني للتداول فيها والإنصات إلى المعنيين بالأمر قبل إصدار الحكم، أو على الأقل إحالة الملفات على لجنة التحكيم التي لم يُحل عليها أي ملف منذ تشكيلها (فما الجدوى من تشكيلها أصلاً كغيرها من اللجان؟).. فأين كان أصحاب احترام القوانين والمساطر؟
التقرير التنظيمي الشهير لصاحبه محمد بولامي: دأب هذا الرفيق ـ بإيعاز من المكتب السياسي أو بمباركته أو الصمت على ممارساته ـ على تتبع خطوات المعارضين وخلق عراقيل أمام عمل التيارات التي تتنطع لخط الأغلبية، ومنها تيار “الثورة الهادئة” الذي كان انتماء رفاق من ورزازات إليها سبباً مباشراً فيما حاق بهم من انتقام المكتب السياسي الأغلبي منهم.
شخصياً، كان الرفيق بولامي يتتبع خطواتي بتشغيل الهواتف كلما قمت بزيارة لأكادير التي تعودت على زيارتها كل صيف حتى قبل انتمائي للحزب، وتعرفت على رفاق منطقة شتوكة في سيدي بيبي وبلفاع وآيت عميرة وغيرها، وأطرت أنشطة شبيبية بطلب من الرفاق بالفروع مستغلين تواجدي بالمنطقة، وكان الرفاق يخبرونني أن الرفيق بولامي طلب منهم إخباَره بما أقوم به وأن يرسلوا إليه تقارير في الموضوع.
وقد دبج الرفيق في أحد التقارير التنظيمية المقدمة للمجلس الوطني يذكرني بالاسم أني أتنقل ـ علماً أني كنت عضواً في المجلس الوطني! ـ بين الفروع الحزبية دون ترخيص من لجنة التنظيم التي يترأسها الرفيق. وفي تقرير آخر ـ وهو الذي أفاض الكأس ـ اتهَمنا الرفيق بولامي بأننا ـ كتيار الثورة الهادئة ـ “مخازنية” وأننا نساهم، مثل المخزن، في تدمير الحزب ومحاربته. ألححنا على حذف هذه الفقرة من تقرير بولامي الذي تبناه المكتب السياسي وأغلبية المجلس الوطني بمن فيهم الرفيقان الساسي ومجاهد، وكان ذلك من أسباب تقديم استقالتي من الحزب سنة 2015، إذ رفضت البقاء في حزب تعتبرني قيادته ـ مكتباً سياسياً ومجلساً وطنياً ـ “مخازنياً”.. فأين كان أصحاب هذا “التوجه” المنادي باحترام القانون والإنصات للمناضلين وصيانة حقوقهم؟
في الهدف من التأسيس:
رأينا سابقاً أن الأسباب المعبر عنها في الأرضية والمبررة لتأسيس تيار لا تصمد أمام الواقع، وأنها مجرد تبريرات تخفي أمراً أو هدفاً آخر قد ورد في ثنايا الأرضية، وكان حرياً بأصحابها الوقوف عنده وحده فيتقلص حجم الأرضية لتصبح مطلباً واحداً أوحد في أقل من صفحة، وهو: التسريع بالاندماج.
للحقيقة والتاريخ، لم أكن أبداً ضد توحيد فصائل اليسار ولا اندماجها، بل بالعكس أعتبر نفسي من أشد المدافعين عن هذه الوحدة شريطة توفير شروط نجاحها واستمرارها. ولتنجح، ينبغي أن تبدأ من القواعد، من الفروع والجهات لتكتمل العملية بمؤتمر ديمقراطي يفرز قيادة عبر صناديق الاقتراع وليس بالتوافقات الفوقية، ليكون ذلك تعبيراً حقيقياً عن اندماج فعلي.
للوصول إلى هذه النتيجة، كان على قادة الحزب/ الأحزاب قراءة تجربتي الاندماج الأولى سنة 2002 والثانية سنة 2005، للوقوف عند ما تم تحقيقه من إيجابيات وما تم ارتكابه من أخطاء بعضها فادح وقاتل. الكارثة الكبرى في العمليتين معاً هي بالضبط غياب الاندماج! فالمكونات أو الفصائل ظلت قائمة محافظة على استقلال فعلي لها، تأتمر بأوامر قادتها، والعمل الحزبي ومبادراته وتشكيل هيئاته تحكمها التوافقات الفوقية السرية الكواليسية في معظمها (لا حاجة للتذكير بما جرى للرفيق الراحل أيمن المرزوقي في المؤتمر الثالث)، وحتى الآن لا زال نفس المنطق يحكم منطلق هذا التيار الجديد القديم: مكونان متحالفان ضد مكون ثالث، وإن ضم عناصر قليلة من خارجهما.
نفس الأمر ينطبق على الفيدرالية، فقبل انبثاقها سبقتها تجربة تحالف اليسار منذ انتخابات سنة 2007، وقبل المرور إلى الفيدرالية لم يتم التوقف عند تجربة التحالف دراسة وتحليلاً ونقداً واستخلاصاً للدروس، ما دامت مكونات التحالف هي نفسها مكونات الفيدرالية. وتأسيس الفيدرالية أيضاً جاء بقرار فوقي وطُولبت القواعد بأجرأته ولم تكن مهيأة لذلك، ولم تُستشر ولم تشارك في صنع القرار. وسيسير الاندماج المرتقب في نفس الاتجاه (كيف يمكن الجمع بين معارضة معتدلة وأخرى جذرية معلنة وأخرى نقابية في غياب خط سياسي يساري واضح يلتف حوله المناضلون؟!) لتتولد عنه نفس المشاكل والصراعات بين القيادات على القيادة وبشكل أكبر وأوسع مما هو عليه الحال في الاشتراكي الموحد حالياً.
أنا هنا لا أدافع عن أحد، ولا تدفعني أية نزعة انتقامية أو عدائية تجاه أي كان، ولن أقف ضد أي مسعى توحيدي، كل ما يهمني أن يحافظ اليسار على مصداقيته وأن تتكلل مساعيه بالنجاح، وأن يتوقف التضليل والعبث حتى نجنب المناضلين السقوط في التيئيس والوقوع فريسة الإحباط، وحتى نضمن مسيرة نضالية سليمة نحو المستقبل.
(انتهى)
* ملاحظة: أعيد نشر المقال للتذكير والتذكر. مقال نشرته عند تأسيس الساسي ومجاهد لتيارهما والانشقاق عن الاشتراكي الموحد في أفق الاندماج في الفيدرالية.
