أفق: عن محمد زفزاف والجائزة وأوهام الحالمين
صدوق نورالدين
لم يحظ اسم الكاتب الكبير محمد زفزاف – ونحن اليوم على أعتاب ذكراه الخامسة والعشرين – وأعده في هذه الكتابة، المؤسس الفعلي الحقيقي للسرد الأدبي المغربي في القصة القصيرة والرواية. أقول لم يحظ بالظفر بجائزة المغرب منذ تاريخ إنشائها، وعلى امتداد حياته إلى أن طواه الغياب، علما بأن في مرحلة من مراحل هذه الجائزة تحقق إفراد جائزة للاستحقاق تمنح عن مجموع المنجز الأدبي والفكري لمبدع أو كاتب، وهو ما لم يستمر. وأذكر بأني دعيت مرة للتحكيم في لجنة السرد التي منحت حينها مناصفة بين الروائي عمر والقاضي عن روايته “الإبحار إلى إيثاكا” والمجموعة القصصية لمحمد زهير” أصوات لم أسمعها” (2011). كان من بين الأساتذة كمال عبد اللطيف الذي رأس لجنة العلوم الإنسانية والاجتماعية حيث أشار في التوصيات النهائية التي دأبت اللجان تدوينها نهاية كل دورة، وبالطبع دون تفعيل الأهم منها. طالب الأستاذ كمال، تخصيص جائزة تتوج أعمال الكاتب وهو في المراحل المتأخرة من حياته، خاصة وأن ما أقدم على إنجازه يشكل صورة دالة عنه ولا يتوقع إضافة ما هو أقوى مما تحقق وتم التعبير عنه، ومثل حينها بالأستاذ عبد السلام بنعبد العالي في غيابه، والمبدع أحمد المديني (وكان حاضرا)، فانتفض مؤكدا على أنه ما يزال قادرا على العطاء والإضافة.
على أن المفارقة التي يجب ذكرها تتمثل في واقعتين. ترتبط الأولى بوزارة الثقافة التي انتدبت غير ما مرة الراحل محمد زفزاف كعضو في لجان القراءة والتحكيم للجائزة، وكأنها تقول من خلال الانتداب إننا نقبل بك هنا ونرفض منحك الجائزة التي تعد من مستحقيها لا محالة. فما تبدعه يجد صدى قوته هنالك، وليس هنا، وهو ما ينبغي على الواهمين في زمن صناعة التفاهة والتافهين إدراكه ووعيه. وأما الواقعة الثانية فمصدرها الإخوة رفاق الدرب السياسي، إذ كان الراحل منتميا عن قناعة واقتناع وليس كما يعتقد من يظن نفسه رائد التعريف بالتخييل الذاتي، وهو ما ضاعف حدة مرضه وفاقمها. إذ لم يحدث في أية دورة من دورات مهرجان الرباط السابق أن دعي له أو إليه، في الآن الذي استدعيت أسماء من جميع الدول العربية وغير العربية.
وأذكر أني سألته متحسرا، فأجاب بعزة نفس واعتداد قوي: وهل ثمة من يعرف هؤلاء المشرفين على تنظيمه؟ أسماء نكرة مجهولة. وأضاف بغضب: سيذكرنا التاريخ.
ومن باب الذكر على السواء، تغييب اسمه عن ندوة الرواية المغربية المصرية التي عقدت جلساتها في شارع أنوال. ومن المفارقات أيضا أن روائيين مصريين: إدوار الخراط وبهاء طاهر طلبا بزيارته وتكفل بذلك الأستاذ شعيب حليفي.
بدأ الراحل مساره الإبداعي شاعرا. وأستحضر آخر نص شعري قرأته له نشر في جريدة “أنوال” فلم تحتف به، واختارت تقزيمه في صفحة ثقافية بلا صدى مادام الهدف سياسيا وليس ثقافيا. على أن بناء الاسم العلم الاعتباري أدبيا وثقافيا وليد المشرق، وبالتحديد مصر حيث أقدم الراحل على نشر قصصه في مجلة “المجلة” التي أصدرها القاص الرائد يحي حقي. ومن بين النصوص التي نشرها حينها قصة “الدفن” (1969) ولاحقا “الديدان التي تنحني” (1970)، النص الذي أثار نقاشات واسعة(عبده جبير تحدبدا) ، إذا ما ألمحنا لطبيعة الصيغة التقليدية التي كانت تكتب بها القصص، وصوغ التجديد والتجريب المعتمد من الراحل محمد زفزاف. ويحق اعتبار هذا النص النواة الحقيقية التأسيسية للكتابة القصصية في المغرب.
بيد أن مما تجدر الإشارة إليه، السياق الذي كرس القصة القصيرة على مستوى العالم العربي، وهو سياق وليد صراعات عرفتها مصر، وبالضبط بين الأديب عباس محمود العقاد الذي انتصر للشعر، وموجة الكتاب الشباب الذين برزوا في تلك المرحلة، ومن بينهم نجيب محفوظ الذي اعتبر “القصة شعر الدنيا الجديدة”. وللمعرفة فإن مواقف العقاد عبر عنها في كتابه ” في بيتي” (1945).
ولم يقف تداول اسم الراحل على مصر وحدها، وإنما أسهم في نشر إبداعاته قصة، رواية وترجمة في أكثر من بلد عربي: سوريا، لبنان، العراق وتونس.
وهنا أورد مفارقة غريبة. ذلك أن صفوة الأدباء والمفكرين المغاربة، فرضوا قوة حضورهم الأدبي والفكري من خارج المغرب وليس من داخله.
يبقى الراحل محمد زفزاف، وللترسيخ الدقيق، وإن أخطأته الجائزة في حياته _ وكما سلف_ المعلم المؤسس سواء على مستوى القصة القصيرة أو الرواية.
