عندما يقرأ الأدب الجسد: “الضفيرة” علامة ثقافية وبصرية في الذاكرة المغربية

عندما يقرأ الأدب الجسد: “الضفيرة” علامة ثقافية وبصرية في الذاكرة المغربية

عائشة حسمي

         لم تكن الضفيرة يوما مجرد خصلات شعر متداخلة، بل كانت دوما نصا بصريا يروي قصة الانتماء والنظام والجمال. حول هذا البعد الرمزي، التأم شمل نخبة من الباحثات والمبدعات في صالون السيدة د. لطيفة حليم، لنبش جذور هذه الممارسة في التاريخ والوجدان المغربي.

بطاقة اللقاء:

– تقديم: د. لطيفة حليم

– عرض: د. رشيدة أفيلال

– مناقشة: د. نفيسة الذهبي – د. فاطمة مهاجر

لم يكن اللقاء الأدبي الأخير في صالون “غرفة صديقات أجمل العمر” مجرد حديث عابر عن الضفيرة بوصفها زينة تُجمّل الملامح، بل كان غوصًا أنثروبولوجيا وأدبيا في أبعادها بوصفها لغة اجتماعية وثقافية صامتة، لغة تحمل بين طياتها معاني العناية والاحتواء، وتعلن أن خلف كل طفلة أسرة تحرس تفاصيلها الصغيرة الشغوفة.

وفي الوقت ذاته، تجلت الضفيرة كمدرسة مبكرة للانضباط والتربية، إذ لم يكن الشعر المرتب يعكس حرصا على المظهر الخارجي فحسب، بل كان تجسيدا حيا لقيم النظام، والاعتناء بالذات، واحترام الفضاء العام. لقد كان لقاء بطعم خاص، أثبت من خلاله المشاركون أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بقراءة النصوص المسطورة، بل يقرأ تفاصيل الحياة اليومية، ويُعيد إليها وهجها الإنساني والثقافي.

استهلت الدكتورة لطيفة حليم اللقاء بتقديم رصين مهد للولوج إلى عوالم الضفيرة، واضعة الحضور في صلب موضوع طالما ظل متواريا عن اهتمامات الدارسين والباحثين، على الرغم مما يزخر به من دلالات اجتماعية وررمزية عميقة.

عقب ذلك أفاضت الدكتورة رشيدة أفيلال في عرضها الشامل، حيث نسجت بخيط رائع العلاقة بين الضفيرة والذات،؛ فتداخل الشخصي بالمعرفي، والحميمي بالثقافي، في قراءة كشفت كيف يمكن لتفصيل يومي بسيط أن يختزن معاني الهوية المركبة والذاكرة والانتساب.

ومن جانبها أغنت الدكتورة نفيسة الذهبي الأمسية بمداخلة قيمة تتبعت فيها حضور الضفيرة عبر تاريخ المجتمعات، مبرزة كيف تجاوزت هذه الممارسة بعدها الجمالي العابر لتتحول إلى علامة حضارية تحمل دلالات اجتماعية وهوياتية تتشكل وتتجدد باختلاف الأزمنة والبيئات.

أما الدكتورة فاطمة مهاجر فقد أثرت النقاش عبر شهادة صوتية تحليلية تطرقت فيها إلى علاقة العادات بالجسد، وكيف يتحول هذا الأخير – عبر الممارسات اليومية والطقوس الاجتماعية – إلى حامل للهوية الثقافية، ونص الملامح تُقرأ فيه قيم المجتمع وتمثلاته، بل وحتى أبعاده السياسية والرمزية.

مع فتح باب النقاش تحولت الضفيرة من موضوع للدراسة إلى رحلة دافئة في الذاكرة الجمعية، إذ عادت الحاضرات إلى عوالم الطفولة، يستعيدن بامتنان أصابع أُمٍّ أو جَدّة كانت تنسج خصلات الشعر بصبر ومحبة، وكأنها تشكل معها الملامح الأولى للشخصية والانتماء. وقد تقاطعت الذكريات لتؤكد حقيقة تاريخية مفادها أن الضفيرة لم تكن حكرا على الأنثى، بل كانت في العديد من البيئات المغربية جزءًا من مظهر الصبي أيضا في سنواته الأولى.

كما توقف الحاضرون عند الدلالات الجغرافية والقبائلية للضفيرة في المجتمع المغربي، إذ كانت في مناطق عدة تعكس الانتماء القبلي والمجالي، فمن شكلها وعدد خصلاتها وطريقة نسجها، كان بالإمكان الاستدلال على البيئة والأصول التي تنتمي إليها صاحبتها. وهكذا غدت الضفيرة بمثابة “لغة بصرية” تروي حكاية الهوية قبل أن ينطق صاحبها باسمه.

أضفت هذه الأبعاد الدلالية ثراء استثنائيا على الأمسية، فلم تعد الضفيرة مجرد ذكريات طفولية عابرة، بل تحولت إلى مكون أصيل من مكونات التراث المغربي الشفهي واللامادي، يختزن تاريخا من التقاليد ويعكس تنوع الثقافة المغربية وغناها، فلكل ضفيرة حكاية، ولكل أسلوب في التضفير بيئة وذاكرة تناقلتها الأجيال.

أصداء الأمسية وكلمة وفاء

مع توالي الشهادات، بدا جليا أن لكل ضفيرة قصتها الخاصة، ضفيرة ارتبطت بهيبة اليوم الأول في المدرسة، وأخرى ببهجة الأعياد والمواسم، وثالثة بالعادات الصباحية على وقع أصابع ماهرة تشد الخصلات برفق، فيما تتردد الوصايا والأدعية كجزء من الطقس اليومي الدافيء.

لقد تحولت الضفيرة في صالون “غرفة صديقات أجمل العمر” من مجرد خصلات متداخلة، إلى خيوط غير مرئية تصل الماضي بالحاضر، وتربط الجمال بالقيم، والهوية بالذاكرة، لتظل شاهدًا على زمن كانت فيه أبسط التفاصيل تحمل أبعادا إنسانية وثقافية عميقة.

وفي ختام هذا المحفل الفكري والأدبي، يتجدد التقدير  والشكر  لربّة الصالون السيدة لطيفة حليم على كرم الاستقبال وحفاوة الضيافة في بيتها العامر، ولجميع من شرّف اللقاء بحضوره النوعي ومساهماته القيمة، ممن جعلوا من الأدب فضاءً للحوار، ومن التراث منطلقا للتفكير، ومن التفاصيل الصغيرة نافذة نطل منها على عمق ثقافتنا وغنى ذاكرتنا الجماعية.

شارك هذا الموضوع

عائشة حسمي

ناقدة وكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!