أفق: هواجس سياسية.. المثقف الغائب (3)
صدوق نورالدين
يغيب المثقف عن البرامج الحوارية. أقول يغيب (بضم الياء). فلا يستدعى في اللقاءات مخافة أن يسرق النظر ويلفت الاهتمام إذا تواجد.
ما يثير في تركيبة هذه الأحزاب، وما بقي _ إذا حق _ كون معظمها لم يعد يضم بين عناصره مثقفين يسعفون بالرأي والتفكير. وحين أشير إلى مثقف، أعني في المقام الأول من يجسد حضورا بالكتابة الناقدة والتأليف المستنير، إلى تداول الاسم في الوسط الثقافي مغربيا وعربيا. على ألا يفهم الانسياق أو المشاركة فيما يصدر عنه من تصورات، آراء ومواقف. إذ المثقف الحق من يقبل النقاش والسجال الموضوعي الهادف.
من يتذكر اليوم سجالات الراحل محمد عابد الجابري، عبد الكريم غلاب، حسن الطريبق، كبور لمطاعي (أحمد المجاطي)، البشير الوادنوني (إدريس نقوري)، إبراهيم الخطيب ونجيب العوفي. قد يقال بأن ما هيمن على السجالات البعد الإيديولوجي، ولكنها في الجوهر رسخت قوة الحضور. وأما اليوم، فشاخ الزمن بالجميع، وقل أن تعثر على من يمدك برأي، أو يشاركك تصورا، وكأن الإحساس بالخوض في السجال بات دون جدوى بعد سيادة نماذج المتزلفين من شحاذي الثقافة المترددين عند كل مناسبة على أبواب وزارة الثقافة طمعا في مكافآت هم في غنى عنها، أو يتسولون سفرة سياحية وليس ثقافية لأي بلد من البلدان لحضور معرض أو تظاهرة مشتركة. وقس على الحالات.
ومثلما استبد المتزلفون، أجهزت الأحزاب التي عرف عنها الإسهام الثقافي الفكري المفتوح على المجلات الأدبية والثقافية الفكرية التي كانت تصدرها، أو يتولى أمر إصدارها مثقفون ملتزمون ينتمون للحزب. غابت “أقلام”، “المشروع”، ” فكر ونقد” وسلسلة دراسات تحليلية التي أشرف
عليها الناقد إدريس نقوري، حيث قدمت لطلبة الثانوي والجامعي نماذج في التحليل وفق رؤية تربوية تعليمية تعلمية.
ولعل من جملة ما أذكره في السياق ذاته، إقدام جريدة “العلم” في الزمن الذهبي على إصدار كتاب باسمها، فكان من بين العناوين المجموعة القصصية للأستاذة خناثة بنونة “ليسقط الصمت”.
غاب المثقف، غيب. ومن المؤسف أن تكون الأحزاب أسهمت بتوجهاتها السياسية النفعية الانتفاعية المغلقة في اغتيال الثقافة وموت المثقفين.
يبقى القول بأن الاستحقاق السياسي القادم سيجري كما المطلوب، ويعود التقليد لفرض حضوره، لتتعالى الأصوات: أين غاب المثقف؟ إنه مسؤول..
