المغرب واختبار صناعة القيمة

المغرب واختبار صناعة القيمة

تقرير “جودة النخب 2026” يرصد صناعة القيمة في 151 دولة..

شامة اليعقوبي

        صدر مؤخرا “تقرير جودة النخب 2026: صناعة القيمة المستدامة للأمم” (Elite Quality Report 2026: The Sustainable Value Creation of Nations)، في نسخته السنوية السابعة، عن مؤسسة Foundation for Value Creation في سانت غالن بسويسرا، ونشرته دار Anthem Press في لندن، تحت إشراف الباحثين توماس كاساس كليت وغيدو كوتزي، وبمشاركة شبكة دولية من الباحثين والخبراء. ويقدم التقرير تصنيفا مقارنا ل:151 دولة، اعتمادا على 148 مؤشرا موزعة على 12 ركيزة وأربعة مجالات في الاقتصاد السياسي، إضافة إلى مؤشرين فرعيين أساسيين هما “القوة” و”القيمة”.

ينطلق التقرير من تصور مخصوص لمفهوم “النخب”، إذ يقصد بها المجموعات المنسقة التي تدير أكبر نماذج الأعمال المولدة للدخل والقادرة على تعبئة الموارد البشرية والمالية والمعرفية. ومن هذا المنظور، يقيس مؤشر جودة النخب قدرة هذه النماذج على إنتاج قيمة للمجتمع والاقتصاد مقارنة بما تستخرجه أو تستحوذ عليه من قيمة عبر الريع أو آليات التحويل المختلفة. ويعتبر التقرير أن النظم ذات الجودة المرتفعة تكون أكثر قدرة على الإسهام في التنمية الاقتصادية والبشرية على المدى الطويل.

ويوضح القائمون على المؤشر، في تقديمهم للغاية من المشروع، أن مؤشر جودة النخب (EQx) يسعى إلى إنتاج رؤى مبتكرة قائمة على الأدلة حول صناعة القيمة المستدامة وجودة النخب الوطنية في مختلف أنحاء العالم، والعمل، من خلال المشاريع البحثية وشبكة الشركاء، على فهم أسباب النمو الاقتصادي والتنمية البشرية والعوامل التي تقف وراء صعود الدول والمنظمات وتراجعها. وفي سياق عالمي يتسم بالاضطراب، يقترح التقرير أطر قراءة بديلة للنقاشات العامة والسياساتية المرتبطة بمستقبل الاقتصاد السياسي، واضعا ضمن أهدافه الانتقال بنماذج الأعمال من «استخراج القيمة» إلى «صناعة القيمة»، وتشجيع الحوار بين الأجيال والفئات الاجتماعية وبين النخب وغير النخب، إلى جانب تطوير أدوات جديدة لنشر المعرفة وصياغة سرديات مجتمعية تتمحور حول القيمة.

وفي هذا السياق، يلخص الأستاذ في جامعة فودان Zhang Jun جانبا من فلسفة المشروع بقوله إن الإصلاحات ينبغي أن تقوم على تعديل نظام الحوافز “بحيث تعمل نماذج أعمال النخب على صناعة القيمة بدل نقلها”. فيما يرى الاقتصادي Kaushik Basu، الأستاذ بجامعة كورنيل وكبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، أن النخب تؤدي، “سواء أعجبنا ذلك أم لا”، دورا كبيرا في نجاح الدولة أو فشلها، إذ يمكنها تعزيز الرفاه العام، كما يمكن أن تصبح عاملا في عرقلة تقدمها.

ولا يقتصر التقرير على ترتيب الدول، إذ يضم تحليلات تتناول العلاقة بين جودة النخب والنمو الاقتصادي، والذكاء الاصطناعي، والتحولات بين الأجيال، والبيئة، والتنوع والإدماج. ويوضح مؤلفوه أن بنيته متعددة المستويات تتيح قراءة الاقتصاد السياسي لكل بلد من زوايا تتجاوز الاقتصاد الصرف، مستفيدة أيضا من علوم الإدارة وعلم الاجتماع. كما يعرض الفصل الثالث الترتيب العالمي الكامل، فيما يخصص الفصل الرابع لتحليل النتائج وتفسيرها بمساهمة 42 باحثا وخبيرا، ثم يقدم بطاقات خاصة بالدول والمؤشرات المستخدمة في بناء التصنيف. وعلى الرغم من مشاركة 42 باحثا وخبيرا في تحليل نتائج التقرير، لا تظهر ضمن قائمة المساهمين المنشورة مشاركة باحث من جامعة أو مؤسسة بحثية عربية، وفق الانتماءات المؤسسية التي يوردها التقرير.

وبالنسبة إلى المغرب، يضع تقرير 2026 المملكة المغربية في المرتبة 92 عالميا من أصل 151 دولة، بنتيجة إجمالية بلغت 47.2 نقطة، مسجلة تراجعا بخمس مراتب مقارنة بتصنيف 2025. ويحتل المغرب المرتبة 69 في مؤشر القوة بنتيجة 47.8، مقابل المرتبة 103 في مؤشر القيمة بنتيجة 46.9. وقد بنيت نتيجته الإجمالية على 127 نقطة بيانات متاحة ضمن المؤشرات التي يعتمدها التقرير. لكن صورة المغرب تتغير عند الانتقال إلى مقياس صناعة القيمة للأجيال القادمة (NextGen Value Creation Barometer)، حيث يحتل المرتبة 40  عالميا، متقدما بأربع مراتب عن السنة السابقة، وبفارق 52 مرتبة أفضل من موقعه في التصنيف العام. ويتوزع ترتيبه على المرتبة 95 في البيئة والرأسمال الطبيعي، و61 في تكافؤ الفرص، و55 في التعليم والرأسمال البشري، و49 في الصحة والرفاه، و47 في الابتكار والتكنولوجيا.

ويقدم التقرير كذلك تجربة EQxAfrica، وهي قراءة إقليمية تعتمد مجموعة من 68 مؤشرا مختارا وفق مدى توافر البيانات في البلدان الإفريقية. وفي هذا الترتيب يأتي المغرب في المرتبة 26  إفريقيا، مع تفاوت لافت بين مكوناته: المرتبة الخامسة في القوة السياسية، و34 في القوة الاقتصادية، و15 في القيمة السياسية، و40 في القيمة الاقتصادية. غير أن واضعي الدراسة ينبهون صراحة إلى حدود هذه المقارنة، وإلى أن بعض مؤشرات النموذج العالمي قد لا تعكس بصورة كافية خصوصيات الاقتصادات الإفريقية، ومنها الاقتصاد غير الرسمي وبنية الموارد وأنماط القوة المحلية. كما يأتي المغرب في المرتبة  83 عالميا ضمن عائلة مؤشرات الذكاء الاصطناعي بنتيجة 44.2، وهي مجموعة تقيس عناصر تشمل جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي والاستثمار الخاص وبراءات الاختراع وكثافة الروبوتات الصناعية. وتكشف هذه النتائج، في مجموعها، أن أهمية التقرير لا تكمن في رقم الترتيب وحده، وإنما في الفوارق بين مصادر القوة والقدرة الفعلية على تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. وهي قراءة ينبغي التعامل معها بوصفها أداة مقارنة لها حدودها المنهجية، خاصة أن مؤلفي التقرير يقرون بأن توافر البيانات يختلف بين الدول، وأن ترتيب البلدان المتوسطة والمتأخرة قد يكون أكثر حساسية للخيارات المنهجية.

ويستعد القائمون على المشروع لإصدار نسخة 2027 بعد إعادة تقييم المؤشرات الحالية والنظر في إضافة مؤشرات جديدة. وفي هذا المعنى، يعتبر Simon Evenett من المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) أن التقرير يمثل موردا لمن يسعى إلى فهم عالم الاقتصاد السياسي المتغير باستمرار، بينما يرى Etsuro Shioji من جامعة تشو أن المؤشر يتيح، من خلال رصد الأسس الجزئية لصناعة القيمة المستدامة، قراءة للواقع الاقتصادي الراهن واستشرافا لآفاق نمو الدول.

وتبقى الفكرة المركزية التي ينتظم حولها التقرير واضحة بحيث أن تقييم نجاح الاقتصادات لا يتوقف عند حجم الموارد أو مقدار القوة المتاحة، وإنما يمتد إلى قدرة المؤسسات ونماذج الأعمال على تحويل تلك القوة والموارد إلى قيمة مستدامة تدعم النمو والتنمية البشرية وتوسع إمكانات المجتمع في المستقبل.

 

شارك هذا الموضوع

شامة اليعقوبي

كاتبة وباحثة مغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!