إدريس لشكر والعبور على أجساد ضحايا سبتة

إدريس لشكر والعبور على أجساد ضحايا سبتة

عبد الرحيم التوراني

       في أوج الصمت والخرس الرسمي يطل علينا إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، ليتقدم نحو الواجهة… لا ليتحمل المسؤولية، بل لتأدية دور الكومبارس البديل عن أخنوش وحكومته الغائبة… مشهد يعيد إلى الأذهان ذات المأساة، والدور الذي أتقنه في بلوكاج 2016، تحت الرعاية ذاتها والإخراج نفسه.

في لقاء حزبي بمدينة وجدة، اختار لشكر أن يطل بعبارات ملساء، محذرا من استغلال المأساة الإنسانية لأحداث سبتة كمزايدة سياسية أو ورقة انتخابية، داعيا الجميع إلى التستر خلف شعار المسؤولية الجماعية، ومكتفيا بنقد خجول لضعف التواصل الحكومي أثناء الأزمة.

يرفض لشكر تحويل أرواح الضحايا ومانشيتات الفاجعة إلى وسيلة للهجوم السياسي الضيق، معتبرا أن إطلاق البيانات العاطفية واتهام جهة واحدة أمر سهل لكنه غير مسؤول، ومرددً نغمته الأثيرة: /كلنا مسؤولون بحكم السيرورة التاريخية وتطور الظاهرة عبر السنوات/.

وفي محاولة لتلميع خطابه، انتقد غياب رئيس الحكومة والناطق الرسمي عن تقديم التوضيحات للرأي العام في الوقت المناسب، موجها اللوم لهذا الصمت الذي دفع المواطنين وعائلات الضحايا لاستسقاء الأخبار من القنوات الأجنبية، ومتبجحا بعمل حزبه في قنوات الصمت والمشاورات مع الأحزاب الاشتراكية واليسارية بأوروبا لحماية الشباب ومغاربة الخارج من اليمين المتطرف

يا للعبث… هل هي مجرد مبادرة حسن سلوك لضمان إشراك دافئ في التشكيلة الحكومية المقبلة؟ أم أنه دور كتب بعناية في الغرف السرية، وسُلّم للممثل كي يخرج على الناس لأدائه؟

لقد ظنها لشكر الفرصة المواتية التي تتجلى فيها عبارة “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فتقدم بلا تردد لجني الفائدة المبللة بمياه البحر ودم الغرقى، موظفا المأساة في حملة انتخابية مبكرة، لم تكن سابقة لأوانها بقدر ما كانت متخلفة عن زمانها ورائحة الخيبة تفوح منها

لكن لسوء حظه اختار الوقوف فوق خشبة مسرح أوهى من باتيرات قوارب الموت التي غرق فيها أطفالنا وشبابنا.

فمن أين تأتي الحكمة والتوازن وبعد النظر لشخص مثل إدريس لشكر؟

شخص أسقط قبل أشهر فقط ملتمس الرقابة، ليلعب بامتياز دور الطابور الخامس خادما مصالح أخنوش ومن معه، ثم امتناعه المريب عن التصويت في البرلمان على مقترح قانون تسقيف أسعار المحروقات وتأميم شركة لاسامير بمجلس المستشارين.. موقف ساهم عمليا، كتفا بكتف مع أصوات الأغلبية الحكومية، في إسقاط المقترح وتبديد أمل المواطنين

وما خفي بين الكواليس أعظم وأمرّ…!

تماما كما غسل الشعب يديه من أي أمل في أخنوش، فهو لا يثق بجماعته ولا بظله.. وجماعته لا تتشكل فقط من الثلاثي المعلن /الأحرار- البام- الاستقلال/، بل تضم أيضا هذا الاتحاد الذي يصرّ لشكر على الوقوف على رأسه لولاية رابعة، ضاربا بعرض الحائط قواعد القانون ومبادئ المروءة وبقايا الأخلاق السياسية.

إنها المقبرة الكبرى للقيم.. حيث تباع المواقف وتشترى الكراسي، بينما يواصل البحر تجريف أجساد الذين خسروا كل شيء… حتى حقهم في حلم بسيط على هذه الأرض.

***

يبدو أن أصحاب الحال والشأن، بعدما احترقت بين أيديهم الأوراق والوجوه التي يسخرونها لعقود، قد عدمت أمامهم خيارات البدائل.. فلم يعودوا يملكون شخصية واحدة تليق بدور رجل الإطفاء، فلجأوا بحيرة إلى الشخص الخطأ

رجل لا يملك من طقوس الإطفاء شيئا، بل لا يملك إلا الحريق ذاته، حريقا يشتعل بالحزب الذي يتربع على عرشه، ونارا تتآكل في قاع بنيانه وفي تلابيب خطابه.

ولعل هذه الورطة الخانقة هي التي دفعتهم مؤخرا لإقحام شخص مثل فوزي لقجع في خضم المعمعة

فهل ينفع لقجع في إطفاء جحيم يخنق الوطن؟

هل تنجح تكنوقراطية الميزانيات وحسابات الأرقام ولغة الملاعب في امتصاص غضب أرواح دهسها الفقر وفرّ بها اليأس إلى أعماق المحيط؟

أم أن الحريق هذه المرة أعتى من أن تطمسه مساحيق التجميل وحيل التوازنات؟

لقد تجاوز الجرح حدود الترميم، وحين يحترق البيت من أساسه، لا ينفع استدعاء حراس المال ولا مخرجي المسارح

فالماء وحده في هذا الوطن صار قبرا، والنار لم تعد تترك خلفها سوى رماد عقيم، رماد غير قابل لإعادة التدوير أو صنع الحياة.

***

رحم الله الشهداء… شهداء معركة الاستقلال الأولى، وشهداء معارك التحرير والديمقراطية، وصولا إلى شهداء العهد الجديد.. شهداء التجويع والتيئيس والحكرة والقهرة

أولئك الذين لم تقتسم أجسادهم الرصاص، بل اقتسمت أروحهم لُجّة البحر وأنياب اليأس… رحم اللهُ من قضوا وهم يبحثون عن أرض تتسع لأحلامهم البسيطة، بعدما ضاقت بكرامتهم أرض الوطن.

الأحد 2 غشت 2026

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!