نداء النخيل.. مدرسة الصمود الوجودي ومقاومة التصحر الروحي (1-3)
لحسن أوزين
يمكن اعتبار كتاب “نداء النخيل” للأستاذ صابر لبنة أخرى تضاف إلى أدب وتراث الواحة. يأتي هذا الكتاب في سياق الاعتراف بالواحات التي قاومت وناضلت وصمدت في وجه مختلف أشكال العنف الطبيعي والبشري والاستعماري. كما أن الكاتب ينخرط في هذا الشكل من الكتابة لمقاومة التصحر الاجتماعي والثقافي والسياسي والأكاديمي، الذي حكم على الواحات بالنسيان والتهميش والنبذ والإقصاء من قليل المشاريع المجتمعية، المادية والرمزية، التي تنجز في المدينة.
فضد هذا النكران والنسيان والإقصاء وعدم الاعتراف بالنبع الأصيل للحضارات، يدق كتاب “نداء النخيل” أجراس النهوض والاعتراف والحماية، للتراث والذاكرة والتاريخ الاجتماعي الإنساني الذي ساهم بشكل فعال في تأسيس الانتظام الاجتماعي الإنساني وطنيًا وكونيًا.
أولًا: تجربة الألم والمعنى
(في البدء كانت الواحة؛ حزمت الكرة الأرضية نفسها من الوسط، لا بخيط حرير لامع ولا بحزام ذهب بَرَّاق، بل بوشاحٍ أزليٍّ من رمال الصحراء المترامية الأطراف، تلفُّها شرقًا وغربًا كوشاحٍ أبديّ يمتد بلا نهاية. هذا الحزام ليس مجرد خط وهمي يحدُّ الأفق، بل هو شريان حياة خفيّ، نقطة وَصْل بين ما يبدو لنا أعلى وأسفل، وإن كانت الكرة الأرضية تسبح في فضاءٍ لا نهائي حيث تتلاشى مفاهيم الشرق والغرب، والأعلى والأسفل. تبدو الصحراء وكأنها نُحتت).
الواحة لا تخلق حياتها رغم قسوة الطبيعة، ولكنها أيضًا تخلق مبدعًا يهزه نسغ عميق ترسب في الأعماق؛ فجاءت الكتابة من التبادل الحميم بين الأرض والإنسان من خلال جمال اللغة. أليس كذلك؟
(من صخر الأزل ذاته، جامدة وثابتة في طبيعتها الصارمة وتضاريسها الشامخة منذ فجر الخليقة. لكنها، في جوهرها الخفيّ، كانت ولا تزال مرجًا ينبض بالحياة، ساحة تحوُّل دائم، تتبدَّل مع كل نسمة ريح عابرة ومع كل قافلة راحلة. لقد شكَّلت عبر العصور، منذ زمن سحيق، مهدًا خصبًا تتلاقح فيه الديموغرافيا وتتمازج الأعراق واللغات، فنبتت الواحات على أطرافها، كجواهر خضراء تتلألأ في الصحراء القاحلة، تتبدَّى في كل جنباتها، شمالًا وجنوبًا، مستعذبةً مياه الأنهار الجوفية والمنابع المتفجرة من الصخر، وسيول الخير التي تهبط فجأة من السماء.)
هكذا تنتصر الكتابة للواحة ضد أشكال أخرى من التهميش والإقصاء والتصحر. ترفض الكتابة أن تكرس العزل والنبذ وتغييب حضور وفاعلية وجمالية الصحراء طبيعيًا واجتماعيًا وثقافيًا. فالواحة ليست مجرد مكانٍ ينجو فيه الإنسان من قسوة الصحراء، وإنما رحمٌ رمزيّ تتكَّون فيه الحساسية الجمالية والكتابة نفسها.
فالصحراء، رغم ظاهرها الجامد والقاسي، تُنتج نوعًا خاصًا من الإصغاء الداخلي؛ اتساعها يفتح في الإنسان فراغًا تأمليًا، وندرة الماء تجعل لكل نبع معنى وجوديًا، ولهذا تصبح الواحة أكثر من بقعة خضراء: تصبح وعدًا بالحياة، وذاكرةً، ومخيلةً.
وعلى طول صفحات هذا النص الجميل يتجلى التبادل الحميم بين الأرض والإنسان بوضوح عبر ثلاث حركات متداخلة:
- الأرض ككائن حيّ: الصحراء ليست جغرافيا صامتة، بل «شريان حياة خفي»، و«مرج ينبض بالحياة». هنا تتحول الطبيعة إلى ذاتٍ فاعلة تشارك الإنسان تشكيل مصيره.
- الواحة كفضاء للخلق لا للبقاء فقط: الواحات «جواهر خضراء» تنبت من رحم القسوة، ولذلك فهي تُعلِّم الإنسان معنى التحول والخصب والمقاومة. ومن هذا المعنى يتولد الإبداع؛ لأن الكتابة غالبًا ما تنشأ من التوتر بين القحط والامتلاء، الغياب والنبع.
- اللغة بوصفها ثمرةَ هذا التفاعل: جمال اللغة في النص ليس زخرفة خارجية، بل امتداد لطبيعة المكان نفسه. الجمل الطويلة المتتدفقة، والاستعارات الكونية («وشاح أزلي»، «شريان حياة»، «جواهر خضراء») تجعل اللغة كأنها تحاكي حركة الرمال والمياه والريح. كأن الأرض تكتب نفسها عبر الإنسان.
وعبر سيرورة القراءة، في تفاعل جمالي بين القارئ والنص، يدرك القارئ عظمة الواحة في كونها لا تُنبت النخيل والماء فقط، بل تُنبت أيضًا المخيلة؛ فالكتابة هناك ليست فعلًا منفصلًا عن الطبيعة، وإنما هي ثمرةُ التبادل السرّي بين قسوة الأرض وحنين الإنسان إلى المعنى. وفي الأدب الصحراوي تحديدًا، كثيرًا ما تصبح اللغة نفسها واحةً: مساحةً لمقاومة العدم، وحفظ الذاكرة، وترويض اتساع الصمت. وهذا ما نجده بعمق في كتابات إبراهيم الكوني، وعبد الرحمن منيف…
يستحضر الكاتب مولاي أحمد صابر عوالم الواحة التي قلما يدرك المرء ما يكتنفها من أفكار ومعاني ودلالات، وقيم يعجز الإنسان العادي ابن المدينة عن فهمها في نبلها وقيمها الثقافية والاجتماعية. قد يبدو للقارئ أن الكاتب بهذا النص الشاعري يجمّل قسوة الحياة، كما لو أن جرح الحنين يقوم بتضميد الجراح والآلام التي فجرتها التحولات الراهنة لعين وقلب اصطدما بعزلة وقسوة المدينة، التي هجرت قيم النبل والصفاء والإحساس بالآخر.
البدوي الذي التحم بالطبيعة وأدرك جمالية وحب الدفاع عن الحياة لأنه ليس طرفًا وإنما جزءًا من الطبيعة التي يجب احترامها والتصرف بشكل أخلاقي معها.
(من قسوة الصحراء، حيث يمكن للحاج أن يستعيد قوته، ويُصلح ما تضرر من متاعه، ويشعر بالأمان قبل أن يُكمل رحلته المحفوفة بالمخاطر. لقد كانت الواحات الشاهد الصامت على آلاف السنين من رحلات الحج، التكافل البشري، وعظمة الصبر، وسخاء الطبيعة. إنها جزءٌ لا يتجزَّأ من تاريخ الحج، تُروى عنها الحكايات كرموز للعون الإلهي في قلب الصحراء، وتظل محفورة في ذاكرة الأمة كأيقونات للصمود والأمل على درب الوصول إلى الديار المقدسة. الواحة، تلك البنت البارَّة للصحراء، قطعة منها تنبض بروحٍ أخرى، لا يمكن الحديث عن إحداهما دون الأخرى، فمصائرهما متشابكة في رقصة أزلية. لقد كانت منذ القِدَم مرسى استقرار وهدوء للإنسان البدوي الذي طالما ارتحل في جوف الصحراء الواسع، يتبع أثر الكلأ لقطعان الغنم والإبل والمَعْز الجائعة؛ بحثًا عن نقطة حياة في بحر الرمال. تحولت الواحة، بمرور الأيام والأزمان، من مجرد محطة عابرة، إلى حاضنة مزدهرة لحياة الحضر، حيث استقرت الزراعة بظلال نخيلها، وقامت الصناعة بدفء أفرانها، لتمزج بذلك بين حياة البداوة القاسية والتحضُّر المزدهر في تناغم بديع. وكأنما البشر يستمدون من بعضهم القوة والعون، كما صدق القول الشاعري لأبي العلاء المِعَرِّي: “الناسُ للناسِ مِن بدوٍ وحاضِرَةٍ.. بَعضٌ لبعضٍ وإنْ لَم يشعروا خَدَمُ”. الواحة ليست مجرد بقعة خضراء منعزلة، بل هي شرايين نابضة بالحياة، ممرَّات عبور استراتيجية تربط جنوب الأرض بشمالها. تحوَّلت عبر سرمدية الزمن إلى خزان ثقافي وحضاري لا ينضُب، استوعبت فيه تجارب الأمم)
في طيات هذا الوصف الساحر الجميل لا يكتفي الراوي بالنظر إلى الواحة بوصفها فضاءً جغرافيًا فقط، فهو يجعلها قيمةً أخلاقيةً وروحيةً في مواجهة عالم حديث فقد دفأه الإنساني. فالكاتب، من خلال هذا النفس الشاعري، لا يجمّل قسوة الحياة بقدر ما يحوّل الألم إلى معنى، والحنين إلى قوة ترميم داخلية؛ كأن الذاكرة نفسها تصبح وسيلةً لتضميد الجرح الذي خلّفته المدينة الحديثة في الروح. لأننا نعتقد بأن الكاتب صابر، ما كان له أن يكتب هذا النص إلا من خلال تجربة الألم والمعنى التي خبرها وعاشها بين الواحة والمدينة.
فالمدينة هنا تبدو، ضمنًا، فضاءً للانفصال: انفصال الإنسان عن الطبيعة، وعن الجماعة، وعن ذاته أيضًا. إنها مدينة فقدت «قيم النبل والصفاء والإحساس بالآخر» بينما الواحة تمثل نقيض ذلك كله؛ فهي مكان يقوم على التكافل، وعلى الاعتراف المتبادل بالحاجة الإنسانية. لذلك يحضر الاستشهاد بقول أبي العلاء المعري في سياق دلالي عميق، لأنه يربط البداوة والحاضرة بعلاقة خدمة متبادلة، لا بعلاقة تفوق أو إقصاء.
وفي هذا المشهد تتجلّى صورة البدوي لا بوصفه إنسانًا بدائيًا أو هامشيًا، بل بوصفه كائنًا أخلاقيًا التحم بالطبيعة حتى صار جزءًا من نظامها الروحي. إنه لا ينظر إلى الصحراء باعتبارها موضوعًا للهيمنة، بل باعتبارها شريكًا في الوجود؛ لذلك يتعلم منها الصبر، والاقتصاد في الرغبة، واحترام الحياة في أبسط تجلياتها: الماء، الظل، القافلة، النخلة، ورفقة الطريق.
ولهذا تبدو الواحة في النص رمزًا مضادًا للعزلة الحديثة. إنها: فضاء للعبور لا للإقصاء، وموطنًا للضيافة لا للاستهلاك، وذاكرة جماعية تحفظ الإنسان من التشيؤ والاغتراب.
كما أن الكاتب يمنح الطبيعة بعدًا إنسانيًا واضحًا؛ فالواحة «البنت البارّة للصحراء» استعارة تكشف علاقة القرابة العضوية بين الإنسان والأرض. هنا لا تعود الطبيعة شيئًا خارجيًا، بل كيانًا حيًا له روح وذاكرة وعطاء. ومن هذا الوعي تتولد أخلاق التعامل مع العالم: الدفاع عن الحياة، احترام الموجودات، والشعر بأن الإنسان ليس سيد الكون المطلق، بل جزء من نسيجه.
ومن أجمل ما في النص أن الحنين لا يظهر بوصفه بكاءً على الماضي، وإنما باعتباره مقاومة رمزية للحاضر القاسي. فالكاتب يستدعي الواحة لكي يواجه بها قحط المدينة الروحي؛ وكأن العودة إلى الصحراء ليست رجوعًا جغرافيًا، وإنما بحثٌ عن معنى إنساني ضائع.
لهذا غالبًا ما يجد القارئ نفسه أمام كم هائل من الأسئلة، التي ينتجها هذا الجمال الساحر الخلاب القابع في الذاكرة. فهل يضمد في القلب جراحات رفضت الموت والشفاء، أم أن هذه المشاعر الفياضة التي تتدفق في الكتابة كسيل حارق موجع ممسوس بلعنة الحنين وقسوة الصيرورة، التي جعلت الآن المدينة مأوى نهائي للبدوي، الذي خبر المدينة، فانفجر في القلب ما استقر من حنين موجع.
(شريط أخضر متلألئ ينساب في جسد الصحراء الجاف، كشريان حياة يلتوي يمينًا ويسارًا، محتضنًا مجرى نهر قديم أو منبع ماء أزلي. يحيط به من كل جانب قسوة الجبال الشاهقة، وعمق الهضاب الصخرية، وامتداد الرمال الذهبية التي لا تعرف الحدود. إنه شريط ينبض بالحياة، يغفو في ظلاله النخيل الشامخ الذي يلامس السماء، وأشجار الزيتون المُعمِّرة التي تروي قصص الأجداد، وتتدلى منه عناقيد العنب اليافعة وحبَّات الرمان اللامعة التي تشبه الياقوت. وعلى أطرافه المترامية، تمتد القِفَار القاحلة التي لا ينبت فيها شيء، يلفحها حرٌّ شديدٌ يأتي على الأخضر واليابس، ويبتلع كل أثر للحياة. من الصحراء القاسية، استعارت الواحة معنى الأضداد المتناقضة: ندرة الماء ووفرته، عذوبته السلسبيل وملوحته المُرَّة، الارتواء العميق والعطش الحارق، الحَرّ اللاهب والبرد القارس، الفراغ الموحش والامتلاء المبهج.).
النص هنا لا يصف الواحة بوصفها طبيعة خارجية فقط، بل بوصفها ذاكرةً وجوديةً تسكن الإنسان حتى بعد اقتلاعه منها. ولذلك يبدو الحنين هنا ليس حنينًا عابرًا، بل جرحًا مؤجَّلًا ظلَّ حيًّا تحت رماد الزمن، ثم انفجر عندما اصطدم البدوي بعالم المدينة البارد. فالمدينة، في هذا السياق، ليست مجرد مكان إقامة، بل قدرٌ جديد فرضته الصيرورة التاريخية: انتقال من فضاء مفتوح إلى فضاء مغلق، من إيقاع الطبيعة إلى إيقاع الإسمنت، من الجماعة إلى العزلة.
ولهذا يصبح الجمال المستعاد في الكتابة محاولةً مزدوجة: محاولة تضميد، ومحاولة استبقاء للألم في الوقت نفسه. كأن الكاتب يخشى أن يشفى تمامًا؛ لأن الشفاء الكامل قد يعني فقدان الصلة بذلك العالم الأول الذي منحه هويته الروحية. لذلك تأتي اللغة فائضة، متوهجة، ومحمّلة بكل هذه الثنائيات المتناقضة: العطش والارتواء، الحرارة والبرد، الفراغ والامتلاء… إنها ليست مجرد أوصاف للصحراء، بل أوصاف لحالة النفس نفسها.
فالواحة هنا تتحول إلى استعارة للإنسان البدوي ذاته: يبدو قاسيًا من الخارج كالصخر والرمال، لكنه يخفي في داخله نبعًا هشًّا من العاطفة والذاكرة. ولهذا فإن «الشريط الأخضر المتلألئ» ليس فقط مجرى ماء وسط القحط، بل هو ما تبقّى في القلب من إمكانية للحياة وسط جفاف المدينة الروحي. وكلما ابتعد الإنسان عن عالمه الأول، ازداد هذا الشريط توهجًا في الذاكرة، لأن الفقد يمنح الأشياء جمالها المأساوي.
والعبارة التي تدق أجراس التأمل والتفكير العميق تحملها «الأضداد المتناقضة». فالكاتب يوحي بأن البدوي نفسه صار كائنًا منقسمًا: جسده في المدينة، لكن روحه ما تزال معلقة في ظلال النخيل، بين صمت الرمال، وفي رائحة الماء القديمة. لذلك تأتي الكتابة كأنها سيل حارق فعلًا؛ ليست مجرد استعادة هادئة للماضي، بل انفجار شعوري لإنسان اكتشف متأخرًا أن المكان الأول لم يكن مكانًا فقط، بل طريقة كاملة في الإحساس بالعالم.
ومن هنا يصبح الحنين لعنةً ونجاةً معًا: يوجع لأنه يكشف ما فُقد، لكنه ينقذ القلب من التبلد الكامل الذي تفرضه المدينة الحديثة. ولهذا يبدو النص وكأنه يقول ضمنًا: إن الإنسان قد يعتاد المدينة، لكنه لا يشفى تمامًا من الواحة.
القارئ أمام هذا المشهد الرهيب يسأل نفسه ببراءة المستغرب: إذا كان الإنسان البدوي قد وجد نفسه مكرها بسبب الحروب والنزاعات يفر إلى الصحراء، ورغم ما تتميز به من قسوة وشراسة، فإنه لم يجد الأمر غاية في الصعوبة والتعلق الغامض بفضاء ومكان أشد قسوة ورعبًا وافتراسًا في البرد والحر؟
(الزحف القاسي للصحراء ولهيبها المتصاعد. عندما يبلغ الضد ذروته القصوى، تشعر وكأنه قد ابتلع نقيضه تمامًا، واحتواه بكل ما فيه. فعندما يتحالف الحَرّ المدمِّر والجفاف القاتل، تظن أن النهاية قد دنت لا محالة، بلا بداية بعدها. عندها، تبدأ الحياة في الانكماش المؤلم، وتجف جذورها المتشبثة بالأرض، فتسعى الكائنات والنباتات لتتشرَّب القليل من الرطوبة، مجاهدةً من أجل البقاء. ينكمش النخيل على نفسه، يمتص ما تبقى في جذوعه، ويتخلى عن تفريع سعفه الباسق. يجري الماعز المتزحلق على الرمال، فمه يلامس سطح الأرض الظامئ، لعله يظفر ببقايا أعشابٍ جافةٍ أو بعضٍ من أشواك الصحراء القاسية. ويميل الناس إلى إخراج ما خزنوه من لِفْت وجَزَر مجفف، حبَّةً حبَّة؛ انتظارًا لفرج قريب يلوح في الأفق البعيد. حتى الصحراء نفسها، في عمقها، ستتحول إلى مكان أشد قسوة، يلفظ كل أملٍ بالحياة لمختلف المخلوقات التي أَلِفت العيش فيها لسنين طويلة. فالواحات، بنخيلها الشامخ وأهلها الصامدين، يقفون)
هكذا تتوالد الأسئلة التي تبلورها الكتابة في سيرورة تشكلها، وهي ممعنة في صناعة نسيجها اللغوي الفني العميق: كيف يمكن لإنسانٍ أن يتعلّق بمكانٍ يبدو، في ظاهره، معاديًا للحياة؟ كيف تتحول الصحراء، بكل هذا العطش والجوع والقيظ، إلى وطنٍ روحي لا يُشفى الإنسان من فَقْده؟
لكن يقظة القارئ وهو يطارد الدلالات العميقة الكامنة في ظلال النص، يتعرف على علامات ومعالم الخيط الرفيع، التي تقوده إلى جواب خفي: البدوي لا يحب الصحراء لأنها رحيمة، بل لأنه تَشَكَّل بها. فالإنسان لا يتعلّق دائمًا بالمكان الأكثر راحة، بل بالمكان الذي صاغ إحساسه بالعالم، وعلّمه معنى الوجود والبقاء. الصحراء قاسية، نعم، لكنها قسوة واضحة وصادقة؛ لا تخدع أحدًا. تمنح الإنسان درسًا يوميًا في الهشاشة، وتجعله يرى الحياة في أبسط صورها وأكثرها جوهرية: قطرة ماء، ظل نخلة، رفقة قافلة، حفنة قمح مخزنة للشتاء، أو حتى شوكة يقتات بها الماعز.
ولأن الحياة هناك تُنتزع انتزاعًا من قلب العدم، تصبح الأشياء الصغيرة مشبعة بمعنى عميق لا يجده البدوي في المدينة الحديثة. المدينة قد تمنح الراحة، لكنها كثيرًا ما تسلب الإحساس الحاد بالحياة. ولهذا يبدو التعلّق بالصحراء تعلقًا غامضًا لمن ينظر إليها من الخارج، لكنه بالنسبة للبدوي علاقة هوية لا علاقة منفعة فقط. فالصحراء ليست مجرد بيئة؛ إنها مدرسة وجودية: علّمته الصبر لأن النجاة ليست مضمونة، وعلّمته التكافل لأن الفرد وحده يهلك، وعلّمته التواضع لأن الطبيعة أقوى من الجميع.
هذا هو جمال المعاني الثاوية في كتاب مولاي أحمد صابر. فالكتابة ترتقي لتخلق هذا الوعي التراجيدي؛ فالصحراء نفسها تكاد تتحول إلى كائن يختبر أهله: “تنكمش الحياة”، “يجف النخيل”، “يمتص ما تبقى في جذوعه”، “يلفظ المكان كل أمل بالحياة”. هذه الصور ليست وصفًا بيئيًا فحسب، بل استعارة عن الإنسان البدوي ذاته حين يُدفع إلى أقصى حدود الاحتمال، ثم يواصل الصمود رغم ذلك. لذلك يقف «النخيل الشامخ وأهله الصامدون» كأنهما صورة واحدة؛ كلاهما يتجذر في أرض تعرف كيف تقسو، لكنها تعرف أيضًا كيف تمنح معنى للصمود.
فالبدوي حين يذهب إلى المدينة لا يفتقد فقط مكانًا قاسيًا عاش فيه، بل يفتقد النسق الوجودي الكامل الذي كان يمنحه شعورًا واضحًا بالحياة والمعنى. في المدينة قد ينجو الجسد أكثر، لكن الروح قد تشعر بالتيه؛ لأن كل شيء متوفر، وكل شيء سريع، وكل شيء بلا تلك العلاقة العضوية العميقة بين الإنسان والطبيعة والزمن. لذلك يبدو الحنين إلى الصحراء، في هذا النص، شبيهًا بحنين الإنسان إلى نسخته الأولى من نفسه؛ إلى ذلك الكائن الذي كان يعرف قيمة الماء لأنه ذاق العطش، ويعرف معنى الجماعة لأنه واجه الهلاك معها، ويعرف معنى الحياة لأنه عاش قريبًا جدًا من الموت.
فالبدوي، كما يوحي النص، لم يتعلّق بالصحراء لأنها سهلة أو حانية، بل لأنها عرّته أمام الحقيقة الأولى للوجود: هشاشة الإنسان. في الصحراء تسقط الزوائد كلها؛ لا يبقى سوى الجسد والعطش والريح والسماء والانتظار. ولهذا تصبح العلاقة بالمكان علاقةً شبه ميتافيزيقية، لا مجرد علاقة سكن أو منفعة.
هكذا تعمق الكتابة بعدها التراجيدي. فالصحراء ليست هنا خلفية طبيعية، بل قوة كونية تكاد تبتلع العالم: الزحف القاسي للصحراء، لهيبها المتصاعد، الجفاف القاتل، انكماش الحياة، امتصاص النخيل لما تبقى في جذوعه. هذه الصور تجعل الطبيعة تبدو كأنها امتحان وجودي دائم. لكن الغريب أن الإنسان البدوي لا ينهار أمام هذا الامتحان؛ بل يكتسب منه معنى خاصًا للكرامة والصمود. لذلك لا يُنظر إلى البقاء في الصحراء كنجاة بيولوجية فقط، وإنما كنوع من الانتصار الأخلاقي على العدم.
ولهذا أيضًا يبدو الحنين مؤلمًا إلى هذا الحد. فالبدوي حين ينتقل إلى المدينة لا يفقد مجرد مكان قاسٍ، بل يفقد شكلًا كاملًا من الوعي بالعالم. في الصحراء كانت الأشياء نادرة، ولذلك كانت ثمينة: الماء حدث، الظل نعمة، القافلة أمان، والرفيق ضرورة حياة. أما المدينة الحديثة، كما يلمح النص، فتفيض بالأشياء لكنها تُفرغها من المعنى. كل شيء متاح، لكن الإحساس بالحياة يبهت. ولهذا ينفجر الحنين فجأة؛ لأن الروح التي تشكّلت في مواجهة الطبيعة لا تجد نفسها في عالم الإسمنت والعزلة والسرعة./ يتبع
