هندسة الاستبداد: كيف سحقت واشنطن السيادة الوطنية بـ “الجرائم المنظمة”؟

هندسة الاستبداد: كيف سحقت واشنطن السيادة الوطنية بـ “الجرائم المنظمة”؟

الدكتور عبد الواحد غيات

          تعد الجريمة السياسية في سياق السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه العالمين العربي والإسلامي أحد أكثر الملفات تعقيداً في التاريخ الحديث، حيث تتقاطع فيها المصالح الجيوسياسية مع الانتهاكات القانونية والأخلاقية لتشكل نمطاً مستمراً من الهيمنة التي يصفها باحثون كثر بأنها تجاوزت حدود العمل السياسي المشروع إلى فضاء الجريمة المنظمة دولياً. إن هذا التاريخ لا يبدأ من أحداث الحادي عشر من سبتمبر كما يروج البعض، بل يمتد بجذوره إلى منتصف القرن العشرين حين بدأت واشنطن ترث النفوذ الاستعماري الأوروبي في المنطقة، معتمدة استراتيجيات تقوم على تقويض السيادة الوطنية وتوجيه المسارات السياسية للشعوب بقوة السلاح أو عبر العمليات الاستخباراتية القذرة.

أولاً: وأد الديمقراطيات الناشئة واغتيال حق الشعوب في تقرير المصير

لم تكن عملية «أجاكس» عام 1953 مجرد حادثة معزولة في سجل التدخلات الاستخبارية، بل مثلت نقطة تحوّل مفصلية في علاقة القوى الغربية بالعالم الثالث عموماً، والشرق الأوسط على وجه الخصوص. فقد جرى التعامل مع تجربة محمد مصدق بوصفها «سابقة خطيرة» تهدد بنية النظام الدولي القائم على احتكار الموارد من قبل القوى الاستعمارية السابقة بصيغ جديدة. إن تأميم النفط الإيراني لم يُقرأ في واشنطن ولندن كقرار سيادي مشروع، بل كتمرد يجب كسره قبل أن يتحول إلى نموذج مُعدٍ، وهو ما يفسر الحجم غير المسبوق للتنسيق بين أجهزة الاستخبارات، واستخدام أدوات الحرب النفسية، وصناعة الفوضى الداخلية، وتسخير الإعلام لتشويه القيادة المنتخبة وشيطنتها أمام شعبها.

لقد أسست هذه الجريمة السياسية لمنطق مفاده أن «صناديق الاقتراع» تصبح غير شرعية متى ما أفرزت قوى وطنية مستقلة القرار. ومن هنا، لم يعد مبدأ تقرير المصير حقاً أصيلاً للشعوب، بل امتيازاً مشروطاً بمدى توافق نتائجه مع المصالح الجيوسياسية الغربية. هذا المنطق أفضى عملياً إلى إعادة تعريف الديمقراطية بوصفها أداة ضبط لا وسيلة تحرر، تُستخدم لإنتاج نخب وظيفية، ويتم تعطيلها أو تفريغها من مضمونها حين تخرج عن الخط المرسوم. وهكذا، تحولت الديمقراطية من قيمة كونية إلى آلية انتقائية، تُدار من الخارج وتُفرَض حدودها بالقوة الخشنة أو الناعمة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم دور برنارد لويس بوصفه حلقة الوصل بين الفعل الاستخباري والتنظير الأكاديمي الموجّه. فقد أسهمت أطروحاته في تكريس صورة نمطية عن المجتمعات العربية والإسلامية باعتبارها عاجزة بنيوياً عن إنتاج أنظمة حكم ديمقراطية مستقرة، وأنها لا تستجيب إلا لمنطق الهيمنة والقوة. هذا الخطاب لم يكن بريئاً أو محايداً، بل وفّر شرعنة فكرية للتدخلات الخارجية، وحوّل العدوان على السيادة إلى «مهمة حضارية» هدفها ضبط الفوضى المتخيلة، لا حماية إرادة الشعوب الحقيقية.

والأخطر من ذلك أن هذا النموذج التأسيسي جرى استنساخه لاحقاً في أكثر من تجربة، من أمريكا اللاتينية إلى العالم العربي، حيث أصبح الانقلاب على المسارات الديمقراطية خياراً مشروعاً في العقيدة السياسية الغربية متى ما هددت نتائجها منظومة النفوذ القائمة. وهكذا، لم يكن وأد الديمقراطيات الناشئة انحرافاً عرضياً، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة هشاشة بنيوية، تُدار فيها الشعوب لا باعتبارها فاعلاً تاريخياً، بل كموضوع دائم لإعادة الهندسة السياسية بما يخدم مصالح الخارج.

إن ما كرّسته عملية «أجاكس» لم يكن فقط شرعنة إسقاط الحكومات المنتخبة، بل وضع الأساس العملي لما سيُعرف لاحقاً بعقيدة «الانقلاب المُدار». فمنذ تلك اللحظة، لم تعد الجيوش الوطنية والمؤسسات الأمنية كيانات سيادية خالصة، بل تحولت تدريجياً إلى أدوات قابلة للاختراق وإعادة التوجيه، عبر التدريب، والتمويل، وبناء شبكات الولاء داخل الدولة نفسها. وهكذا، لم يعد الانقلاب فعلاً فوضوياً أو استثنائياً، بل أداة سياسية محسوبة تُفعَّل حين تعجز الآليات الديمقراطية المُراقَبة عن إنتاج النتائج المطلوبة.

وفي هذا السياق، نشأت ما يمكن تسميته بـ«الدولة العميقة الوظيفية»، وهي بنية غير مرئية تعمل داخل الدولة الرسمية، لكنها لا تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية، بل من ارتباطها بشبكات النفوذ الخارجي. هذه الدولة العميقة لا تهدف إلى الاستقرار أو التنمية، بل إلى ضبط إيقاع التغيير ومنع أي تحول جذري يمس بنية التبعية الاقتصادية أو يعيد تعريف السيادة الوطنية. وعبر هذه الآلية، تم تحييد الثورات، وتفريغ الانتخابات من مضمونها، وتحويل المؤسسات إلى واجهات شكلية تُدار من خلف الستار.

ومع نهاية الحرب الباردة وبداية القرن الحادي والعشرين، انتقل هذا النموذج من مرحلة «التحكم الصامت» إلى مرحلة أكثر عدوانية وعلنية، تجسدت فيما عُرف بـ«الفوضى الخلّاقة». هنا لم يعد الهدف هو منع التغيير فقط، بل إعادة تشكيل المجتمعات ذاتها عبر تفكيك الدولة، وإشعال الصراعات الهوياتية، وإغراق المجال العام في العنف والفوضى، بحيث يصبح مطلب الأمن مقدّماً على مطلب الحرية، وتُستدعى الوصاية الخارجية بوصفها «الحل الوحيد» لإنقاذ ما تبقى من الدولة.

وهكذا، يتضح أن وأد الديمقراطيات الناشئة، والانقلابات العسكرية، وبناء الدولة العميقة، ثم هندسة الفوضى، ليست مراحل منفصلة، بل حلقات متكاملة في استراتيجية واحدة طويلة الأمد. استراتيجية لا ترى في شعوب المنطقة شركاء في تقرير مصيرهم، بل متغيرات يجب التحكم بها، إما عبر الاستبداد المُقنَّع، أو عبر الفوضى المُدارة، بما يضمن استمرار الهيمنة ومنع تشكّل دول سيادية حقيقية قادرة على الخروج من دائرة التبعية.

ثانياً: غزو العراق وتأسيس بنية التضليل المنهجي في القانون الدولي

لم يكن غزو العراق عام 2003 مجرد حرب استباقية خاطئة التقدير، بل مثّل لحظة كاشفة لانهيار منظومة الضبط الأخلاقي في النظام الدولي. فقد قاد ديك تشيني وبول وولفوفيتز عملية تضليل مركّبة استندت إلى تصنيع «إجماع زائف» حول وجود أسلحة دمار شامل، جرى تسويقه إعلامياً وسياسياً بوصفه حقيقة لا تقبل الشك. هذا السلوك لم يكن انحرافاً استخباراتياً، بل نموذجاً مكتمل الأركان لما يمكن تسميته «التحايل السيادي» على القانون الدولي، حيث جرى توظيف مجلس الأمن، وتهميشه في آن واحد، وتحويل الشرعية الدولية إلى أداة انتقائية تُستدعى حين تخدم القرار الأمريكي، وتُداس حين تعيقه.

وقد مثّل هذا الغزو سابقة خطيرة في تفريغ مبدأ سيادة الدول من محتواه، إذ أُعيد تعريف «التهديد» و«الدفاع عن النفس» وفق منطق القوة لا وفق قواعد القانون. وبهذا، لم يعد القانون الدولي إطاراً ناظماً للعلاقات بين الدول، بل أصبح خطاباً تبريرياً مرناً، يُعاد تأويله بما يخدم أجندات الهيمنة. إن أخطر ما في هذه السابقة أنها شرعنت الكذب السياسي بوصفه أداة مقبولة في إدارة النظام العالمي، وأرست ثقافة الإفلات من العقاب للقوى الكبرى.

أما على المستوى البنيوي الداخلي، فقد تجاوزت الجريمة حدود الغزو العسكري لتصل إلى تفكيك الدولة العراقية نفسها. إذ أقدم دونالد رامسفيلد، عبر سلطة الاحتلال، على حل الجيش ومؤسسات الأمن والإدارة، في قرار لا يمكن تفسيره بالخطأ أو سوء التقدير، بل باعتباره فعلاً مقصوداً لإحداث «انكسار تاريخي» في بنية الدولة. هذا التفكيك المنهجي حوّل العراق من دولة مركزية إلى ساحة مفتوحة للفوضى، وأسّس لاقتصاد عنف دائم غذّته الميليشيات والطائفية السياسية والتنظيمات الإرهابية.

وفي هذا الإطار، يتضح أن ما جرى في العراق كان تطبيقاً عملياً لنموذج «الفوضى المُدارة»، حيث يُستخدم الانهيار الشامل كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية. فبدلاً من احتلال تقليدي مكلف، جرى خلق واقع داخلي يمنع تعافي الدولة ذاتياً، ويجعلها بحاجة دائمة للتدخل الخارجي. هذا النموذج لا يهدف إلى بناء بديل ديمقراطي، بل إلى إنتاج هشاشة دائمة تضمن استحالة نشوء قوة إقليمية مستقلة، وهو ما ينسجم جوهرياً مع «عقيدة وولفويتز» التي ترى في أي توازن إقليمي تهديداً استراتيجياً يجب إحباطه مسبقاً.

وهكذا، لم يكن غزو العراق حدثاً معزولاً، بل شكّل لحظة تأسيسية لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية، حيث تلاشى الفاصل بين الحرب والقانون، وبين الحقيقة والدعاية، وبين الأمن والفوضى. ومن رحم هذه السابقة، وُلدت أنماط جديدة من التدخلات التي تستند إلى التضليل، وتُدار عبر الدولة العميقة العابرة للحدود، وتُسوَّق أخلاقياً تحت عناوين «نشر الديمقراطية» و«حماية المدنيين»، بينما جوهرها الفعلي هو إعادة إنتاج الهيمنة وتفكيك الدول من الداخل.

ثالثاً: سجون الاستثناء والتعذيب المؤسسي العابر للحدود

عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم تكتفِ الإدارة الأمريكية بإعادة تعريف مفهوم «العدو»، بل أعادت هندسة مفهوم العدالة ذاته. فقد جرى استحداث نظام قانوني موازٍ يقوم على منطق «الاستثناء الدائم»، حيث تم تعليق الضمانات الدستورية والاتفاقيات الدولية تحت ذريعة «الحرب على الإرهاب». وبتوقيع مباشر من دونالد رامسفيلد، شُرعنت تقنيات استجواب صُنّفت لاحقاً دولياً كتعذيب، في سابقة خطيرة جعلت الجريمة ممارسة رسمية لا انحرافاً فردياً. في هذا السياق، لم يكن معتقل غوانتانامو مجرد فضاء احتجاز، بل تجسيداً مادياً لانهيار فكرة سيادة القانون حين تتعارض مع منطق القوة.

أما «المواقع السوداء» التي أشرفت عليها شخصيات مثل جينا هاسبيل، فقد مثّلت الوجه الأكثر عتمة لهذه المنظومة، حيث جرى نقل التعذيب خارج المجال العام والقضاء والإعلام، وتحويله إلى ممارسة سرية عابرة للحدود. هذه السجون لم تكن استثناءً أمنياً مؤقتاً، بل جزءاً من بنية مؤسسية متكاملة صُممت لإنتاج الخوف، وكسر الإرادة، وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه، بعيداً عن أي مساءلة. إن الإشراف الميداني المباشر على هذه المواقع يكشف أن الأمر لم يكن تجاوزات معزولة، بل سياسة دولة مُمنهجة.

وتتجلى ذروة الانحطاط القانوني فيما عُرف بـ«التعذيب بالوكالة»، حيث جرى اختطاف الأفراد وتسليمهم إلى أنظمة قمعية لتقوم بالمهمة نيابة عن واشنطن. هذا النموذج سمح للإدارة الأمريكية بالتحايل على قوانينها الداخلية، مع الحفاظ على النتائج نفسها: الإخفاء القسري، والتعذيب، وتدمير الإنسان نفسياً وجسدياً. لقد شكّل هذا التواطؤ شبكة عالمية للجريمة السياسية، تشترك فيها أجهزة استخبارات وأنظمة استبدادية، تحت مظلة أمنية واحدة، تُدار من المركز وتُنفذ في الأطراف.

وفي هذا الإطار، يصبح الجسد المسلم ساحة مفتوحة للعقاب الاستثنائي، حيث يُنزَع عن المعتقل إنسانيته ويُختزل إلى «معلومة أمنية». إن إتلاف الأشرطة المصوّرة للتعذيب، كما حدث في ملفات الـ CIA، ليس مجرد محاولة لإخفاء أدلة، بل اعتراف ضمني بطبيعة الجريمة وحجمها. وهنا يتضح أن ما جرى لم يكن فقط انتهاكاً لحقوق الإنسان، بل تفكيكاً متعمداً لفكرة العدالة الكونية، واستبدالها بمنطق مفاده أن الأمن القومي الأمريكي يقف فوق القانون، وفوق الأخلاق، وفوق الإنسان.

وهكذا، تكتمل مع سجون الاستثناء الحلقة الثالثة في منظومة الجريمة السياسية المعاصرة: فمن وأد الديمقراطيات، إلى تفكيك الدول عبر الغزو والتضليل، وصولاً إلى إخضاع الأجساد بالتعذيب العابر للحدود. إنها استراتيجية شاملة لا تستهدف فقط السيطرة الجيوسياسية، بل إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر الخوف، وتطبيع العنف، وجعل الاستثناء قاعدة دائمة في النظام الدولي.

رابعاً: الانحياز الهيكلي وإدارة الصراع عبر تعطيل العدالة الدولية

لا يمكن فهم الحماية الدبلوماسية الأمريكية شبه المطلقة للانتهاكات الإسرائيلية إلا بوصفها شكلاً مركباً من «الجريمة السياسية بالتواطؤ»، جرى تأصيله مبكراً في مدرسة هنري كيسنجر الواقعية. فقد أعاد كيسنجر تعريف الاستقرار في الشرق الأوسط على أساس اختلال دائم في موازين القوة، يضمن تفوقاً إسرائيلياً نوعياً، ويُبقي العالم العربي في حالة انقسام وعجز استراتيجي. في هذا الإطار، لم يكن استخدام حق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن مجرد أداة إجرائية، بل سلاحاً سياسياً لتعطيل القانون الدولي، ومنح حصانة شبه مطلقة لدولة تمارس الاحتلال والاستيطان والعقاب الجماعي دون خوف من المساءلة.

وقد أدى هذا الانحياز البنيوي إلى تحويل الولايات المتحدة من «وسيط مفترض» إلى طرف مباشر في الصراع، لا عبر الدعم العسكري والمالي فقط، بل من خلال تفريغ منظومة العدالة الدولية من مضمونها. فكلما اقتربت آليات المحاسبة من توصيف الجرائم الإسرائيلية كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، جرى تعطيلها سياسياً، أو التشكيك في شرعيتها، أو اتهامها بالتحيز. وبهذا، أصبح القانون الدولي نفسه خاضعاً لميزان القوة، لا لميزان الحق، مما قوّض أسسه الأخلاقية وأفقده طابعه الكوني.

أما على مستوى إدارة الصراع، فقد تجلّت الجريمة السياسية في فرض مسارات تفاوضية شكلية، لا تهدف إلى إنهاء الاحتلال، بل إلى إدارته وإطالة أمده. فقد تحولت «عملية السلام» إلى غطاء دبلوماسي يسمح بتوسيع الاستيطان، وفرض الوقائع على الأرض، بينما يُطلب من الضحية الالتزام بضبط النفس والرهان على مفاوضات لا تمتلك أي أدوات إلزام. هذا النمط من التفاوض لم يكن فشلاً، بل نجاحاً وظيفياً لاستراتيجية تهدف إلى تجميد القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني أو أمني محدود.

وفي هذا السياق، يتقاطع الانحياز الأمريكي مع المحاور السابقة ليكشف عن وحدة المنهج: فكما جرى وأد الديمقراطيات حين لا تخدم المصالح، وغزو الدول عبر التضليل، وتعليق القانون باسم الأمن، جرى أيضاً تعطيل العدالة الدولية حين تتعلق الجرائم بحليف استراتيجي. إن الرسالة التي تُبَث إلى الشعوب الإسلامية والعربية واحدة وواضحة: العدالة ليست مبدأً عالمياً، بل أداة انتقائية، تُفعَّل ضد الضعفاء وتُعطَّل لحماية الأقوياء.

وهكذا، تصبح القضية الفلسطينية المثال الأكثر فجاجة على انهيار النظام الدولي القائم على القواعد، حيث يُستبدل الحق التاريخي بمنطق الأمر الواقع، وتُحوَّل المعاناة الإنسانية إلى أداة ضغط سياسي، ويُطلب من الضحية التكيّف مع الظلم بوصفه «واقعاً غير قابل للتغيير». إن هذا الانحياز الهيكلي لا يكرّس الاحتلال فحسب، بل يقوّض ما تبقى من ثقة الشعوب في مفهوم العدالة الدولية ذاته، ويفتح الباب أمام عالم تحكمه القوة العارية لا القانون.

خامساً: التكنولوجيا في خدمة القتل الاستباقي وحرب الدرونز الصامتة

يمثل توسيع استخدام الطائرات المسيّرة في تنفيذ الاغتيالات خارج ساحات القتال التقليدية نقلة نوعية في تاريخ الجريمة السياسية المعاصرة، حيث جرى دمج التفوق التكنولوجي بالقرار السيادي المطلق في القتل. تحت إشراف جون برينان، تحولت «قوائم القتل» إلى آلية مؤسسية تُدار خلف أبواب مغلقة، دون اتهام أو محاكمة أو إمكانية طعن قانوني. لم يعد القتل نتيجة اشتباك، بل قراراً بيروقراطياً يُتخذ استناداً إلى تقديرات استخباراتية سرية، تُنفذ بضغطة زر، في انتهاك صارخ لمبدأ سيادة الدول ولأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.

وقد أفضى هذا النموذج إلى تحويل أراضي دول مثل اليمن والصومال وباكستان إلى ساحات قتل مفتوحة، تُدار عن بُعد، حيث تُختزل حياة البشر إلى «نقاط حرارية» على شاشة. إن توصيف مقتل المدنيين بـ«الأضرار الجانبية» ليس مجرد لغة تقنية باردة، بل آلية نفسية وأخلاقية لتجريد الضحايا من إنسانيتهم، وتخفيف العبء الأخلاقي عن صانع القرار. وهكذا، يصبح الخطأ القاتل خللاً تقنياً، لا جريمة تستوجب المساءلة.

وتكمن خطورة هذا التحول في أنه لا يكتفي بإلغاء الضمانات القانونية، بل يعيد تعريف مفهوم الحرب ذاته. فحرب الدرونز لا تعترف بجبهات أو نهايات، ولا تميز بين زمن السلم وزمن الحرب، بل تُنتج حالة عنف دائمة ومنخفضة الكثافة، تُمارَس بصمت ودون تكلفة سياسية داخلية تُذكر. هذا النمط من القتل الاستباقي يخلق شعوراً دائماً بالتهديد داخل المجتمعات المستهدفة، ويُحوّل السماء نفسها إلى مصدر رعب، ما يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وانتشار الصدمات النفسية الجماعية.

وفي هذا السياق، يتضح أن التكنولوجيا لم تُستخدم لتقليل العنف، بل لإخفائه وتطبيعه. فكلما ابتعد القاتل جسدياً عن الضحية، تلاشى الإحساس بالمسؤولية، وتحول القتل إلى إجراء إداري. إن هذا «الاغتراب الأخلاقي» هو أخطر ما في حرب الدرونز، لأنه يفتح الباب أمام تعميم النموذج عالمياً، ويُرسي سابقة مفادها أن امتلاك التكنولوجيا يمنح حق الحياة والموت دون مساءلة.

وهكذا، تكتمل الحلقة الخامسة في منظومة الجريمة السياسية: فمن التضليل القانوني، إلى تفكيك الدول، إلى سجون الاستثناء، إلى تعطيل العدالة، وصولاً إلى القتل الخوارزمي الصامت. إنها مرحلة تُمارَس فيها الهيمنة بأدوات نظيفة ظاهرياً، لكنها أكثر فتكاً في جوهرها، حيث يُقتل الإنسان مرتين: مرة جسدياً، ومرة حين يُمحى من الحساب الأخلاقي للعالم.

سادساً: مستقبل الجريمة السياسية في ظل التحولات الدولية الراهنة

بالنظر إلى التحولات الجارية في بنية النظام الدولي، يتضح أن الجريمة السياسية الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي لا تتجه نحو الانحسار، بل نحو إعادة التموضع والتكيّف. فمع تراجع كلفة وشرعية التدخلات العسكرية المباشرة، انتقلت واشنطن إلى نمط أكثر تعقيداً وأقل ضجيجاً من الهيمنة، يمكن تسميته بـ«الجريمة السياسية الرقمية–الاقتصادية». في هذا النموذج، تُستخدم العقوبات الشاملة، والتحكم في سلاسل الإمداد، والهيمنة على المنصات الرقمية والفضاء السيبراني، كأدوات خنق جماعي تُمارَس تحت غطاء قانوني زائف، لكنها تؤدي عملياً إلى تدمير الاقتصادات، وتجويع الشعوب، وشلّ قدرات الدول على التنمية المستقلة.

ويمثل هذا الشكل من الحصار المعاصر انتقالاً من القتل المباشر إلى القتل البطيء، حيث لا تسقط القنابل، لكن تُستنزف المجتمعات عبر التضخم، وانهيار العملات، وحرمانها من التكنولوجيا والمعرفة والأسواق. الأخطر في هذا النمط أنه يموّه الجريمة ويجعلها أقل وضوحاً في الوعي العالمي، إذ تُقدَّم العقوبات بوصفها «وسيلة ضغط دبلوماسية»، لا كسلاح جماعي يعاقب المدنيين أولاً. وهكذا، تتجدد الجريمة السياسية بلغة جديدة، أكثر قبولاً في الخطاب الدولي، وأشد فتكاً في الواقع الاجتماعي.

ومع صعود قوى دولية منافسة كالصين وروسيا، بدأت قدرة واشنطن على فرض إرادتها المنفردة تتآكل، ما حدّ جزئياً من قدرتها على ارتكاب «الجرائم السياسية المطلقة» دون تكلفة. غير أن هذا التآكل لا يعني بالضرورة تراجع النزعة العدوانية، بل قد يدفع نحو مزيد من الراديكالية في استخدام أدوات أقل مباشرة: الحروب بالوكالة، تأجيج النزاعات الداخلية، الاستثمار في الانقسامات الهوياتية، وتوظيف المنظمات غير الحكومية والإعلام الرقمي لإعادة هندسة الوعي العام وتفكيك المجتمعات من الداخل.

وفي هذا السياق، يصبح مستقبل المنطقة معلقاً على معركة مزدوجة: معركة وعي ومعركة بنية. فغياب مشروع عربي–إسلامي موحّد للسيادة المعرفية والاقتصادية يجعل الدول عرضة لإعادة الاستهداف بأدوات جديدة، حتى في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب. إن تعدد مراكز القوة لا يضمن تلقائياً العدالة، ما لم يُقابَل بقدرة ذاتية على توظيف هذا التعدد لصالح الاستقلال، لا التحول إلى ساحات تنافس بين القوى الكبرى.

وعليه، فإن كسر دورة الجريمة السياسية لا يمر فقط عبر إدانة الماضي، بل عبر بناء جبهة سياسية وقانونية ومعرفية قادرة على توثيق الجرائم، وملاحقتها، وتفكيك خطابها الأخلاقي الزائف، بالتوازي مع إعادة تأسيس الدولة الوطنية على أسس السيادة والحوكمة والكرامة الإنسانية. وإلا، فإن التاريخ لن يعيد نفسه حرفياً، بل سيعيد إنتاج الجريمة بأسماء جديدة، وواجهات أكثر حداثة، وتقنيات أقل مرئية، لكن بآثار أشد عمقاً واستدامة.

الخلاصة: إرث الصدمة وفقدان الثقة في الخطاب الليبرالي العالمي

ختاماً، إن تراكم الجرائم السياسية التي ارتبطت بأسماء مثل هنري كيسنجر، وديك تشيني، ودونالد رامسفيلد، وجون برينان، لم يُنتج فقط مآسي إنسانية وجيوسياسية، بل أسس لما يمكن وصفه بـ«إرث الصدمة التاريخية» في الوعي العربي والإسلامي. هذا الإرث لم ينشأ من حدث واحد، بل من نمط متكرر من الخداع، والعنف، وانتهاك السيادة، واستخدام القانون والأخلاق بوصفهما أدوات انتقائية. ونتيجة لذلك، لم تعد المنظومة الليبرالية الغربية تُقرأ بوصفها مشروعاً قيمياً كونياً، بل باعتبارها خطاب قوة يُعاد توظيفه بحسب المصلحة.

لقد كشفت هذه التجربة الطويلة أن حقوق الإنسان، كما تُمارَس لا كما تُعلَن، ليست مبادئ ثابتة، بل أوراق ضغط سياسية. تُرفع شعاراتها حين تخدم إعادة هندسة الأنظمة والمجتمعات، وتُسحَب فور تعارضها مع المصالح الاستراتيجية. هذا التناقض البنيوي هو ما حوّل القيم الليبرالية من مصدر إلهام أخلاقي إلى أداة بروباغندا، وأسهم في ترسيخ شعور عميق بالاغتراب وفقدان الثقة لدى شعوب عايشت القتل، والحصار، والتعذيب، والفوضى باسم تلك القيم ذاتها.

وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال الأزمة في «سوء تطبيق» أو «أخطاء سياسات»، بل يجب فهمها بوصفها أزمة مصداقية حضارية. فحين يُقتل المدني بطائرة مسيّرة، ويُعذَّب المعتقل في سجن سري، ويُحاصر شعب بأكمله اقتصادياً، ثم يُطلب من الضحية الإيمان بالخطاب الحقوقي نفسه، فإن النتيجة الحتمية هي انهيار الثقة لا في السياسات فقط، بل في اللغة الأخلاقية التي تبررها. وهكذا، تتشكل ذاكرة جمعية ترى في الخطاب الليبرالي واجهة ناعمة لهيمنة صلبة.

إن غياب المحاسبة التاريخية والقانونية عن هذه الجرائم لم يؤدِّ إلى طيّ الصفحة، بل إلى تعميق الجرح. فالإفلات من العقاب لا يُنتج استقراراً، بل يؤسس لدورات متجددة من العنف وعدم الثقة. ومن دون اعتراف صريح، ومساءلة فعلية، وإعادة نظر جذرية في بنية العلاقات الدولية، ستظل العلاقة بين الغرب والعالم العربي والإسلامي محكومة بتاريخ غير مُعالَج، تُستَحضَر فيه الذاكرة كلما رُفعت شعارات القيم المشتركة.

وعليه، فإن تجاوز هذا الإرث لا يمر عبر المصالح المؤقتة أو الخطابات التجميلية، بل عبر تفكيك منظومة الجريمة السياسية نفسها، وبناء نظام دولي أكثر اتساقاً بين القول والفعل. أما في غياب ذلك، فسيظل الصراع محكوماً بذاكرة الدم والظلم، وستبقى القيم الليبرالية، في نظر الشعوب المتضررة، خطاباً فاقداً للأهلية الأخلاقية، مهما بلغت بلاغته أو ادعى عالميته.

شارك هذا الموضوع

عبد الواحد غيات

باحث في العلاقات الدولية والجيوسياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!