جبل الشعر المغربي العائم.. شواعر بأصابع محترقة للحبيب الدايم ربي
عزالدين الماعزي
بعنوان مثير جسّد الناقد والروائي المغربي، العالمي في كتابه حول إصدارات دواوين شعرية بصيغة المؤنث، اختار له عنوانا مثيرا : “جبل الشعر المغربي العائم، شواعر بأصابع محترقة”،عن سلسلة حلقة الفكر المغربي، يوليوز 2022.
هذا العمل النقدي، يدخل في خانة قراءة الشعر المغربي المعاصر وينفتح على أسئلة عامة وخاصة حول الذات والعالم، عبر لغة أدبية عالمة وبين أسلوب النقد الأدبي، وانشغاله بالتأمل في المشهد الثقافي والأمر ليس سوى جزء من كتلة الجبل الجليدي العائم معتبرا أن أسئلة الشعراء أهم من أسئلة النقاد. ويضيف المؤلف الدكتور الحبيب الدائم ربي ” إن من هذا الهاجس أتت هذه المساهمة المتواضعة، وهي عبارة عن تقديمات وتظهيرات متصلة أو منفصلة لبعض الإصدارات الشعرية النسائية التي حظيت بشرف قراءتها قبل النشر أو بعده، فحاولتُ من خلالها تسليط الضوء على تنوع تجاربها وبسطها للقارئ بنوع من اليسر..”( ص6 و7 و8).
وبما أن الفن ضرورة حسب رأي فيشر بل هو “أم الضرورات” فالشعر منقذ من الضلال، “سنعتبرهم جميعا وتحت خيمة الشعر إخوة دونما إقصاء” (ص10)، لذلك ينبغي الإنصات إلى بوحهم.. ويحدد أن “الشاعر مجرد حالة وليس شخصا مقدودا من نثر خالص، والناثر، من جهته، لم يكن ناثرا في المطلق ولن يكون..” وبذلك لن يستغني عن الخيال المجنح، ويتساءل إن كان الناثر أيضا يحتاج إلى قدر من الخيال ؟
فالشاعر حسب الناقد الحبيب الدايم ربي، في أمس الحاجة إلى دهشة طفل، ورهافة فراشة.. فالشاعر قنّاص التماعات، والناثر لا يمكن أن يستغني عن التفاصيل..
فليس عيبا أن يذوذ الشاعر بلسانه عن الحدود وتساءل : أين يقف شعراؤنا المغاربة راهنا ؟ وما قيمة بضاعتهم في سوق الكلام ؟ بالرغم أنهم “ما يزالون فقراء بمعايير الربح والخسارة فهم كانوا مغامرين”، متفائلا بمستقبل شعري على رأسه أسماء مغربية وأن خيمة الشعر ما تزال رغم المحن صامدة.
“في الحاجة إلى الشعراء والشواعر” أدرج حكاية جمعته بشاعر مغربي معروف مقترحا عليه من أجل تصريف الكتاب، أن يوزع ديوانه مجانا بدراهم قليلة للتحفيز، والتشجيع على القراءة. وأعطى نموذجا بالطريقة التي اعتمدها الشاعر الروسي يفتشينكو في مسرحة قصائده لجلب الفرجة والسهرة وأكد أن الكثير من الشعراء لا يقرأون الشعر ولا يحضرون ملتقياته.
” في نقد الحاجة إلى الشعر” يبرز مقولة درويش أنقذونا من هذا الشعر 1982 وأنه استنكار قاس ودال وصاحبه معروف ومشهور ومهتم بمطبخ الشعر.
في ورطة الشعر، يظهر الناقد الحبيب الدايم ربي كصوت نقدي برؤية عميقة حيث يقول ” إن هذه الورطة أشبه باللعب الطائش..” وبهمة العالم الوازن يضيف ” إننا لا نملك”عيارا” دقيقا نحتكم إليه في جرد الخصائص النوعية للشعر ويخلص إلى ” أي بين القول الوظيفي العادي وبين الفن الجميل الذي أساء إليه بعض قارضيه والمندسين إلى حياضه، حين ركبوه ملاطا ظنا منهم أنه أقصر من قامتهم..”(ص23).
رؤيته تنبني على قلق معرفي وبحث جمالي، لا يكتفي بالتعبير بل يتحول إلى أفق للتفكير والمساءلة حين يقول : فلغة الشعر من المفترض أن تكون منزهة عن الخطل اللغوي مهما ضؤل شأنه. وهفوة صغيرة كفيلة بتدمير كون شعري قد يشيده أحدهم تعوزه المهارات اللغوية المطلوبة.”(ص26).
والواقع أن جنة الشعر لا تعرف محرمات لمن التزم حدود اللغة وهو يقطع صراط العبور إلى اعتابها بانضباط وتفان. إنه يستحضر أقوال وشواهد الكبار، يقشرها ويفككها، ويواصل استكشاف أعماق المعاني ومناطق التوتر، مستحضرا ثقافته الموسوعية. ونستخلص قوله ” لا مراء في أن حجر سنمار في قصور الشعر (بمعني الايوان والتقصير معا) الحالية هو اللغة. وحين ينجح المنتمون إلى الشعر في حل معضلة اللغة سيكونون قد حصنوا قصائدهم من الانهيار.” (ص27).
بتقييمه ورؤيته يُشبّه الشعر في بعض أسراره بعلم البيولوجيا وعلم الهندسة الوراثية فاللغة كائن حيّ والشاعر بروميتوس يسرق (نار القريض)..
الشعر جماليا بوح، وتأمل طويل وشاق، تطهير للذات ورؤية للوجود وسؤال العالم والمجتمع والحياة. فالشعر الحقيقي لا تخطئه أذن، والأذن تعشق قبل العين.. (ص47).
إلى أن يطرح سؤالا مفتوحا على الدهشة :
هل يحتاج الشعر إلى تقديم نثري ؟ أو، هل الوعي النظري يخلق الشعر؟ (ص 57).
يأتي الشعر إذن، طريا طازجا. منسابا يأتي، سلسا يتوالد، من غير تكلف ولا معاضلة. ليفيض، في البدء والمنتهى، صدقا وحرارة…(ص61).
وبنفس شعري شاعري نلج العتبة الثانية التي سماها ب( شواعر على عتبات الوجود) ليتناول بالقراءة والتمحيص والمتابعة خطوات دواوين تاء التأنيث ويناقشها في المبنى والمعنى والسؤال بنفس منفتح أمام تعدد الأصوات والتجارب ويمنح الدواوين أفقا تأويليا رحبا وشهية القراءة والمتابعة..
أما العتبة الثالثة فيخصصها لدواوين العامية (الزجل أو الشعر بصيغة أخرى)…
لا يكاد يخلو الكتاب من بعدٍ جمالي نقدي واضح، حيث يعيد الناقد مناقشة ومساءلة قضايا ورؤى، بوصفها قلقا وجوديا، وعبورا مستفزا للقارئ، يتحول أثرا من آثار نصوص أخرى حاضرة وغائبة.
“جبل الشعر المغربي العائم، شواعر بأصابع محترقة “للحبيب الدايم ربي كتابٌ يستحق القراءة، لعمقه وثرائه ومتابعته للمشهد الشعري ببلادنا، وهي متابعة ناقد رزين يشهد له الكل بكفاءته وتعدد قراءاته وجرأته في الطرح بعين النسر التي لا تنام.
