استعصاء الكان النسائي.. التكتيك وحده لا يكفي!

استعصاء الكان النسائي.. التكتيك وحده لا يكفي!

عبد الرحيم التوراني

      لم يعد أحد يشكك في الأهلية التكتيكية والفكر الكروي الرفيع الذي بات يطبع أداء المنتخب المغربي للسيدات. على رقعة الميدان تمتلك لبؤات الأطلس كل عناصر الرقي الكروي، غير أن الوصول إلى القمة الإفريقية واعتلاء العرش القاري يثبتان في كل مرة أن التكتيك وحده ، على أهميته، ليس العصا السحرية لفك عقدة النهائي.

لست أتطاول على مجال النقد الرياضي، فأنا أحب كرة القدم وأتابع مبارياتها الجميلة بين الفرق التي تجيد اللعبة بفن ورقي، حتى أني أرى فيها أحيانا تواريخ وجماليات وشعرا وفنونا لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، والعين المجردة هنا تخص من لا يفقهون في الكرة وبالتالي يكرهونها

حبي لها آت من كوني لعبتها ومارستها، بدءا من الأزقة والمساحات الفارغة القريبة من حينا، قبل أن تغطيها العمارات والإسمنـت، وصولا إلى الفرق المنظمة… ولي فريقي الذي أشجعه منذ وعيت الدنيا وعرفت أنها توزع محبي الكرة بين أندية محلية وأخرى عالمية، فأنا ودادي أصيل ومحب برشلوني قديم.

ومن المنتخبات العالمية، كنت أحب ألمانيا الغربية أيام عميدها القيصر فرانتس بيكنباور والثعلب غيرد مولر وحارسها العملاق سيب ماير

وطبعا أحب المنتخب الوطني المغربي منذ تشكيلة لاعبي مونديال مكسيكو 1970 علال وباموس والمعروفي وحمان، وغاندي وبوجمعة

***

ثم جاء عهد الكرة النسائية…

من يتذكر “سكيتش” الثنائي مصطفى الداسوكين وأحمد السنوسي .. قبل أن يشكل الأول ثنائيا ساخرا مع مصطفى الزعري، ويشكل السنوسي ثنائيا كوميديا مع الممثل المسرحي حسين بنياز باسم “بزيز وباز”؟

لا زلت أحتفظ بأسطوانة (45 لفة) بغلافها، قبل ظهور الكاسيت، أسطوانة للداسوكين والسنوسي يقومان فيها بمحاكاة ساخرة للتعليق الإذاعي الرياضي المباشر لمباراة كرة قدم نسائية، وهو ما كان أمرا غير مألوف إطلاقا في ذلك الوقت.. كان هذا السكيتش أيامها يبعث على الضحك، ولم يكن يعلم هذا الثنائي الكوميدي ولا مستمعو أسطوانتهما أن النساء “قادمون” (ولا يوجد هنا خطأ)، وسيلعبن كرة القدم ويحترفنها، وتصبح لهن بطولات محلية وقارية، بل ومونديال نسائي خاص، لتتزين الملاعب أيضا بالجمهور المتابع لكرة القدم الخاصة بالسيدات.

اليوم صار الجمهور يحفظ أسماء لاعبات المنتخب المغربي للسيدات، ولا يبخل عليهن بالتشجيع.

***

استقبل المغرب للمرة الثالثة كأس أمم إفريقيا للسيدات، في المرتين السابقتين (2022 و2024) وصلن إلى المباراة النهائية وضاعت الكأس من بين أيديهن. ثم هذه السنة 2026، وبعد أن أكثر الإعلام الرياضي لدينا من ترديد أن الكأس لن تغادر هذه المرة وأن “الثالثة ثابتة”… إذا بمنتخبنا يغادر من النصف وليس من مباراة النهاية، وإذا بالثابتة هي الهزيمة المدوية…

***

“وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ” (قرآن)…

هكذا قدمت العزاء لنفسي، ثم رددت عبارة المذيع الجزائري الشهير حفيظ الدراجي لما صاح من خلف الميكروفون بعد إقصاء منتخب بلاده من كأس إفريقيا الأخيرة، مرددا بغضب عبارته المشهورة: “عودوا إلى الجزائر.. عودوا لا نريد شيئا”…

لكن اللاعبات المغربيات هن في بلادهن المغرب، فإلى أين يمكن الطلب منهن العودة؟!

يقول لي أحد كارهي الكرة، وكارهي النساء: “ليعدن إلى كوزينتهن (مطبخهن)”…

لن نقولها أبدا لأننا مع المرأة وتقدمها… لكن خسارتهن في نصف النهائي أمام نساء الكاميرون أغضبتني، واعتبرتها غصة وشمتة لأنهن كن الأفضل، لكن الكرة غدارة.

***

لا يجب أن ننسى أن الكرة مؤنثة.. والمباراة، والصافرة، وركلة الجزاء، وغيرها من اصطلاحات كرة القدم.

بل ولِمَ لا؟.. أتساءل بيني وبين نفسي وأنا أطلق العنان لمخيلتي الرياضية: ألن نرى في مستقبل الكرة أندية ومنتخبات يشكل قوامها مزيج متناغم من اللاعبين واللاعبات؟

فكرة قد تبدو للشوفينيين وكارهي الكرة النسائية مجرد شطحة خيال، لكنها في واقع الأمر تملك كل مقومات التحقق.

إن كرة القدم الحديثة لم تعد مجرد صراع أجساد أو ناطحات سحاب في خط الدفاع، بل أضحت شطرنجا حيا يلعب بالأقدام، تعتمد على ذكاء التموقع وسرعة البديهة ورسم الخطوط في المساحات الضيقة بفرشاة الفنان. وفي هذا المجال التكتيكي تحديدا، لا تملك أجساد الرجال أي أفضيلية احتكارية على العقل والرقي الكروي الذي تمتلكه النساء.

لقد رأينا الرياضات الأولمبية تتجاوز هذا التردد بنجاح، فأفسحت المجال للمنافسات المختلطة في التنس وسباقات التتابع وألعاب القوى، كما نرى أطفال الأكاديميات اليوم يلعبون جنبا إلى جنب في الصغر دون تمييز… فإذا كانت الكرة ذاتها مؤنثة، والرقعة الخضراء تتسع للجميع، فما الذي يمنع أن نرى غدا تناغما كرويا يثبت أن السحر والفنون لا جنس لهما؟

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!