أحداث سبتة.. “سردية” جزائرية!
حـسـن زهـيـر
من المعلوم أن الهجرة ظاهرة بشرية بالغة التعقيد. فهي ليست مجرد قرار فردي معزول، بل نتاج للتفاعل المستمر والعميق بين “ضغط الداخل” و”جاذبية الخارج”. وقد يحصُل ذلك في أيّ مكان من العالم، وخاصة في منطقتنا المغاربية بوصفها مصدراً للهجرة ومنطقة عبور في آن واحد. ولهذا فهي ككل الظواهر الاجتماعية الكبرى لا يمكن اختزالها في متغيّر واحد أو اثنين. وبالتالي فكل كلام عن الأسباب المباشرة لحدث معقد، كما وقع في “أحداث سبتة” مثلاً، أمر بعيد عن الصواب والفهم السليم.
مناسبة هذا الكلام هو المقارنة بين طريقة تعاطي الإعلام الإسباني المهني، وليس المغرض طبعاً، مع أحداث سبتة، مستعيناً في ذلك بالأرقام والمعطيات السوسيولوجية، وبين التعاطي مع نفس الموضوع في الجزائر “الجريحة” إعلامياً. هل يعني هذا أن الجزائريين عاجزين ويفتقرون إلى التحليل الموضوعي والعلمي الدقيق للظواهر المعقدة، كظاهرة الهجرة مثلاً؟
لا يبدو أن الأمر كذلك، فقد سبق لدراسات جزائرية أن عالجت هذا الموضوع مُحدّدة الأسباب الموضوعية التي تدفع الشباب الجزائري إلى الهجرة، مستعينة في ذلك بمناهج علمية بحثة، ومركزةً، في تحاليلها، على تداخل عوامل متعددة من قبيل: البطالة، الفقر، تدني الأجور، انسداد الآفاق، الشرط السياسي والحقوقي، جدلية “الداخل” و”الخارج” إلخ. وكيف أن هذه العوامل تؤثر مجتمعة على نفسية الشباب الجزائري وتدفعه إلى المغامرة بحياته، وقد خلُصت تلك الدراسات إلى أن ظاهرة الهجرة، عموماً، تتسم بالتعقيد وترتبط بعوامل سوسيولوجية، سيكولوجية، اقتصادية، حقوقية، سياسية، إعلامية، إلخ.
إذن فالجزائريون قادرون على إنتاج دراسات موضوعية مستوعبة لإشكالية الهجرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بوصفها من أقدم وأبرز الظواهر التي عرفتها المنطقة، لكن ما الذي يدفع الإعلام الجزائري، في مقاربته لأحداث سبتة، إلى إهمال هذا النوع من التحاليل؟ ولماذا يستسلم إلى نوع من الإسهال الانشائي الذي يسعى إلى ترويج سردية مبتذلة وسطحية؟ ألا يطرح هذا الأمر أكثر من علامات استفهام؟ وفي هذا السياق يصِح لنا القول مع المفكر المغربي عبد الله العروي عندما كتب ذات مَرّة: “إنّ الجزائريين لديهم مشكلة مع المصداقية، وما عليك إلا أن تقرأ صحافتهم لتقتنع بسهولة”.
لكي لا يبدو كلامنا مجرّد تجنّي مجاني على التغطية الإعلامية الجزائرية، يكفي أن نتوقف، قليلاً، عند الطريقة التي تناول بها إعلام الجارة الشرقية “أحداث سبتة”، لنستخلص بعض الخطوط العريضة التي روّجت لسردية سطحية وغاية في الابتذال:
– أولاً، لاحظنا محاولات إعلامية جزائرية لتحويل أزمة هجرة، قد تحدُث بين الفينة والأخرى، من ملف اجتماعي واقتصادي وأمني مُعقّد إلى استغلال فج للعواطف المصاحبة، عادة، للمشاهد المأساوية للهجرة الجماعية، وتصوير ذلك كمادة لمحاكمة الدولة المغربية ومؤسساتها، في محاولة للضغط السياسي والحقوقي على المغرب.
– ثانياً، تمّ رصد محاولات منصات رقمية جزائرية تسييس مقاطع فيديو لمهاجرين قاصرين، وتوظيف ذلك في سياق سياسي عام من أجل خلق سردية تقوم على تقديم صورة عن المغرب بوصفه بلداً هشاً ووشيك الانهيار، ويعيش حالة من الاضطراب الداخلي الحاد.
– ثالثاً، الانتقال من التركيز على تشويه صورة المغرب في الخارج إلى محاولة التأثير على الوضع الداخلي، من خلال الترويج لنداءات بالتظاهر وتحديد تواريخ معينة لها، وذلك بهدف تحويل الاحتقان والغضب اللحظي إلى تحرك سياسي احتجاجي مجهول المصادر والخلفيات والأهداف.
– رابعاً، تركيز كتابات صحافية جزائرية متعدّدة على مصطلح “النزعة التوسعية” للمغرب، فالصحافة الجزائرية لا تمَل من تفويت أي فرصة لإثارة قضية الصحراء، دون أي سياق يذكر، إذ حاولت الربط بين ملف سبتة ومليلية المحتلتين وبين ملف الصحراء المغربية المسترجعة، وذلك ضمن سردية واحدة، بهدف وضع قصيتنا الوطنية كعنوان أساس في أي تغطية إعلامية دولية عن المغرب وحول ما تسميه ب “نزوعه التوسعي”…
