رحيل عمر الجابري.. ومرثية جيل

رحيل عمر الجابري.. ومرثية جيل

عبد الرحيم التوراني

            تُرى ما الذي يحدث هذه الأيام؟ أخبار النعي لا تكاد تتوقف، غدونا نصحو على فاجعة ولا ننام إلا على رحيل. أعزاء وأصدقاء يغادروننا تباعا، ينسحبون في صمت ويتركون في الوجدان فراغا لا يمتلئ…

 تمثلني في هذه اللحظات تلك العبارة الشجية، التي لا تسعفني الذاكرة الآن بهوية قائلها:آهٍ صرتُ غرابا.. كُلَّ يوم أفقدُ رفاقا وأصحابا”…

 رحماك يا رب، فالموت بات يحاصرنا من كل الجهات.

***

في الصباح الباكر، تسللت إلى هاتفي رسالة نعي على أطراف أصابعها، وكأنها لفرط قسوتها تخشى أن توقظني من نومي مفزوعا… نعيٌ جديد.. كان محزنا وإن لم يكن مفاجئا.. فقد سبق أن أخبرني الصديق محمد برادة بمرض الأخ عمر الجابري، وبأنه زاره في المصحة التي يرقد فيها، مؤكدا أن حالته باتت ميؤوسا منها بلغة الطب الإنساني العاجز.

حين سألت عن موعد الجنازة ومكان الدفن، قيل لي إن اتصالات مكثفة تجري لتأمين قبر له في مقبرة الشهداء.. لقد امتلأت المقبرة التاريخية بالراحلين ولم تعد تتحمل مزيدا من الأجساد، ويبدو أنها في طريقها إلى الإغلاق النهائي.

 لاحقا وصلتني رسالة واتساب تحدد الموعد: اليوم الأربعاء 1 يوليوز، بعد صلاة الظهر، في مقبرة الشهداء… على مقربة من قبر أخيه المفكر الراحل الدكتور محمد عابد الجابري.

***

عرفتُ عمر الجابري في أواخر السبعينيات شابا طموحا قادما من وجدة، ليلتحق بالعمل في مؤسسة دار النشر المغربية بالدار البيضاء.

في تلك الحقبة، وتحديدا خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لم تكن هذه الدار مجرد منشأة تجارية، بل كانت ركيزة أساسية في تاريخ الثقافة والطباعة بالمغرب، وشاهدا حيا على معارك حرية التعبير.. مثلت صفحة من التاريخ الثوري والمطبعي.

جاء تأسيس الدار من طرف حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، على خلفية الأزمة والخلاف الحاد الذي عصف بعلاقة الحزب مع نقابة الاتحاد المغربي للشغل بقيادة المحجوب بن الصديق، الذي رفع يومها شعار “سياسة الخبز”، إثر التداعيات المرتبطة بما عُرف بـ “مؤامرة 16 يوليوز 1963“…

 في ذلك الوقت كانت المركزية النقابية تسيطر على مطبعة “أمبريجيما” وهي مطبعة مُهداة من الحزب الشيوعي الفرنسي ونقابته CGT، وكانت تتولى سحب جريدة “التحرير.

وأمام هذا المعطى الجديد تولى رجالات الحزب الأوفياء قيادة معركة الكلمة البديلة، حيث تشكل أول مجلس إداري لدار النشر المغربية من قامات نضالية فذة تركت بصمتها في تاريخ المغرب الحديث، نذكر هنا أبرزهم: عبد الرحيم بوعبيد، وحسن صفي الدين الأعرج، والبشير الفكيكي، ومحمد الحبيب الفرقاني، ومحمد منصور.

لعبت دار النشر المغربية دورا محوريا في صياغة الهوية الأدبية والفكرية للمغرب، فاحتضنت وطبعت ونشرت الأعمال الرائدة لأبرز الأدباء والمفكرين، وارتبطت وثوقا بالحركة الوطنية والصحافة الحزبية التقدمية في أحلك فترات سنوات الرصاص.

وعبر عقود تعاقب على إدارتها رجال مخلصون، نذكر منهم: مصطفى أعمار، وعبد الغفار العاقل، وإسماعيل المومني، وفؤاد لمدور، وسعيد البوري، وعزيز المرنيسي، وصولا إلى عمر الجابري الذي ودعناه اليوم.

***

التحق الراحل بالدار شابا في عشرينيات عمره، وتدرج في جميع أقسام المطبعة متعلما وخبيرا، إلى أن تولى الإدارة التقنية، ثم أصبح مديرا عاما للمؤسسة… حتى إن حياته كلها ارتبطت بدار النشر المغربية، بل صارت جزءا من جسده وروحه، لا يفارقها حتى وهو يدخل بيته للاستراحة ولقاء أسرته وللنوم.

عُرف بعطائه اللامحدود وجلده وصبره العجيبين. كان حازما في عمله، لكن حزمه لم يفلح يوما في حجب طيبوبته الأصيلة ومعدنه النبيل المتحدر من واحات فكيك بالشرق المغربي.. تلك الطيبوبة التي كانت تتكشف رغما عنه في تعامله الإنساني مع العاملين معه.

في العقود الأخيرة داهمت دار النشر تراجعات مالية مريعة أضرت بسيرها، مما اضطر حزب الاتحاد الاشتراكي إلى تفويتها. وآلت المؤسسة إلى شركة كان عمر الجابري أحد المساهمين فيها، وعُيّن رئيسا مديرا عاما لها.

بذل الراحل قصارى جهده لإعادة المطبعة إلى سكة النجاح، ومحاولة إنقاذها من الإفلاس لسنوات طويلة بغية استعادة موقعها بين كبريات دور النشر بالمغرب. لكن وبدلا من أن يتوج طموحه بالنجاح، زاغت به السكة.. فكان ضحيةً للضغط والإنهاك، لتتكالب عليه أمراض الشرايين والضغط، قبل أن يطوي صفحة حياته ذلك الداء الخبيث (السرطان).

***

مشهدا الدفن والوداع كانا يحملان غصة إضافية، فقد حضر مراسم الجنازة بعض الأصدقاء الأوفياء، في حين غاب أولئك الذين يتولون قيادة الحزب حاليا.

ولعل أبلغ تعبير عن هذا المشهد الحزين والمفارق، هو ما علّق به أحد الحاضرين بمرارة قائلا:

لقد مات الحزب قبل غياب عمر الجابري، وقبل إفلاس دار النشر المغربية.. فلا تنتظروا معجزة لإحياء ميت.

رحم الله عمر الجابري، وعوض المغرب في مناراته الثقافية خيرا؟     

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!