ربع قرن على رحيل محمد زفزاف: المتسكع الفلسفي الذي خط القصة بدم الفقراء

ربع قرن على رحيل محمد زفزاف: المتسكع الفلسفي الذي خط القصة بدم الفقراء

عبد الرحيم التوراني

        في ذكرى رحيل الكاتب المغربي الكبير محمد زفزاف، لا نبكي غيابا بقدر ما نستحضر حضورا كاريزميا استثنائيا. في هذا النص يمتزج البعد الوجداني الصادق بالشهادة الحية، ليرسم ملامح مبدع زاوج بعبقرية نادرة بين صرامة الالتزام الإنساني والانحياز المطلق لفقراء الهامش. إنها رحلة في جغرافية حي المعاريف، ونبش في أرشيف العلاقات الإنسانية الفريدة التي جمعته بأقطاب الأدب والفن، وإعادة قراءة لمعاركه ضد قوى المحافظة، ليتأكد لنا بعد ربع قرن أن زفزاف لم يكن مجرد كاتب، بل كان ظاهرة وجودية لن تتكرر.

     غدا.. الاثنين 13 يوليوز 2026، تمر خمس وعشرين سنة على رحيل الكاتب محمد زفزاف… من سيتذكر ويقوم بزيارة للحده بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، حاملا إليه أخبار الأصدقاء.. يخبره بالتحاق رفيقي دربه محمد شكري وإدريس الخوري بأهل المقابر، وكيف دُفن الأول في طنجة التي أحبها والتحم بها، بينما دُفن الثاني بعيدا عن مدينته الدار البيضاء، ليغفو في مقبرة قديمة بسلا مجاورا الفنان الشعبي حسين السلاوي… من سيملح هذه الأخبار بنميمة محلاة علها تستدرج تلك البسمة والضحكة التي لطالما ملأت محياه.

أعلم أنه سيسأل: ما أخبار القصة؟.. ولما تكون الإجابة: لا زالت تدفأ تحت معطفك. سيرد بنبرته المعهودة أنه يقصد القصة الأخرى، قصة العرب الغريبة، سيقولون له: ما زالت كما تركتها يا محمد، تُكتب بدم الفقراء الذين أحببتهم وكنت منهم. حينها سيبتسم ويعود لنومته مطمئنا على الكتابة وعلى قصتنا الغريبة.

وهم البوهيمية وصرامة الالتزام

لم يكن محمد زفزاف كاتبا بوهيميا بالمعنى الشائع والسطحي للكلمة، ذلك المعنى الذي يربط الإبداع بالفوضى والعبقرية بالانفلات من عقال الالتزام. إن محاولة حصر هذه القامة السامقة في قفص البوهيمية لمجرد أن عوالمه السردية انحازت لتصوير حياة الهيبيين والصعاليك، هي قراءة قاصرة تخطئ عمق تجربته.

لقد خط زفزاف عوالمه بكثير من الدقة والوعي. ورغم أنه التقط بعبقرية نادرة تفاصيل الهامش البوهيمي في جنوب أوروبا كما في روايته “المرأة والوردة”، أو تتبع خيوط تلك الحياة المنفلتة في الصويرة عبر روايته “الثعلب الذي يظهر ويختفي”، إلا أن الكاتب في حياته الواقعية كان نقيض هذا التحلل، كان كتلة من الوقار والتوازن، والالتزام الذاتي الصارم.

كيف لكاتب يوصف بالبوهيمية أن يكون ذلك الموظف المواظب في وزارة التربية الوطنية، الذي يطل يوميا على تلامذته في ثانويات الدار البيضاء، ملقنا إياهم أسرار اللغة العربية بمسؤولية المربي ووقار العالم؟

لقد كان زفزاف حريصا أشد الحرص على هندامه، ممتلكا وعيا حادا بأهمية المظهر كجزء من احترامه لنفسه وللآخرين. هذا الترتيب الداخلي الصارم تجلى في بعدين أساسيين:

– علاقاته الاجتماعية المتزنة: بناء جسور متينة من الاحترام والود مع محيطه، من جيرانه في الحي، إلى أصدقائه الخلص، وصولا إلى طلبته والمعجبين به.

– الفصل بين الذات والموضوع: قدرة مذهلة على الفصل بين ذاته الإنسانية المنضبطة، وبين موضوعاته السردية التي تغوص في وحل الهامش وتغني للحرية والانفلات.

طقوس المتسكع الفلسفي

تعتبر جغرافية حي المعاريف بالدار البيضاء بمثابة المسرح الحيوي الذي تحركت فيه شخصية زفزاف الكاريزمية. لم يكن مروره في شوارع هذا الحي عابرا، بل كان طقسا يومياً يتابعه الجميع بإعجاب صامت، حيث كان يُشاهد جالسا في حاناته المفضلة مثل “لابريس”، “ماجستيك”، “الكون”، و”الحانة الصغيرة البيضاء”… أو ماشيا بوقار وتأن في الشارع العام.

كانت حركته تجسيدا حيا لـ “الفلانور” Flâneur أو المتسكع الفلسفي الذي يقرأ المدينة بعينيه. تراه عائدا من مكتب بريد المعاريف بشارع بئر أنزران، متأبطا حزمة من الصحف والمجلات والكتب والرسائل الصادرة والواردة من وإلى صندوقه البريدي الخاص، والذي كان بمثابة نافذته السحرية على العالم ومختبره السري للتواصل مع الحركات الأدبية العربية والعالمية.

وقبل الموعد المعتاد مع الأصدقاء، كان يختار العزلة المؤقتة على رصيف مقهى “الفسحة” أو مقهى “الصحراء” بشارع إبراهيم الروداني. هناك، يجلس وحيدا في غالب الأحيان، يداعب فنجان قهوته أو شاي “لبتون”، ويدخن بتأن سيجارته من التبغ الأسود، سجائر “أولمبيك” الحمراء، يمسد شعر لحيته المسترسل في لحظات تجلٍ فكري تجعل كل من يمر به يشعر بأنه أمام ظاهرة إنسانية فريدة.

كان محمد زفزاف يمتلك هيبة بصرية تلفت الأنظار وتفرض الاحترام تلقائيا، وجه وسيم تؤطره لحية كثة غير مشذبة بعناية مبالغ فيها، وشعر رأس غزير وداكن، أضاف إليه في خريف عمره لمسة ذات دلالة سياسية وهوياتية عميقة عبر إسدال الكوفية الفلسطينية فوق كتفيه، معلنا دون كلام عن انتمائه القومي والوجداني لقضايا التحرر. هذا المظهر المتميز جعل العامة يظنونه ممثلا مسرحيا أو عضوا في فرقة موسيقية طليعية.

ولم يكن هذا الظن بعيدا عن الحقيقة، فقد كان لزفزاف دور تاريخي ومحوري في تشجيع الفنان الأسطوري بوجميع أحكور على تأسيس المجموعة الغنائية الخالدة ناس الغيوان. ففي نهاية الستينيات، وبمقهى “لاكوميدي” المواجهة لبناية المسرح البلدي بشارع باريس، كان زفزاف يلتقي بتلك الطاقات الشابة، يوجهها، ويشحن عقولها بضرورة خلق فن ينبع من تربة الهامش والوجدان الشعبي المغربي.

التقاطعات الفنية والبعد الإنساني

لم تنحصر اهتمامات صاحب “بيوت واطئة” في حدود الكلمة المكتوبة، بل امتدت شبكة علاقاته لتشمل السينمائيين والمسرحيين والتشكيليين. كان حاضرا في معارض الرسم حضورا نقديا وتفاعليا، حيث خط بقلمه الرصين مقدمات لعديد من الأدلة الفنية الكتالوغات لرسامين مغاربة، مستنطقا الألوان والخطوط بذات الحساسية التي يستنطق بها شخوص رواياته.

أما على المستوى الإنساني البسيط، فقد كان زفزاف طفلا كبيرا، أحبه أطفال الجيران بشكل لافت، وكانوا يهرعون إليه منادين إياه بـ “عمو زفزاف”، مستمتعين ببشاشته وعطفه الأبوي الدافق. هذه الكاريزما الخاصة جعلت حتى العامة من الناس يتهامسون بإعجاب وتوقير كلما مر بمحاذاتهم: “ها هو الشاعر”.. “ها هو الفيلسوف”.

محمد زفزاف مع عبد الرحيم التوراني (1980)
محمد زفزاف مع عبد الرحيم التوراني (1980)

نادرا ما كان يُشاهد زفزاف غاضبا، فالهدوء والرصانة والسكينة كانت طينته الأساسية. وحتى في أحلك ظروف حياته، وتحديدا خلال معاناته المريرة مع سرطان الفك، أبان عن قوة صبر أسطورية ونادرة، أعادت إلى الأذهان صمود وقوة شخصية صديقه الكاتب الفرنكفوني الكبير محمد خير الدين، الذي غيبه الموت بالداء نفسه.

الثالوث النثري الرائد

في فضاء الأدب المغربي، شكل زفزاف ضلعا أساسيا في الثالوث النثري الرائد إلى جانب محمد شكري وإدريس الخوري. وكانت العلاقة بينهم مزيجا من التقدير العالي والدعابات المبطنة، حيث تميز كل منهم بلقب طريف وفلسفة أدبية خاصة…

انطلق محمد شكري، الذي نال لقب “الكاتب العالمي”، من القاع السير- ذاتي نحو آفاق الترجمة العالمية، وكان يصر على هذا اللقب لدرجة أنه أوصى بكتابته على شاهد قبره. في المقابل كان شكري يمنح محمد زفزاف لقب “الكاتب الكبير”، تعبيرا عن تميزه في المزاوجة بين الالتزام الثقافي وتفكيك بنية الهامش والواقعية. أما إدريس الخوري، فكان يُمازح بلقب “الكاتب المحلي” لغوصه في تفاصيل اليومي المغربي، وكان “با دريس” يرد على ذلك بروح فلسفية قائلا: “إن العالمية من غير المحلية لا تكون”، تأكيدا على أن عمق الوجود الإنساني يبدأ من التجربة المحلية.

خلف ذلك الوقار الظاهري، كان زفزاف يمتلك روح نكتة ودعابة من طراز رفيع تظهر في جلساته الحميمية، حيث كان مقلدا بارعا للأصوات والحركات، وخاصة لهجات وحركات البدو المهاجرين من مناطق الشاوية وعبدة ودكالة إلى هوامش الدار البيضاء، محولا تلك الملاحظات السوسيولوجية الدقيقة إلى قفشات تشيع البهجة والمرح.

الصالون المفتوح وفاجعة الأرشيف

في السبعينيات ومطلع الثمانينيات، تبلور وعي زفزاف السياسي عبر انخراطه الفعال في صفوف الحزب اليساري المعارض آنذاك، الاتحاد الوطني (ثم الاشتراكي) للقوات الشعبية. ولم يكن انخراطه شكليا، بل ساهم في محطات تاريخية، أبرزها الكلمة التأبينية المؤثرة التي ألقاها في حفل أربعينية المفكر عمر بنجلون بعد اغتياله، كما كان حريصا على رفد الملحق الثقافي لجريدتي “المحرر” و”الاتحاد الاشتراكي” بقصصه ومقالاته الفكرية، متطوعا بكتابة زاوية أسبوعية شهيرة وسمها بـ “كلمة”.

كان بيت محمد زفزاف أشبه بصالون أدبي دائم ومفتوح على مدار الساعة، محجاً للمثقفين والأدباء المغاربة والعرب والأجانب الباحثين عن دفء النقاش الفكري الحقيقي. أما حياته الشخصية فقد شهدت تقلبات كثيرة، فبعد طلاقه من زوجته الأولى (والدة ابنته الوحيدة سهام)، حاول تكرار تجربة الزواج لفترة قصيرة باءت بالفشل، ليعود طواعية إلى حياة العزوبية مقتنعا بأنه لا يصلح ليكون زوجا تقليديا عاديا في مؤسسة اجتماعية روتينية.

مرت ببيته خادمات كثيرات، لكن ثقته المفرطة في أصدقائه بلغت حدا جعلته يستنسخ نسخا متعددة من مفتاح شقته ويسلمها لهم ليدخلوا البيت في أي وقت شاؤوا، وحتى عندما حزم حقائبه متوجها إلى فرنسا في رحلته العلاجية الأخيرة واليائسة، ترك المفاتيح معهم. هذا الكرم الإنساني الزائد أدى إلى فاجعة وثائقية بعد رحيله، حيث اكتشفت ابنته الدكتورة سهام أن أجزاء ضخمة وثمينة من أرشيف والدها، من رسائل ومخطوطات وصور نادرة وكتب مهداة، قد اختفت ونهبت من طرف بعض زوار الليل من “الأصدقاء”.

معارك الرقابة وإنصاف التاريخ

لم تكن مسيرة زفزاف الأدبية مفروشة بالورود، بل خاض معارك شرسة ضد قوى المحافظة والرقابة، ولعل أبرزها معركتان:

– معركة رواية “محاولة عيش”: بعد وفاته، قررت وزارة التربية الوطنية إدراج هذه الرواية الفذة في المقررات الدراسية للمرحلة الإعدادية لما تحمله من تشريح سوسيولوجي بارع، إلا أن تيارات محافظ تكتلت وافتعلت ضجة كبرى بذريعة “خدش الحياء العام”، مما أدى إلى التراجع عن تدريسها.

– معركة رواية “الثعلب الذي يظهر ويختفي”: حدثت الضجة الأكبر في حياته، عندما انتفضت بعض الفعاليات المحافظة في مدينة الصويرة ضده، ووقعوا عرايض احتجاج تطالب بمصادرة الرواية ومنعها، بدعوى أنها تسلط الضوء على “المباذل” وسلوكات الهيبيين في مدينة الرياح.

لكن التاريخ ينصف الكبار دائما، فالصويرة اليوم تصالحت مع زفزاف ميتا، ورفعت اسمه عاليا عبر إطلاقه على “ثانوية محمد زفزاف” التأهيلية. وتوالت الاعترافات والمصالحات عبر ربوع الوطن من خلال:

إطلاق اسمه على ثانوية كبرى بمدينة سلا – تسمية شارع رئيسي فسيح باسمه في منطقة سيدي مومن بالدار البيضاء – إطلاق اسمه على المركب الثقافي الأبرز في حيه المحبوب (المعاريف) – تأسيس “جائزة محمد زفزاف للرواية العربية” في منتدى أصيلة الثقافي، والتي تعد اليوم واحدة من أرفع الجوائز الأدبية في العالم العربي.

إغلاق القوس التاريخي

لم يكن محمد زفزاف مجرد كاتب يمسك القلم ليزين الصفحات، بل كان بالمعنى الإنساني العميق شخصية روائية حية ومكتملة الأركان تمشي على قدمين بين الناس (C’est tout un personnage)، تتداخل في مسيرتها تفاصيل المبدع الطليعي بوقار الموظف الملتزم ودفء الأب وحرقة السياسي المعارض ونبل الصديق.

كذلك كان رفيقا دربه محمد شكري وإدريس الخوري. ومع رحيل هذا الجيل الفذ، يبدو أن الساحة الإبداعية العربية والمغربية قد أغلقت قوسا تاريخيا فريدا، قوس المبدعين “المركبين” الذين يذكروننا بأدباء القرن التاسع عشر في روسيا وأوروبا، حيث الأدب ليس مجرد مهنة أو بروفايل على منصات التواصل الاجتماعي، بل هو قضية وجودية، وحياة تعاش بالطول والعرض، تذوب فيها الفواصل بين الحبر والدم، وبين المتخيل والواقع. ونخشى أن عالم اليوم ببرودته الرقمية وسرعته الاستهلاكية، لم يعد يتسع لولادة أمثال هؤلاء العمالقة الخالدين.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!