الحق في الفشل: كرة القدم والعرق والحدود الهشة للانتماء

الحق في الفشل: كرة القدم والعرق والحدود الهشة للانتماء

احساين إلحيان

ترجمة : نيهاد القزوي

       لم يكن “كلارنس سيدورف” يتحدث عن كرة القدم في ظاهر الأمر، بقدر ما كان يتجاوز اللعبة إلى أبعاد أعمق. لقد كان هذا أمرا لافتا، فقليلون هم من يملكون حق الحديث عن هذه اللعبة مثلما يملكه هو. ففي أوج عطائه، كان واحدا من ألمع لاعبي خط الوسط في جيله، بعد أن صال وجال في أعلى مستويات الكرة الأوروبية، وبات اللاعب الوحيد الذي توج بلقب دوري أبطال أوروبا مع ثلاثة أندية مختلفة، ناهيك عن تمثيله لمنتخب هولندا في سبع وثمانين مباراة.

واليوم، في غمرة بطولة كأس العالم 2026، يرقب اللعبة من موقع آخر كمحلل تلفزيوني، حيث تابع مؤخرا مباراة هولندا والمغرب والتي انتهت بخسارة الطواحين بركلات الترجيح، لتبدأ التحليلات الرياضية المعتادة في التساؤل عن سبب هزيمة الهولنديين، وتبحث عمن أجاد ومن أخفق، وما إذا كان على المدرب تعديل خطته وتكتيكاته أو إجراء تبديلات مختلفة، وهل كان بالإمكان تسديد ضربات الترجيح بشكل أفضل.

وأمام هذا المشهد تحديدا استعاد “سيدورف” مرارة تلك العزلة الشديدة التي تصاحب السير نحو نقطة الجزاء؛ إذ أهدر هو نفسه ركلة جزاء لهولندا أمام فرنسا في ربع نهائي بطولة أوروبا عام 1996. وبعد مرور ثلاثة عقود على تلك الواقعة، ها هو يشاهد جيلا آخر من اللاعبين الهولنديين يمرون بالمحنة ذاتها، لكنه في هذه المرة، لم يكن يريد الحديث عن مهارة التسديد أو خطط اللعب، بل عما يحدث في أعقاب الصافرة.

ومن هذا المنطلق، أشار “سيدورف” إلى فارق جوهري بين إخفاقه وإخفاقهم، فعندما تعثر من نقطة الجزاء عام 1996، لم تكن هناك منصات تواصل اجتماعي تتربص باللاعبين لتحول خيبة الأمل إلى هجوم علني، فوري وجارف.

وعلى العكس من ذلك، فإن لاعبي اليوم يفشلون في عالم مغاير تماما؛ إذ لا يكاد يغادرون أرض الملعب حتى تكون آلاف الرسائل قد دارت في الفضاء الرقمي، محولة تسديدة طائشة إلى طعن مباشر في العرق والأصل والأحقية بالانتماء.

ورغم أن سرعة الانتشار هذه تعد أمرا مستحدثا، إلا أن جذور هذه التفرقة نفسها موغلة في القدم. فالمنصات الرقمية لم تبث في الناس روح العداء للأجنبي أو البحث عن كبش فداء، وإنما كل ما فعلته أنها منحت الشكوك الكامنة سرعة وزخما جديدين، حيث تتجلى القسوة في أبشع صورها عندما لا يكون المستهدفون أجانب، ولكنهم مواطنون ولدوا ونشأوا في كنف البلاد التي يدافعون عن قميصها.

وهذا تماما ما حدث حين أضاع ثلاثة لاعبين هولنديين سود وهم جاستن كلايفرت، وكوينتن تيمبر، وكريسنسيو سومرفيل ركلاتهم، فأُمطروا فورا بوابل من الإساءات العنصرية عبر الإنترنت، رغم أنهم ارتدوا قميص هولندا البرتقالي، وأنشدوا نشيدها الوطني، وحملوا طوال ساعتين كاملتين آمال أمتهم على عاتقهم قبل أن يخطئوا المرمى.

حينها، وأنا أتابع نداء “سيدورف”، انتابني شعور بالأسى. ربما بسبب النبرة الحزينة التي طغت على صوته، أو بسبب حقيقة أن رجلا قدم الكثير لكرة القدم الهولندية يجد نفسه، بعد ثلاثة عقود من ركلته الضائعة، مضطرا لمطالبة بلاده بمواجهة العنصرية الموجهة لجيل آخر من اللاعبين السود. ولم يكن ما قاله هو ما حركني فحسب، بل تلك الخيبة الكامنة خلف ندائه، والذي يطرح علامات استفهام مقلقة: إلى متى سنظل نعيد الحجج ذاتها للدفاع عن هؤلاء اللاعبين؟ وكم يحتاج اللاعب من انتصارات لكي يصبح انتماؤه لبلده أمرا مسلّما به لا تهدده ركلة جزاء ضائعة؟ ومتى يتوقف المجتمع عن تجاهل هذه المعضلة وهي واضحة أمامه طوال الوقت؟

وفي غمرة تفكيري في نداء “سيدورف”، تجلى في منافسات كأس العالم وجه آخر للقصة نفسها المثيرة للقلق؛ ففي مباراة فرنسا ضد باراغواي، سجل قائد المنتخب الفرنسي “كيليان مبابي” ركلة جزاء أهلت فريقه إلى ربع النهائي، وفي أعقاب ذلك، انبرت سيناتور من باراغواي لتهاجمه على وسائل التواصل الاجتماعي بلغة عرقية وسلالية، تشكك في هويته مصورة إياه كمن يتظاهر بأنه فرنسي.

وجاءت هذه الحادثة لتعري الجوهر الحقيقي لقصة ركلة الجزاء الضائعة، إذ إن “مبابي” قد نجح وسجل الهدف الحاسم، ومع ذلك لم يشفع له هذا النجاح من أن يجرد من وطنيته ويُصوَر كغريب. وإذا كان الفشل يكشف أن الانتماء مشروط، فإن العنصرية يمكنها أيضا أن تنفي الانتماء، تحديدا عندما ينجح اللاعب الأسود نجاحا باهرا ومشهودا، أو عندما يهزم الخصم الخطأ أو يرفض الدور المرسوم له.

وبينما كنت أستمع إلى “سيدورف” وهو يدعو الناس إلى رفع الصوت بدلا من اللوذ بالصمت، وجدت نفسي أتأمل في الرحلة العجيبة لركلة الجزاء الضائعة؛ حيث يسير لاعب بمفرده نحو كرة ساكنة، وسط ملايين يحبسون أنفاسهم، فيسددها بشكل سيء، أو يتوقع الحارس الزاوية الصحيحة، أو تمر الكرة ببضعة سنتيمترات بعيدا عن القائم. إنه خطأ صغير ارتُكب تحت وطأة ضغط استثنائي هائل ومع ذلك، وفي غضون ثوان معدودات، يمكن لهذا الخطأ أن يسافر بعيدا جدا عن الجسد الذي اقترفه ليتخذ أبعادا أخرى.

والحقيقة أنني تابعت كرة القدم الأوروبية لعقود، وغدت هذه المشاهد مألوفة على نحو مؤلم، من لاعب أسود يستقبل بصيحات القردة في المدرجات، إلى قشرة موز تلقى على العشب، وصولا إلى لاعب أسمر يطلب منه العودة إلى بلد آبائه أو أجداده. فاللاعب الذي يُحتفى به في أسبوع لأنه سجل هدف الفوز، قد يتحول بعد مباراة سيئة واحدة أو ركلة جزاء ضائعة إلى دخيل غريب في البلد الذي يرتدي قميصه. وأحيانا تأتي هذه المذلة من مشجعي الخصم، ولكن الأكثر إثارة للقلق هو عندما تأتي من مشجعي فريق اللاعب نفسه؛ أي من أناس هتفوا له بحرارة عندما سجل، ثم شككوا في انتمائه بمجرد أن خذلهم.

ورغم أن الأشكال تتغير بين الهتافات في الملاعب إلى الرسائل المباشرة، والصور الساخرة، والرموز التعبيرية، والمنشورات المجهولة إلا أن النمط يظل ثابتا بشكل لافت؛ وهو تناقض لاحظه باحثو العنصرية في كرة القدم منذ زمن بعيد، حيث قد يحتفي المشجعون باللاعبين السود الذين يرتدون قميص فريقهم، بينما يوجهون إساءات عنصرية للاعبين السود في الفريق الخصم، مما يعني أن القبول يتوقف تماما على الولاء والمنفعة.

بناء على هذا، لسنوات طويلة، كنت أفهم مثل هذه اللحظات في المقام الأول على أنها عنصرية تتسلل إلى كرة القدم، لكن مداخلة “سيدورف” جعلتني أتساءل عما إذا كانت كرة القدم تكشف أيضا عن حقيقة المجتمعات المحيطة بها. وربما تصبح العنصرية في كرة القدم أكثر وضوحا ليس لمجرد استبعاد اللاعبين السود والسمر، بل عندما يسحب قبولهم وإدماجهم فجأة وبلا مقدمات.

ولعلنا نتذكر كيف شهدت أوروبا لحظة مشابهة على نحو مؤلم قبل بضع سنوات فقط، عندما خسرت إنجلترا نهائي بطولة أوروبا أمام إيطاليا عام 2021؛ إذ انتهت المباراة أيضا بضربات الترجيح، وأهدر “بوكايو ساكا”، و”ماركوس راشفورد”، و”جيدون سانشو” ركلاتهم، ولأن الثلاثة إنجليز سود، فقد تعرضوا جميعا لإساءات عنصرية لاذعة في أعقاب ذلك.

ومن الواضح أن سرعة التحول بحد ذاتها كانت أمرا مرعبا، فلم يكن هؤلاء شخصيات هامشية تقف خارج الرواية الوطنية، وإنما ارتدوا قميص إنجلترا، وأنشدوا النشيد الوطني، وحملوا آمال البلاد عبر بطولة جمعت الملايين معا، بل إن “راشفورد” كان قد غدا أحد أكثر الشخصيات العامة حظوة بالاحترام في بريطانيا بفضل حملته الإنسانية ضد جوع الأطفال. ومع ذلك، وبمجرد إخفاقهم في نقطة الجزاء، عاد لون البشرة والأصل ليتصدرا المشهد وكأن شيئا لم يكن.

وفي هذا السياق، أتذكر صورة “ساكا” بعد صافرة النهاية، وهو شاب يقف وحيدا وسط أنقاض حلم وطني أُلقي، بغير حق، تحت قدميه. وما تلا ذلك جعل ركلات الترجيح تبدو وكأنها أكثر من مجرد دراما رياضية. فلطالما احتُضن هؤلاء اللاعبون لأسابيع بوصفهم رموزا لإنجلترا الجديدة المتعددة الثقافات، حيث كان يمكن في لحظات النصر حياكة لون بشرتهم السمراء بسلاسة في نسيج قصة الأمة، أما لحظة الهزيمة، فقد تحول هذا اللون ذاته إلى لغة إقصائية تحاول  طردهم من تلك الأمة.

مع ذلك، لم تمر الإساءة دون رد.. إذ التف المشجعون والزملاء والغرباء حول اللاعبين، وظهرت رسائل التضامن جنبا إلى جنب مع عبارات الكراهية. وهذا الرد له أهميته البالغة؛ فالأمة ليست أبدا صوتا واحدا يتحدث متناغما، إنها سياق دائم من الجدال حول من ينتمي إليها، وحين تحاول الرسالة العنصرية رسم حدود فاصلة، يأتي فعل التضامن ليتحدى هذه الحدود ويكسرها.

ورغم اختلاف الظروف، كان الحراك الكامن متشابها على نحو مزعج، سواء في إنجلترا بعد إيطاليا، أو هولندا بعد المغرب، أو مع مبابي بعد باراغواي. ففي الفشل كما في النجاح، يمكن للاعب الأسود أن يجد نفسه فجأة مطالبا بتقديم مبررات عن أصوله، وهو ما ساعدني نداء “سيدورف” على رؤيته بوضوح أكبر، فالإساءة العنصرية التي تلي ركلة جزاء ضائعة ليست مجرد ثورة غضب عابرة، إنها أداة تكشف عن الشروط المضمرة للانتماء.

فالنجاح يقول: أنت واحد منا. بينما الفشل يتساءل: هل كنت حقا واحدا منا في أي وقت مضى؟

وهنا بالذات، يقتحم لون البشرة الحكاية، حاملا معه الأصل، والهجرة، والدين، والآباء والأجداد، لتعود الأسئلة التي ظننا أن الولادة والمواطنة وقميص المنتخب قد حسمتها وتطفو فجأة من جديد: من أين أنت حقا؟ وإلى من تنتمي حقا؟ وبسبب هذا، بت أتساءل عما إذا كانت اللحظة الأكثر كشفا في كرة القدم لا تكمن في نجاح اللاعب من أجل وطنه، بل في لحظة خذلانه ليظل السؤال معلقا: من، يا ترى، يملك الحق في الفشل باسم أمة؟

وقد يبدو السؤال غريبا في البداية، برغم أن الفشل هو الأمر الأكثر اعتيادية في الرياضة؛ فكل مهاجم يخطئ المرمى، وكل حارس تستقبل شباكه الأهداف، وكل فريق يخسر في نهاية المطاف، بل حتى أعظم لاعبي الكرة أرسلوا ضربات جزاء إلى المدرجات أو شاهدوها تتلاشى بين قفازات الحارس. وإذا كان أي لاعب يهدر ركلة جزاء حاسمة يواجه القسوة وتعنف قامته في المقاهي وبيوت المعيشة وتشرح الصحف خطأه لأيام، إلا أن للنقد مع اللاعبين السود والسمر طريقا إضافيا متاحا، إذ يمكن للخطأ أن يغادر المستطيل الأخضر ليلتصق بالأصل أو بلون البشرة أو الدين أو تاريخ الهجرة وكأن اللاعب لم يخطئ المرمى فحسب، ولكنه أُعيد غريبا كما كان.

ومن الملاحظ أن ثمة شيئا فريدا يكتنف ركلات الترجيح بالذات. فخلال معظم وقت المباراة، تكون كرة القدم لعبة جماعية بامتياز، حيث يبدأ الهدف بقطع للكرة عند الطرف الآخر من الملعب، ثم يدور لاعب الوسط هاربا من الضغط، وينطلق الجناح ليفتح مساحة لزميل آخر يسجل منها المهاجم، في غمرة سلسلة من التحركات يسقط الكثير منها من الذاكرة فورا. والفشل مُوزّع بالتساوي أيضا، إذ يخسر الفريق بسبب عشرات اللحظات كتمريرة خاطئة، أو مدافع يصل متأخرا بنصف ثانية، أو مهاجم يهدر فرصة سانحة، أو مدرب يخطئ في التبديل، لتتنقل المسؤولية طوال مئة وعشرين دقيقة في أرجاء الملعب. ثم فجأة تأتي ضربات الترجيح، لتهدم هذه اللعبة الجماعية وتخلق وهم الفرد المعزول؛ حيث يغادر لاعب واحد زملاءه في دائرة المنتصف ويبدأ مسيرته الطويلة نحو منطقة الجزاء، فيختفي المدافع الذي أخطأ، ويختفي المهاجم الذي أضاع فرصة أمام مرمى خال، وتتلاشى قرارات المدرب، ليتقزم التاريخ المعقد للمباراة برمتها ويتكثف حول جسد واحد. لكن بالنسبة لبعض اللاعبين، فإن هذه المسيرة تكون أطول بكثير مما تبدو عليه، لأنهم لا يصلون إلى نقطة الجزاء بمفردهم، بل يقتفي أثرَهم العرق والهجرة، والأصل وسجالات الأمة التي لم تنتهِ بعد، فيكون الوضع: قبل الركلة: هو لاعبنا وبعد الإخفاق: لقد خذلنا ثم، في أحلك الرسائل الرقمية: لم يكن ينتمي إلى هنا أبدا.

وهكذا، نرى عبارة:  “نحن نفوز. وهو يخطئ. وهو المشكلة”.. تتسيد المشهد، وتتغير الضمائر أسرع من تغير النتيجة. فالانتماء، في نهاية المطاف، لا يكون أبدا مجرد جوازات سفر، أو قوانين، أو أوراق مواطنة؛ بل هو شيء يُصنع ويُعترف به في تفاصيل الحياة اليومية عبر اللغة، والإيماءات والطقوس، والذكريات المشتركة، ولحظات العاطفة الجماعية. وكرة القدم تجعل هذه العملية مرئية على نحو استثنائي، فبينما يجسد الملايين طوال مئة وعشرين دقيقة صيغة المتكلم الجمع “نحن”، يظل السؤال المقلق هو: ماذا يحدث عندما يغير الفشل هوية من يُسمح لهم بالبقاء داخل هذا الضمير؟

ومن هنا، يمكن للاعب أن يكون محبوبا دون أن يكون آمنا، ولهذا الشعور بعدم الأمان تاريخ متجذر. فكرة القدم الأوروبية لم تصبح متعددة الثقافات من فراغ، إنه انتقال اللاعبين السود والسمر إلى ميادينها جاء متبعا مسارات أقدم، خطّتها الإمبراطوريات والحروب، والاستعمار وهجرات العمالة. فقد عبر الجنود والرعايا الاستعماريون والعمال إلى أوروبا قبل زمن طويل من دخول أبنائهم وأحفادهم إلى مدارسها وجامعاتها وأكاديمياتها الرياضية ليصبح المنتخب الوطني في النهاية أحد أكثر الأماكن التي تجتمع فيها هذه المسارات التاريخية تحت راية واحدة، ومع ذلك، فإن السؤال القديم: “من ينتمي إلى هذا الكيان بصفة قطعية؟ ومن ينتمي إليه بشكل آمن ومن ينتمي بشكل مشروط؟” لم يختفِ حين أصبحت صورة الفريق أكثر تنوعا، بل باتت رؤيته أكثر صعوبة.

ورغم هذا، تتوهم كرة القدم الحديثة أنها قد حلت مشكلة لا تزال المجتمعات المحيطة بها تصارعها، فيقولون لك: انظر إلى الملعب وغرف الملابس، وتأمل منتخبات إنجلترا أو فرنسا أو بلجيكا أو ألمانيا أو هولندا فها هنا أناس من أصول وأديان وتواريخ عائلية مختلفة يعملون معا من أجل هدف مشترك، وكأن الكفاءة قد هزمت الأحكام المسبقة.

 وفي هذه الرواية شيء من الحقيقة.. فقد خلقت كرة القدم فرصا استثنائية للحراك الاجتماعي، والتلاقي والتضامن، بل ويمكن لمنتخب وطني أحيانا أن يجعل مجتمعا يبدو أكثر رحابة من مما يتخيله سياسيوه، حين يرى الأطفال نسخة من بلدهم تشبه الشوارع والمدارس التي يعيشون فيها حقا. ولكن، ما إن يبدأ المرء في الابتعاد عن العشب الأخضر، حتى يتلاشى هذا التنوع تدريجيا، فنفق اللاعبين يؤدي إلى الطاقم التدريبي، ومنه إلى قاعة مجلس الإدارة، ومكتب الاتحاد، وصولا إلى الأجنحة التنفيذية، وبذلك فكلما سافر المرء بعيدا عن العشب نحو مقاعد القرار، قلّت تعددية الثقافات في كرة القدم الأوروبية.

علاوة على ذلك، يمكن لظهور اللاعبين السود والسمر الناجحين أن يصبح في حد ذاته دليلا يُستند إليه لإثبات الفكرة المريحة القائلة بأن كرة القدم باتت ديمقراطية وقائمة على الاستحقاق بالفعل. وقد خلصت إحدى الدراسات التي شملت قادة كرة القدم في ثماني دول أوروبية إلى نتيجة لافتة، فبمجرد عرض مبادرات لمكافحة العنصرية، سارعت بعض الأندية إلى الإشارة إلى تنوع لاعبيها كبرهان على عدم وجود مشكلة أعمق، رغم أن المؤسسات التي تدير شؤون هؤلاء اللاعبين ظلت أقل تمثيلا بكثير من الفرق التي تركض على أرض الملعب.

ومن هنا، وجدت نفسي أعود إلى تمييز بسيط، وهو أن الشخص قد يُدرج في المنظومة لأنه ذو قيمة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه ينتمي إليها. إن كرة القدم بارعة للغاية في قياس القيمة المادية والتكتيكية، إذ تحسب سرعة اللاعب في الجري، وعدد التمريرات التي أكملها، وعدد التدخلات الدفاعية التي يفوز بها ، وسعر عقده، وعائدات قمصانه، وتترجم جسده إلى انتصارات وأرباح، لكن هذه البراعة الحسابية لا تعني أبدا معرفة كيفية تقديره كإنسان.

إذن، من المسؤول عن الإنسان الذي يعيش في جسد هذا اللاعب؟ إن المسيرات المهنية قصيرة والاختيار وحشي.. حيث يتدفق الآلاف إلى الأكاديميات ولا ينجح منهم إلا قلة قليلون غدوا نجوما، وحتى هؤلاء، يمكن للإصابة أن تقطع مسيرتهم في لمحة بصر، فيغيب الألق، وتنتهي العقود، وتنتقل الجماهير إلى الهتاف باسم  من هو أصغر سنا، لأن كرة القدم الاحترافية مبنية أساساً على الاحتمال الدائم بأن الصلاحية والمنفعة ستنتهيان حتما.

ولعل هذا ما يجعل لحظة الفشل كاشفة إلى هذا الحد. فالنجاح قادر على حجب الفارق بين أن تكون ذا قيمة وأن تكون منتميا، أما الفشل، فيعريه تماما. والعنصرية، بطبيعة الحال، لا تنتظر الفشل، فاللاعبون السود والسمر يتعرضون للإساءة وهم يفوزون ويسجلون وبمجرد دخولهم إلى الملعب، لكن للفشل قوة تشخيصية خاصة، لأنه يجرد الخطاب من لغة المنفعة، ويكشف كم كانت عضوية اللاعب آمنة، أو هشة طوال الوقت.

والمتأمل في المشهد يرى أنه كلما أمعنت التفكير في الإساءات التي تلي ركلات الجزاء الضائعة، بدا لي من غير المقنع وصفها بمجرد نوبة قبح عابرة تصدر عن أفراد حاقدين. لقد طورت كرة القدم طقسا مألوفا للتعامل مع العنصرية: تظهر رسالة مسيئة، تُسمع هتافات، يستنكر النادي، يعلن الاتحاد عن فتح تحقيق، يُغلق حساب أو يُحرم مشجع من دخول الملاعب، وهي إجراءات مهمة لأن الأفعال العنصرية لها فاعلون يجب أن يواجهوا العواقب من خلال حظر الحساب وطرد المشجع وإصدار البيان، لتستأنف اللعبة وتبقى المؤسسة بريئة.

وفي المقابل، وصف الباحثون الذين يدرسون كرة القدم الأوروبية هذا الأمر بمعضلة “التفاحة الفاسدة”؛ حيث تُحصر العنصرية في سياق سلوكيات فردية مشينة بدلا من التعامل معها كدافع لفحص الافتراضات والبنى المحيطة بهم، وهي استعارة مريحة لأنها تحافظ على الشجرة سليمة. ولكن لماذا تعيد ركلة جزاء ضائعة إحياء مسألة الأصول بتلك السرعة؟ ولماذا تجعل كرة تجاوزت العارضة تاريخ الهجرة أمرا ذي صلة؟ ولماذا يمكن لخيبة أمل رياضية أن تحول المواطن إلى ضيف في وطنه؟ إن الإجابة لا يمكن أن تكمن بالكامل داخل عقل الشخص المسؤول عن الإهانة، لأن الإهانة تستمد وقودها من لغة موجودة بالفعل، وتستند إلى خارطة قديمة تحدد من يُتصور أنه ينتمي بأمان ومن يظل قيد الاختبار، فصحيح أن الرسالة العنصرية تصدر عن فرد، لكن قواعدها النحوية جماعية.

وبناء على هذا، يصبح نداء “سيدورف” ضد الصمت أكثر إلحاحا من مجرد دعوة للتحلي بحسن الخلق؛ فمعظم المشجعين لا يرسلون رسائل عنصرية، ومعظم من يشاهدون مباراة كرة قدم لا يمكن أن يطلقوا لفظا عنصريا، لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما فعله المسيء، بل بما يفعله الآخرون بعد ذلك.

ولهذا السبب، طوال أيام، ظللت أفكر في ركلات الجزاء الضائعة في مباراة هولندا والمغرب، لم أشغل بالي بالنتيجة ولا بالبطولة، بل في الركلات الضائعة ذاتها. ولماذا يحمل خطأ رياضي عادي كل هذا الزخم من المعاني؟ بدأت أشك في أن الإجابة تكمن في امتياز عادي للغاية لدرجة أن من يملكونه نادرا ما يلاحظونه، وهو أن بعض الناس يُسمح لهم بأن يفشلوا كأفراد، بينما آخرون يفشلون كممثلين عن جماعاتهم.

فالواقع أنه عندما أهدر “ساكا” و”راشفورد” و”سانشو” ركلاتهم مع إنجلترا، وعندما أهدر “جاستن كلايفرت” و”كوينتن تيمبر” و”كريسنسيو سومرفيل” ركلاتهم مع هولندا أمام المغرب، لم تتوقف إخفاقاتهم عند نقطة الجزاء، بل سافرت إلى الوراء عبر تواريخ العائلات، ومسالك الهجرة، وإلى داخل السجالات القديمة حول من ينتمي إلى أوروبا، ليتضح أن من أهم امتيازات المواطنة هي الحرية في أن تفشل دون أن تمثل أحدا سوى نفسك.

وعلى العكس من هذا الامتياز، غالبا ما يُطلب من الرياضيين السود والسمر حمل دلالات أكبر من ذواتهم، فيتحولون إلى دليل على نجاح الاندماج، وتعددية الثقافات، وولاء المهاجرين، وانتماء الأقليات، وتُجند إنجازاتهم لخدمة الحجج المتعلقة بالمجتمعات التي يمثلونها. ومن ثم، يمكن لركلة جزاء ضائعة أن تصبح دليلا ضد الهجرة، ويتحول الأداء السيئ إلى حجة ضد الاندماج، ويغدو الخطأ مناسبة لمناقشة الأصل أو الدين، ليفشل اللاعب مرة على أرض الملعب، ثم يفشل مرة أخرى، رمزيا، كممثل لفئة كاملة من البشر.

وهكذا، يسمح للبعض بأن يكونوا مجرد أنفسهم، فتكون أخطاؤهم ملكا لهم وحدهم، ويمكنهم أن يكونوا طائشين دون أن يتسببوا في إحراج أصولهم، وأن يخفقوا دون تشويه مجتمعاتهم، وتخييب الآمال دون إعادة فتح السؤال عما إذا كان من هم على شاكلتهم ينتمون إلى هنا. بينما يحمل آخرون حشدا من الأشباح في كل خطأ يقترفونه، من الآباء والأجداد والأحياء السكنية والأديان، إلى المستعمرات السابقة وطرق الهجرة والأوطان التي غادرتها عائلاتهم أو وفدت إليها، رغم أنه لا ينبغي للاعب كرة قدم أن يحمل كل هذا العبء وهو يسير نحو نقطة الجزاء.

وثمة مفارقة واضحة هنا؛ فالنقاشات العامة حول الاحتواء غالبا ما تؤكد على أهمية شمولية التمثيل من خلال عد اللاعبين السود في التشكيلة والوجوه السمر في الإعلانات، ورغم أن التمثيل مهم بلا شك، إلا أنه ليس المحطة الأخيرة. فأن تمثل يعني أنك لا تزال تحمل عبئا لأن الممثل ينوب عما هو أكبر من نفسه، فيكون نجاحه مشتركا وكذلك فشله، ويُطلب منه، أحيانا دون رضاه، إثبات قيمة الاحتواء والقبول.

لذا، ماذا لو طالبنا بشيء أكثر بساطة؟  ليس الحق في أن نكون نماذج مثالية، بل: الحق في أن نكون عاديين.

إن هذه العضوية العادية تعني أن يُخفق لاعب كرة قدم أسود دون أن يتحول إخفاقه إلى مادة في جدال عنصري، وأن يُهدر لاعب مسلم ركلة جزاء دون أن يصبح دينه ذي صلة، وأن يُخيّب ابن المهاجرين آمال وطنه دون أن يُذكَّر بأن والديه قد أتوا من مكان آخر، فكل ما في الأمر أنه أخطأ المرمى ببساطة، وفي تلك “العادية” تحديدا يكمن جوهر ثوري بليغ.

ومن هنا، يظهر الفارق بين التسامح والانتماء؛ فالتسامح يمكن سحبه بناء على السلوك القويم أو الامتنان أو المنفعة أو النجاح، أما الانتماء فيحمل في طياته مطلبا أسمى يمنح البشر الحق في أن يكونوا مشاكسين، ومخيبين للآمال، ومخطئين، وعاديين، دون أن يُطالبوا بتقديم طلب جديد لتجديد عضويتهم بعد كل عثرة.

وفي النهاية، ربما لا يكمن مقياس المجتمع الشامل بمدى السماح للمواطنين من ذوي البشرة السمراء بالنجاح فيه؛ فالأمم الحديثة بارعة للغاية في الاحتفاء بالتنوع حين يجلب الأهداف والميداليات والانتصارات والربح، لكن الاختبار الحقيقي والأكثر مشقة يبدأ عندما تطير الكرة بعيدا عن الشباك. فالانتماء أمر يسير عندما تتوالى الأهداف، لكن السؤال الحقيقي يبرز عقب الإخفاق مباشرة: هل يمكن للمواطن أن يُخيب آمالنا ويظل، ببساطة، مواطنا؟ وهل يمكن للاعب أن يفشل دون أن يتحول إلى رمز؟ وهل يمكنه أن يُخطئ المرمى دون أن يُصبح غريبا؟

وبناء على كل ما تقدم، ربما تتطلب المساواة حرية أكثر بساطة وعادية لكنها أكثر صعوبة  من حرية النجاح، وهي: الحق في الفشل مع الحفاظ على الانتماء.

ختاما، يتركنا “سيدورف” أمام ثلاثة أسئلة: “ماذا يمكنك فعله لتحدث فارقا؟ ماذا يمكنك أن فعله لتجعل المجتمع أفضل؟ ماذا يمكنك أن تفعل لتجعل العالم مكانا أفضل؟” ولعل الإجابة تبدأ أولا من رفضنا الصمت حين يكون انتماء شخص آخر موضع مساءلة.

شارك هذا الموضوع

احساين إلحيان

أستاذ جامعي مغربي بجامعة أريزونا بأمريكا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!