أحداث سبتة.. نظرة يمينية

أحداث سبتة.. نظرة يمينية

حـسـن زهـيـر

            في إطار تغطيتها ل “أحداث سبتة ومليلية”، شنّت وسائل إعلام أوروبية يمينية هجوماً حاداً على ما سمّته “سياسة الباب المفتوح” للحكومة الإسبانية، وانتهز اليمين الإسباني الفرصة  ومعه الإيطالي، الفرنسي، الهولندي، التشيكي، إلخ. للتأكيد  على فشل “إسبانيا الاشتراكية” في حماية الحدود الخارجية لأوروبا، مستندين في ذلك إلى  التصريحات الحازمة لرئيسة المفوضية الأوربية التي شدّدت على “وجوب احترام القواعد الأوروبية وضرورة الترحيل السريع للمهاجرين”.

     صحيفة لوموند الفرنسية، من جهتها، أبرزت أن ما حدَث في سبتة يمثل اختباراً جديداً  لسياسة الاتحاد الأوروبي في تدبير حدوده الخارجية، وهو نفس ما عبّرت عنه الصحف الألمانية أيضاً. وقد  ذهبت افتتاحية “وول ستريت جورنال” أبعد من ذلك، إذ استخدمت عنواناً مستفزاً: “المغاربة يغزون إسبانيا”؛ أما في إيطاليا، فقد ربطت الصحافة الأزمة بالنقاش الداخلي حول سياسة الهجرة، حيث ركّزت المنصات اليمينية، مثل “راديو جنوة” الإيطالي وإعلام اليمين المتطرف، على إبراز أن أغلب الوافدين هم “رجال في سن الخدمة العسكرية”، محذرة من تهديدات أمنية قد تفاقم معدلات الجريمة داخل المجتمعات الأوروبية.

   إضافة إلى ذلك لوحِظ التركيز في تقارير اليمين الإسباني والبريطاني، مثل “ديلي إكسبريس” و”ديلي ميل”، على مفردات “الغزو”، “الاجتياح”، “الكارثة”، “التهديد الوجودي”، إلخ، بل الأكثر من هذا لم تقتصر التغطية اليمينية المحافِظة على أوروبا؛ بل امتدّت إلى وسائل إعلام  أميركية، أيضاً، حيث نُقل عن قادة الحزب الجمهوري ومستشاري الرئيس دونالد ترامب، مثل ستيفن ميلر، تصريحات وصفوا فيها مشاهد تدفق الحشود عبر أمواج البحر بـ “الغزو المحتوم”. نفس الأمر بخصوص مانشيت صحيفة “ديلي إكسبريس” البريطانية التي نشرت، على صفحتها الأولى، التحذير التالي: “معركة من أجل مستقبل حضارتنا”!

    خلاصة الأمر، بدا واضحاً للجميع أن إعلام اليمين المحافظ في أوروبا، والغرب عموماً، محكوم، شعورياً أو لا شعورياً، بسردية أمنية-دينية-قومية حادّة، تقوم على شعار من أجل “تأمين الحضارة الغربية وحماية السيادة الأوروبية”. وهكذا رأينا كيف روّج هذا الإعلام، في مقاربته ل “أحداث سبتة”، لمفردات من قبيل: “الاجتياح”، “الغزو”، “أزمة أمن قومي”، “الكارثة”، ” التهديد الوجودي”، “تأمين الحضارة”، إلخ. متعاملاً مع الأمر بوصفه أزمة تتجاوز الحدود المغربية-الإسبانية، لأن “أحداث سبتة”، في نظره، قد ترتد إلى داخل أسوار الاتحاد الأوروبي ومعه مجمل العالم الغربي. في ظِل هذا المناخ “اليميني-الغربي” يحضرني ما سبَق أن عبّر عنه المفكر المغربي، عبد الله العروي، عندما كتَب، قبل عقد من الآن، ما يلي:

    – “كان الغرب يرى طبيعياً، بل حتمياً أن يذهب هو عند الغير. أما أن يقصده الغير ويستقر في ربوعه، فهذا ما لم يتحمّله طويلاً. فبات ينظر إلى نفسه على نحو الإمبراطورية الرومانية: قلعة متمدنة محاصرة من لدن أقوام لا تعرف ما القانون؟ وما النظام؟ هذا هو شعور العامة في الغرب. قد يعارضه بعض المثقفين، لكنني أستبعد أن يصمد أمامه السياسيون.” (أنظر تصريحات سانشيز الحازمة حول سبتة ومليلية).

   – “ظن الغرب أنه سيحتفظ إلى الأبد على التفوق الذي حازه منذ ثلاثة قرون، فراح ينادي بضرورة تحرير التجارة العالمية، بل فرضها على الجميع. ولم تمر سوى بضعة عقود حتى غزَت البضائع الأسيوية الأسواق الغربية، وكذلك الأموال العربية واليد العاملة الأفريقية”.

   – “يقول الغرب إنه يخوض حرباً مُقدّسة ضد الهمجية البربرية، لكنه، في الواقع، يقاوم التحوّل الهائل الذي غيّر ميزان القوى الدولية”.

شارك هذا الموضوع

حسن زهير

باحث وكاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!