رحيل راؤول فانيغم: حين يصبح البقاء بديلاً عن الحياة
شامة اليعقوبي
رحل المفكر والكاتب البلجيكي راؤول فانيغم (1934-2026) بعد مسار فكري طويل، فقد ارتبط اسمه بأكثر الأسئلة راديكالية في الفكر الأوروبي المعاصر.. ماذا يبقى من الحياة حين تتحول أيام الإنسان إلى عمل واستهلاك وانتظار، وحين تصبح الرغبات نفسها جزءا من السوق؟
كان فانيغم أحد أبرز وجوه الأممية الموقفية التي ظهرت في أوروبا خلال النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي، والتي اشتهرت بأفكارها الماركسية والطليعية وتهدف إلى نقد المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي وتحرير الحياة اليومية من الجشع و التزييف والهيمنة التجارية.. وكان إلى جانب المفكر الفرنسي غي ديبور الذي ارتبط اسمه بنقد “مجتمع الاستعراض”، بينما اختار فانيغم الاقتراب من المسألة من جهة أخرى، أكثر حميمية واتصالا بالتجربة الفردية وهي تفاصيل اليوم.. العمل.. الملل.. الحب.. الرغبة.. الجسد.. الصداقة.. المدينة، والوقت الذي يشعر الإنسان بأنه يملكه فعلا.
وقد اكتسب كتابه الأشهر “أطروحة في فن العيش للأجيال الشابة”، الصادر سنة 1967 والمعروف في ترجماته بعنوان قريب من “ثورة الحياة اليومية”، مكانته داخل ثقافة الاحتجاج التي انفجرت بعد ذلك بعام واحد في فرنسا. كان الكتاب جزءا من مناخ فكري أوسع سبق أحداث ماي 1968، حين خرج الطلاب والعمال إلى الشوارع وبدت أسئلة السلطة والعمل والجامعة والحياة الخاصة فجأة موضوعا سياسيا عاما.
من الثورة الكبرى إلى تفاصيل اليومي: ولد راؤول فانيغم سنة 1934 في مدينة ليسين البلجيكية، ونشأ في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، في زمن كان يعيش آثار الدمار وصعود المجتمع الصناعي وثقافة الاستهلاك في الوقت نفسه. درس الأدب والفلسفة ووجد نفسه قريبا من الحركات الطليعية التي كانت تبحث عن طرق جديدة لفهم المجتمع والفن والسياسة.
لكن الثورة بالنسبة إليه لم تكن حدثا ينتظر الناس وقوعه في المستقبل، ولا مشروعا ينتهي بمجرد الاستيلاء على مؤسسات الدولة. كان يرى أن أشكال السيطرة تتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة، وأن أي مشروع للتحرر يفقد معناه إذا ترك الإنسان يعيش يومه بالطريقة نفسها: يعمل تحت الإكراه، يستهلك ما يُعرض عليه، ويعيد إنتاج العلاقات والقيم التي كان يعتقد أنه يتمرد عليها. ولهذا منح مفهوم “الحياة اليومية” مركزا أساسيا في فكره، ففي المصنع والمكتب والبيت والشارع والمقهى والمدرسة والعلاقة بالآخرين تظهر، في نظره، الطريقة الحقيقية التي يشتغل بها المجتمع. السياسة الكبرى تبدأ من تلك المساحات الصغيرة التي نادرا ما تُعامل بوصفها سياسية، وكان السؤال الذي يلاحقه بسيطاً وصعباً في آن هو هل نعيش فعلا، أم نكتفي بالبقاء؟
ميّز فانيغم بين الحياة بوصفها تجربة حرة ومبدعة، وبين “البقاء” الذي تختزل فيه المجتمعات الحديثة الإنسان إلى مجموعة من الوظائف والحاجات. يأكل لكي يستمر، يعمل لكي يحصل على الأجر، يشتري لكي يعوض إحساسه بالنقص، ثم يعود في اليوم التالي إلى الدورة نفسها. وجد في العمل الصناعي أحد أوضح نماذج هذا الانفصال، فالعامل ينتج أشياء لا يملكها، داخل زمن لا يتحكم فيه، ووفق إيقاع تحدده المؤسسة.. ومع اتساع المجتمع الاستهلاكي انتقلت هذه الآلية إلى مناطق أخرى من الحياة، فأصبحت المتعة نفسها قابلة للبيع، والرغبة قابلة للتوجيه، والهوية موضوعا يمكن للسوق أن يقترح له نماذج جاهزة. وهكذا باتت الحرية عند فانيغم مرتبطة بإمكانية استعادة الإنسان لوقته ورغباته وعلاقاته بالآخرين، لم يكن يبحث عن حياة خالية من كل قيد بقدر ما كان يدافع عن قدرة الفرد والجماعة على ابتكار أشكال وجود لا تحدد قيمتها السوق ولا أجهزة السلطة.
كما أعطى فانيغم للرغبة مكانا غير مألوف في الفكر السياسي. فالإنسان، في نظره، لا يتحرك فقط بالمصلحة الاقتصادية أو الصراع الطبقي، وإنما يحمل أيضا توقا إلى المتعة والحب واللعب والخلق والتواصل.ولهذا رفض الفصل الصارم بين السياسة والحياة الشخصية. فطريقة الحب، وتكوين الصداقات، واستخدام الوقت، وشكل المدينة التي نعيش فيها، والمسافة بين الإنسان وعمله، كلها أسئلة تتصل بالحرية. مثلما كان يعتقد أن السلطة تستطيع الاستمرار لأنها تنجح في تنظيم الرغبات بقدر نجاحها في تنظيم المؤسسات. فمن السهل السيطرة على إنسان يعرف مسبقا ماذا ينبغي أن يرغب فيه، وكيف ينبغي أن ينجح، وماذا ينبغي أن يشتري حتى يشعر بأنه جزء من المجتمع. بهذا المعنى تحولت كتابته إلى لغة قريبة من البيان الشعري، ولم يكن معنيا ببناء منظومة فلسفية مغلقة، وكان يفضّل الجملة التي توقظ القارئ وتحرضه على مساءلة الأشياء التي تبدو بديهية.
غادر فانيغم الأممية الموقفية سنة 1970، بعد سنوات من النشاط والاختلافات الفكرية والتنظيمية، لكنه واصل تطوير الأسئلة نفسها لعقود طويلة. وظل شديد الريبة من كل سلطة تتحول إلى غاية في ذاتها، حتى حين تتكلم باسم الثورة. بالنسبة إليه، تغيير الأشخاص أو الأحزاب الحاكمة لا يكفي إذا بقيت العلاقة بين الإنسان والمؤسسات قائمة على الخضوع والطاعة. ومن ثم جاءت المسافة التي وضعها بين مشروعه وبين التصورات السياسية التقليدية التي تجعل الدولة مركز التغيير.وكان يخشى أن تأكل الثورة أبناءها حين تتحول إلى جهاز جديد لإدارة الناس، وأن يصبح خطاب التحرر لغة أخرى لتبرير السلطة.
فانيغم في زمن الخوارزميات: بعد ستة عقود تقريبا من صدور كتابه الأشهر، تبدو بعض أسئلته كأنها كتبت لعالمنا الحالي. فحين كان فانيغم ينتقد مجتمع الاستهلاك، كانت شاشة التلفزيون والإعلانات التجارية من أهم أدواته. أما اليوم، فيحمل الإنسان الشاشة معه طوال الوقت. يلتقط صورته، يعرض تفاصيل حياته، ينتظر التفاعل معها، يقيس حضورها بعدد المشاهدات واللايكات، ثم تعيد الخوارزميات اقتراح ما ينبغي أن يشاهده ويرغب فيه ويشتريه. لقد أصبحت الذات نفسها جزءا من عملية الإنتاج. يعمل المستخدم في الظاهر من أجل متعته، لكنه ينتج في الوقت نفسه صورا وبيانات ومعلومات وانتباها تستفيد منها المنصات. وحتى وقت الفراغ أصبح مجالا اقتصاديا بالغ القيمة، تتنافس الشركات من أجل الاستحواذ على أكبر جزء ممكن منه.
لهذا تستطيع أفكار فانيغم أن تفتح اليوم نقاشا يتجاوز السياق الأوروبي لستينيات القرن الماضي. فالمشكلة التي كان يصفها لم تختف مع تغير المصانع وأشكال العمل، بحيث انتقلت إلى الهواتف والمنصات والعمل المرن والاقتصاد الرقمي، وأصبحت الحدود بين العمل والترفيه والاستهلاك أكثر التباسا.
إرث مفتوح: لم يقدم راؤول فانيغم وصفة جاهزة لبناء المجتمع المثالي، وربما تكمن أهمية تجربته في مكان آخر. لقد جعل الحياة اليومية نفسها موضوعا للنقد، وذكّر بأن الحرية تفقد معناها إذا بقيت شعارا سياسيا بعيدا عن الزمن والجسد والعمل والعلاقات والأماكن التي نقضي فيها أيامنا. ومع رحيله، يعود السؤال الذي رافق كتاباته منذ ستينيات القرن الماضي أكثر إلحاحا.. ما قيمة التقدم إذا كان الإنسان يملك أشياء أكثر بينما يملك وقتا أقل لنفسه؟ قد تبدو لغة الثورة التي كتب بها فانيغم تنتمي إلى زمن مضى، لكن المسألة التي وضعها في قلب مشروعه ما تزال حاضرة..فالمجتمعات الحديثة أصبحت أكثر قدرة على إنتاج السلع والصور والمعلومات، وأشد قدرة على احتلال الوقت والانتباه والرغبات.
ولهذا ربما يكون أفضل ما يبقى من راؤول فانيغم تلك الفكرة العنيدة التي لم يتوقف عن العودة إليها وهي ..تبدأ حريتنا في اللحظة التي نستعيد فيها القدرة على أن نعيش حياتنا بوصفها حياتنا.
