الجريمة السياسية في العالم العربي: تشريح البنية العميقة للاستبداد (الجزء الأول)

الجريمة السياسية في العالم العربي: تشريح البنية العميقة للاستبداد (الجزء الأول)

الدكتور عبد الواحد غيات

من فقه الغلبة إلى الدولة المخابراتية : آليات إنتاج شرعية القمع وإعادة تدويرها

الملخص

       تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة بنيوية متعددة التخصصات لمفهوم الجريمة السياسية في العالم العربي، بوصفها لا تختزل في مجرد ممارسات معزولة أو انحرافات ظرفية، بل تتجلى كنظام متكامل ومتجذر في بنية الدولة وآليات إنتاج الشرعية. وانطلاقًا من مقاربات علم الاجتماع السياسي، والنظرية القانونية النقدية، ودراسات ما بعد الاستعمار، تتعقب الورقة الأصول التاريخية للممارسات السلطوية، بدءًا من فقه الغلبة وصولًا إلى تشكل الدولة الأمنية في مرحلة ما بعد الاستقلال.

وتفترض الدراسة أن الجريمة السياسية تعمل داخل جهاز مركب متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه أدوات التدخل العسكري، والاستثناء القانوني، والدعاية الأيديولوجية، وآليات المراقبة الرقمية. كما تكشف عن الكيفية التي تنجح بها الأنظمة في إنتاج دائرة مغلقة من القمع، عبر مأسسة العنف، وتطبيع القوانين الاستثنائية، وتكريس سرديات أيديولوجية تُسهم في تجريد المعارضين من إنسانيتهم.  وتتوقف الدراسة كذلك عند التحولات التي عرفتها أدوات الضبط في العصر الرقمي، حيث أسهمت التكنولوجيا في تعظيم قدرات السيطرة والمراقبة، وتوسيع نطاقها ليغدو عابرًا للحدود.

ومن خلال إدراج هذه الظواهر ضمن سياقات تاريخية وعالمية أوسع، تخلص الدراسة إلى أن الجريمة السياسية لا تمثل انحرافًا عن النظام القانوني، بل تؤدي وظيفة تأسيسية في ترسيخ السلطوية.

وتهدف هذه الورقة إلى تجاوز مستوى الإدانة الأخلاقية نحو بناء فهم بنيوي معمق، من خلال تقديم إطار تفسيري شامل يضيء ديناميات استمرارية القمع وتحولاته في المنطقة.

الكلمات المفتاحية: الجريمة السياسية؛ الاستثناء القانوني؛ الدولة الأمنية؛ القمع الرقمي؛ علم الاجتماع السياسي؛ الدعاية السياسية.

مقدمة

تشكل الجريمة السياسية في المجال العربي إحدى أعقد الإشكاليات في التاريخ المعاصر، إذ لا يمكن اختزالها في مجرد خرق للنصوص القانونية، بل ينبغي فهمها بوصفها تعبيرًا عن اختلال عميق في بنية الدولة والمجتمع معًا. ففي الوعي الجمعي العربي، تتخذ هذه الظاهرة شكل ساحة صراع دائم بين شرعيتين متنازعتين: شرعية السلطة القائمة، المؤسسة على منظومة من القوانين الوضعية والأجهزة الأمنية، وشرعية التغيير التي يستند إليها المعارضون، باعتبارها منبثقة من القانون الطبيعي وقيم العدالة الكونية.

وتكمن المعضلة المركزية في السياق العربي في سيولة مفهوم “الجريمة السياسية” وتحوله المستمر، حيث تتبدل مواقع الفاعلين تبعًا لتحولات ميزان القوة؛ فالفرد الذي يُوسم اليوم بصفة “مجرم سياسي” ويُزج به في السجون بتهم الخيانة العظمى، قد يتحول في ظرف لاحق إلى فاعل شرعي يتبوأ موقع السلطة ويؤدي القسم الدستوري. وهو ما يكشف أن توصيف الجريمة السياسية لا يخضع لمعيار العدالة المجردة، بقدر ما يرتبط بمنطق الغلبة وهيمنة القوة، ليغدو في جوهره توصيفًا يُلحق بالمهزوم أكثر مما يعكس حقيقة قانونية ثابتة.

جدلية فقه الغلبة والإرث الكولونيالي: مأسسة الاستثناء وتشريع الفتنة

عند تفحص البنية التشريعية في معظم الدول العربية، يبرز ميلٌ واضح نحو تجريم الفعل السياسي وإعادة تأطيره ضمن منظومة القانون الجنائي العام. لا يقتصر هذا التوجه على كونه إجراءً عقابياً تقليدياً، بل يمثل استراتيجية منظمة تروم تجريد الفاعل المعارض من مشروعيته الأخلاقية والرمزية، ويتجلى ذلك في مساعي إلحاقه قسراً بمرتبة مرتكبي الجرائم العادية، أو دمغه بـسمات الإرهاب. إن هذا التحوير المقصود في التوصيف القانوني لا يقتصر على إعادة تصنيف الفعل، بل يتجاوز ذلك إلى حرمان المعارض من الضمانات التي تقرها المواثيق الدولية للمعارضين السياسيين، مثل الحق في اللجوء، وعدم التسليم، والاستفادة من معاملة سجنية تراعي خصوصية الفعل السياسي وكرامة صاحبه. وبهذا المعنى، يغدو القانون أداة لإعادة تشكيل الإدراك الاجتماعي للمعارضة، بحيث تُقدَّم لا كمشروع سياسي بديل، بل كتهديد أمني يزعزع الاستقرار العام.

ولا يمكن استيعاب ظاهرة الجريمة السياسية في السياق العربي دون استحضار خلفيتها التاريخية التي أسست لما يمكن تسميته بـ”الاستثناء العربي”. إذ لم تتبلور السلطة في هذا المجال ضمن أفق تعاقدي خاضع للمساءلة المدنية، بل استندت تاريخيًا إلى منطق الغلبة، كما كرّسه التراث الفقهي السياسي. وقد شهد مفهوم “الفتنة” انتقالًا دلاليًا لافتًا، من حقل الفقه الديني الذي اعتبر الخروج على الحاكم مفسدة مطلقة، إلى فضاء الدولة الحديثة التي أعادت إنتاجه في قالب علماني معاصر. وفي سياق هذا التحول، أُعيد تعريف الاستقرار بوصفه القيمة العليا التي تُضحّى في سبيلها بمختلف مقتضيات التعددية السياسية. فأضحت السلطة تنظر إلى كل تعبير معارض باعتباره نواة محتملة للفتنة، الأمر الذي يبرر، في تصورها، اعتماد منطق وقائي استباقي يجعل من “الجريمة السياسية” فعلاً يُجرَّم قبل وقوعه، لا استجابةً لفعل مادي قائم، بل حمايةً لكيان الدولة كما تتصوره.

كما اضطلع الإرث الاستعماري بدور حاسم في تكريس هذه البنية، حيث ورثت الدول الوطنية منظومات قانونية استثنائية صُممت أساسًا لإخماد حركات التحرر. غير أن هذه المنظومات لم تُفكك بعد الاستقلال، بل جرى توسيعها وتكييفها بما يخدم إعادة إنتاج السلطة. وهكذا تحولت حالة الطوارئ من تدبير استثنائي إلى قاعدة دائمة، وتم توظيف ترسانة من المفاهيم القانونية الفضفاضة – مثل “وهن نفسية الأمة” أو “المساس بالشعور القومي”- كأدوات مرنة لتجريم أي خطاب نقدي.

وعليه، فإن الجريمة السياسية في هذا السياق لا يمكن اعتبارها انحرافًا عرضيًا، بل هي نتاج بنية قانونية-سياسية متكاملة، صُممت لإقصاء الاختلاف وضمان استمرارية السلطة في صيغتها المطلقة.

سوسيولوجيا المقاربة الانقلابية: عسكرة الفضاء العام وتجريف الهياكل المدنية

يشكل الانقلاب العسكري في التجربة العربية الحديثة ذروة مكثفة للجريمة السياسية المركبة، إذ لا يقتصر على كونه تحولًا فجائيًا في قمة هرم السلطة، بل يمثل عملية إحلال جذرية لمنطق المؤسسة العسكرية محل منطق الدولة المدنية. وفي هذه اللحظة المفصلية، تتجلى مفارقة قانونية لافتة؛ حيث يغدو الانقلاب، في حال نجاحه، مصدرًا لإنتاج شرعية جديدة، بعد أن كان يُصنّف – وفق المنظومة الدستورية القائمة – كجريمة خيانة عظمى. فبمجرد إحكام السيطرة على المراكز السيادية ووسائل الإعلام، يتحول الفعل الانقلابي من انتهاك دستوري إلى خطاب تأسيسي يُعلن نفسه كفعل “إنقاذ وطني” عبر البيان الأول.

هذه السيولة في المعايير القانونية والأخلاقية أسهمت في ترسيخ تصور جمعي يربط مشروعية الفعل السياسي بنتائجه لا بوسائله، مما أفضى إلى إضعاف الإيمان بالمسارات الديمقراطية، وتعزيز قناعة ضمنية بأن الوصول إلى السلطة يمر عبر القوة لا عبر التمثيل الشعبي. ونتيجة لذلك، دخلت العديد من الدول العربية في دورات متعاقبة من الانقلابات والانقلابات المضادة، بما حملته من كلفة بشرية ومؤسساتية باهظة استنزفت إمكانات المجتمعات لعقود.

ولم تقتصر تداعيات هذه التحولات على مستوى تداول السلطة، بل امتدت لتطال البنية العميقة للحياة المدنية. فقد عملت الأنظمة المنبثقة عن الانقلابات على إعادة توظيف أجهزة الدولة وتحويلها إلى أدوات وظيفية لحماية النظام السياسي بدل حماية المجتمع. وفي هذا السياق، تمّت مأسسة الجريمة السياسية عبر توسيع تعريفها ليشمل كل من يتمسك بالمسار الديمقراطي أو يدعو إلى إعادة الاعتبار للفصل بين المؤسسة العسكرية والفضاء السياسي، بحيث يُعاد تصنيفه كتهديد للأمن القومي.

وقد أفرز هذا المسار بنية يمكن توصيفها بـ”الدولة المخابراتية”، حيث تتسع دائرة الاشتباه لتشمل النوايا قبل الأفعال، وتُقرأ مختلف أشكال التعبير المدني – النقابي، والطلابي، والثقافي – بوصفها امتدادات محتملة لمؤامرات خارجية. وضمن هذا المناخ، تُمنح الأجهزة الأمنية هامشًا واسعًا لممارسة القمع الممنهج، تحت مبررات حماية الشرعية الثورية أو صون الاستقرار الوطني، بما يعيد إنتاج الجريمة السياسية كآلية بنيوية دائمة داخل النظام.

التصفية الجسدية والاغتيال الرمزي: ديناميات الرعب وصدمة المجتمع

بالانتقال من أنماط القمع الجماعي التي تمارسها الأنظمة إلى أشكال العنف الانتقائي الموجه، يبرز الاغتيال السياسي بوصفه التعبير الأكثر راديكالية عن انسداد الأفق أمام المواجهة الفكرية والسياسية. ففي السياق العربي، لم يكن الاغتيال مجرد أداة لإقصاء خصم بعينه، بل شكّل فعلًا رمزيًا مكثفًا، يُراد منه إنتاج أثر يتجاوز الضحية المباشرة ليطال الوعي الجمعي برمّته. إن قتل الفرد هنا يُراد به إخماد الفكرة التي يمثلها، وبث رسالة ترهيب ضمنية إلى كل من يحتمل أن يتموضع داخل نفس الأفق المعارض.

وعندما لجأت الأنظمة إلى تصفية شخصيات سياسية أو فكرية بارزة، لم يكن الهدف فقط تحييد فاعل مؤثر، بل إعادة تشكيل المجال العام عبر زرع مناخ من الخوف المنهجي، بحيث يصبح الصمت استراتيجية بقاء، والتعبير الحر مخاطرة وجودية. وبهذا المعنى، يتحول الاغتيال من فعل مادي محدود إلى آلية لإنتاج “صدمة اجتماعية” تُعيد ضبط حدود الممكن والمسموح داخل المجتمع.

في المقابل، لم تكن بعض قوى المعارضة الراديكالية بمنأى عن الوقوع في منطق الجريمة السياسية ذاته، إذ تبنّت بدورها استراتيجيات الاغتيال باعتبارها طريقًا مختصرًا لإسقاط الأنظمة. غير أن هذا التصور الاختزالي، القائم على فكرة أن إزالة رأس السلطة كفيل بإحداث تحول بنيوي، أثبت محدوديته بل وخطورته؛ إذ غالبًا ما أفضى إلى نتائج عكسية، حيث استغلت الأنظمة هذه الأفعال لتبرير توسيع القبضة الأمنية، وتعزيز خطاب “مكافحة الإرهاب”، مما أتاح لها إعادة إنتاج ذاتها في صيغ أكثر صرامة وتسلطًا.

وقد أدى هذا التفاعل الجدلي بين عنف الدولة وعنف المعارضة إلى إغلاق فضاءات الفعل السياسي السلمي، ودفع المجتمعات نحو دوامات من العنف المتبادل، حيث تتغذى كل حلقة من سابقتها، في مسار تصاعدي يقوّض إمكانات الانتقال الديمقراطي ويكرّس حالة من الانسداد التاريخي. وهكذا، لا يعود الاغتيال السياسي مجرد حادثة معزولة، بل يتحول إلى جزء من بنية أوسع لإدارة الرعب وإعادة إنتاج السيطرة.

عقلنة القمع: العدالة الاستثنائية وتوظيف المقاصل القانونية

تتجلى أخطر صور الجريمة السياسية في العالم العربي في تلك التي تُمارَس تحت غطاء القانون لا خارجه، حيث يتحول النص القانوني ذاته إلى أداة لإضفاء الشرعية على القمع. وفي هذا السياق، تبرز محاكم أمن الدولة والدوائر القضائية الاستثنائية بوصفها امتدادات وظيفية للسلطة التنفيذية، وليست مؤسسات مستقلة لتحقيق العدالة. فهذه المحاكم لا تنبثق عن مبدأ القضاء الطبيعي، بل تُؤسس في سياقات استثنائية، وتُصمَّم بنيويًا لحماية النظام السياسي القائم بدل صون الحقوق والحريات.

وفي معظم الحالات، يتم تشكيل هذه الهيئات القضائية بقرارات فوقية، غالبًا ما تصدر عن رأس السلطة، وتضم في تركيبتها قضاة عسكريين يخضعون لسلسلة أوامر تراتبية مرتبطة بالمؤسسة التنفيذية، وهو ما يقوّض مبدأ الفصل بين السلطات من جذوره. وضمن هذا الإطار، يفقد القاضي موقعه كحكم محايد، ليغدو فاعلًا مؤسسيًا يُطلب منه إضفاء طابع قانوني على قرارات سياسية وأمنية جرى حسمها مسبقًا خارج قاعات المحاكم.

وتستند هذه المنظومة القضائية الموازية إلى شبكة من النصوص القانونية الفضفاضة التي تسمح بتوسيع نطاق التجريم إلى حدود غير منضبطة. فمفاهيم مثل “الإخلال بالسلم العام”، أو “نشر أخبار زائفة”، أو “المساس بهيبة الدولة”، تفتقر إلى تعريفات دقيقة ومعايير موضوعية، مما يمنح سلطة تقديرية واسعة لجهات الاتهام والقضاء في تكييف أفعال عادية – كالتعبير الصحفي أو التدوين الرقمي – ضمن خانة الجرائم السياسية الجسيمة.

ويُفاقم هذا الوضع إضعاف ضمانات المحاكمة العادلة، سواء من خلال سرية الإجراءات، أو تقييد حق الدفاع، أو إصدار أحكام نهائية غير قابلة للطعن، بما يحوّل هذه المحاكم إلى ما يشبه “مقاصل قانونية” تُستخدم لتصفية الخصوم بوسائل مؤسسية باردة. ونتيجة لذلك، تتآكل ثقة المواطن في منظومة العدالة، ويتحوّل القضاء من فضاء يُلجأ إليه لإنصاف المظلوم، إلى أداة لإعادة إنتاج الخوف وترسيخ الهيمنة السياسية.

العصر الرقمي وتدويل القمع

مع دخول العالم مرحلة الثورة الرقمية، لم تتراجع الجريمة السياسية في العالم العربي، بل أعادت تشكيل أدواتها وآليات اشتغالها، متحولة من أنماط القمع التقليدية إلى منظومات تقنية أكثر دقة وتعقيدًا. فقد أضحى العنف السياسي أقل ظهورًا في شكله المادي المباشر، وأكثر تمركزًا في فضاءات غير مرئية تعتمد على الاختراق السيبراني، والمراقبة الرقمية، وتجميع المعطيات الشخصية للفاعلين المعارضين. وبهذا المعنى، انتقل “الجلاد” من فضاء الجسد إلى فضاء البيانات، حيث تُستخدم برمجيات التجسس العابرة للحدود كأداة للاختراق والابتزاز السياسي والمعنوي، بما يعمّق من هشاشة المجال الخاص للأفراد.

ويترافق هذا الشكل من القمع الرقمي مع توظيف واسع لما يمكن تسميته بـ”الجيوش الإلكترونية” أو الفاعلين الافتراضيين المنظمين، الذين يضطلعون بوظيفة تفكيك السمعة الرمزية للمعارضين عبر حملات تشويه ممنهجة، وإعادة إنتاج خطاب التخوين ونزع الشرعية. ولا يقتصر هذا النمط على كونه ممارسة دعائية، بل يشكل مرحلة تمهيدية في مسار العنف السياسي، إذ يعمل على إعادة تشكيل المزاج العام وإعداده نفسيًا لتقبل إجراءات القمع المادي، سواء في شكل اعتقال أو إقصاء أو تصفية.

وفي سياق أكثر تركيبًا، لم تعد الجريمة السياسية محصورة داخل الحدود الوطنية، بل اكتسبت بعدًا عابرًا للدول من خلال تداخل المصالح الاستخباراتية وتنامي أشكال التعاون الأمني الدولي. وقد أسهم هذا التحول في إعادة إنتاج أنماط جديدة من التدخل غير المباشر، حيث تُدار بعض عمليات الضبط السياسي خارج المجال السيادي التقليدي، ضمن شبكات معقدة من التفاهمات والمصالح المتقاطعة.

وبهذا، يغدو الفضاء العربي ساحة مفتوحة لتقاطع الإرادات الجيوسياسية، حيث تتداخل اعتبارات الاستقرار الأمني مع حسابات النفوذ الدولي، في سياق تُختزل فيه تطلعات المجتمعات إلى التغيير الديمقراطي داخل معادلات القوة العالمية. ونتيجة لذلك، تتجاوز الجريمة السياسية حدود الدولة لتتحول إلى ممارسة مركبة تتداخل فيها المحلي بالكوني، والداخلي بالخارجي، بما يكرّس إعادة إنتاج القمع في صيغ أكثر عولمة وأشد تعقيدًا.

هندسة التوافق القسري: البروباغندا الإعلامية ونزع الإنسانية عن المعارضة

لا يمكن لمنظومة القمع أن تحقق فعاليتها الكاملة دون سندٍ رمزي ودعائي يعيد إنتاج الجريمة السياسية بوصفها فعلًا مشروعًا أو ضرورة وطنية. في هذا السياق، يبرز الإعلام بوصفه فاعلًا مركزيًا في إعادة تشكيل الوعي العام، لا باعتباره ناقلًا محايدًا للمعلومة، بل باعتباره جهازًا لإنتاج المعنى وإعادة تعريف الخصم السياسي. وتتمثل إحدى أبرز آليات هذا الدور في استراتيجية منهجية تقوم على نزع الإنسانية عن المعارض، وتحويله من فاعل سياسي يمتلك رؤية ومطالب إلى كيان مشوّه يُصنَّف ضمن خانة الخيانة أو العمالة أو تهديد الأمن العام.

وتؤدي هذه العملية الخطابية إلى تجريد المستهدف من رأس المال الرمزي الذي يحميه داخل المجال الاجتماعي، بما يضعف قابلية التعاطف معه، ويهيئ شروط تقبل عقابه—سواء تمثل في الاعتقال أو الإقصاء أو حتى التصفية. وضمن هذا الإطار، تصبح الجريمة السياسية قابلة للتطبيع الاجتماعي، حيث يُعاد تأطيرها كفعل ضروري لحماية الدولة، لا كانتهاك للحقوق أو الحريات.

وتُعدّ اللغة السياسية القائمة على منطق “الضرورة” أحد أخطر أدوات هذا البناء الخطابي، إذ يتم ربط القمع مباشرة بمفاهيم الأمن القومي والاستقرار العام، بحيث يُعاد تفسير أي شكل من أشكال المعارضة بوصفه تهديدًا وجوديًا للدولة، خاصة في سياقات الأزمات أو النزاعات. وبهذا، يتحول الصمت تجاه الانتهاك إلى موقف مُعاد إنتاجه كواجب وطني، بينما يُنظر إلى الاعتراض بوصفه انحرافًا عن الإجماع المفترض.

وقد شهد هذا الدور الإعلامي تحولًا نوعيًا في العصر الرقمي، حيث لم يعد مقتصرًا على التبرير أو التوجيه، بل امتد ليشمل التعتيم الممنهج وإنتاج “الجريمة بالصمت”. ففي حالات الاختفاء القسري أو الانتهاكات داخل السجون، يضطلع الإعلام بدور مزدوج: إخفاء الوقائع من جهة، وإعادة توجيه انتباه الجمهور نحو قضايا بديلة من جهة أخرى، بما يحد من تشكل رأي عام ضاغط أو مساءلة جماعية.

وعليه، لا يعود الإعلام مجرد وسيط لنقل الخبر، بل يتحول إلى جهاز لإنتاج العدو وإعادة تعريفه باستمرار، بما ينسجم مع حاجات السلطة في إدارة الصراع السياسي. وبهذا المعنى، يغدو جزءًا بنيويًا من منظومة الاستبداد، لا يقل تأثيرًا عن الأجهزة الأمنية والقضائية، في ترسيخ شروط استمرار الجريمة السياسية وإعادة إنتاجها داخل المجال العام.

تدويل الجريمة: غزو العراق ونماذج الهيمنة الإقليمية

لا تقتصر الجريمة السياسية في العالم العربي على الفاعلين المحليين، بل تمتد لتتشكل داخل شبكة معقدة من التأثيرات والتدخلات الدولية التي تعيد إنتاج السلطة والقمع على نطاق أوسع من الدولة الوطنية. وفي هذا الإطار، يُعد غزو العراق سنة 2003 أحد أبرز التحولات المفصلية في تاريخ الجريمة السياسية المعولمة، حيث تجسدت فيه أنماط العنف السياسي الدولي في أكثر صورها حدّة وتدميرًا. فلم يكن التدخل العسكري مجرد عملية إسقاط لنظام سياسي قائم، بل شكّل فعلًا حربيًا أدّى إلى تفكيك بنية الدولة، وإعادة إنتاج الفضاء السياسي على أسس الانقسام والفوضى، بما فتح المجال أمام موجات متتالية من العنف الطائفي والسياسي.

وقد أسهم هذا التدخل في ترسيخ تصور خطير مفاده أن القوة العسكرية تمثل المصدر الحاسم لإنتاج الشرعية السياسية، وهو ما انعكس لاحقًا على مستوى الإقليم، حيث وفّر ذريعة إضافية للأنظمة القائمة لتشديد قبضتها الأمنية تحت شعار مواجهة الفوضى وعدم الاستقرار الناتج عن التدخل الخارجي. وبهذا المعنى، لم يكن الغزو حدثًا معزولًا، بل لحظة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة ومعايير الشرعية في المنطقة.

كما يتجلى بعد تدويل الجريمة السياسية في البنية العلائقية بين القوى الكبرى والأنظمة الإقليمية، حيث تُمنح شرعية سياسية ضمنية أو دعم دبلوماسي مشروط مقابل ضمان المصالح الاستراتيجية، سواء تعلق الأمر بتدفق الموارد أو الحفاظ على التوازنات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، يصبح التغاضي عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو توفير غطاء سياسي لها في المنابر الدولية، شكلًا من أشكال التواطؤ غير المباشر في إعادة إنتاج الجريمة السياسية.

وقد أفضى هذا الواقع المركب إلى شعور متزايد لدى الفاعلين السياسيين في المنطقة بأنهم محاصرون بين منظومتين متداخلتين من الهيمنة: قمع داخلي مؤسسي من جهة، وضغوط وتوازنات دولية غير متكافئة من جهة أخرى. هذا الانسداد البنيوي أسهم في تآكل الثقة في المنظومة الحقوقية الدولية، وأدى في بعض الحالات إلى انزياحات نحو أشكال من الراديكالية السياسية، باعتبارها رد فعل على انسداد أفق التغيير السلمي وغياب سند دولي فعّال للمطالب الديمقراطية.

تحولات البنية القمعية: من محاكم الاستثناء إلى ترسانة تشريعات مكافحة الإرهاب

في ظل تصاعد الضغوط الحقوقية الدولية، لم تتجه العديد من الدول العربية إلى تفكيك البنى الاستثنائية للقضاء، بل اعتمدت استراتيجية إعادة التكييف القانوني بدل الإلغاء الجذري. فقد جرى استبدال محاكم أمن الدولة بأطر تشريعية جديدة أكثر مرونة من حيث الشكل، أبرزها قوانين مكافحة الإرهاب، التي مثلت انتقالًا من الاستثناء القضائي الصريح إلى الاستثناء المقنن داخل المنظومة القانونية ذاتها.

وقد شهد مفهوم الإرهاب توسعًا لافتًا في هذا السياق، حيث لم يعد محصورًا في الأفعال العنيفة ذات الطابع المادي، بل امتد ليشمل طيفًا واسعًا من الممارسات السياسية والفكرية، بما في ذلك أشكال التعبير المعارض أو النقد العلني لسياسات الدولة ورموزها. ويكمن جوهر هذه التحولات في إعادة تعريف الفعل السياسي المعارض باعتباره تهديدًا أمنيًا، بما يسمح بإدراجه ضمن خانة الجريمة الإرهابية.

وتتجلى خطورة هذا التحول في كونه يمنح السلطة السياسية غطاءً مزدوجًا: داخليًا يقوم على شرعنة القمع قانونيًا، وخارجيًا يستند إلى إجماع دولي واسع حول مكافحة الإرهاب. وبهذا المعنى، يصبح تصنيف المعارض بوصفه “إرهابيًا” أداة فعالة لنزع الشرعية عنه، وتبرير ملاحقته وقمعه ضمن إطار يبدو قانونيًا ومقبولًا على الصعيد الدولي.

وعليه، لم تعد الجريمة السياسية تُمارس خارج القانون، بل باتت تُرتكب باسمه، عبر إعادة توظيف النصوص التشريعية وتوسيع دلالاتها بما يخدم منطق السلطة، وهو ما يمثل ذروة التحول في هندسة القمع القانوني داخل السياق العربي.

الخاتمة

تكشف هذه الدراسة أن الجريمة السياسية في العالم العربي لا يمكن اختزالها في ممارسات قمعية متفرقة أو في انحرافات عابرة عن المبدأ القانوني، بل ينبغي فهمها بوصفها بنية متكاملة تتأسس داخل منطق تشكّل الدولة وآليات إنتاج الشرعية السياسية. فمن خلال التداخل بين الإرث الفقهي القائم على منطق الغلبة، والامتدادات الكولونيالية للدولة الحديثة، تبلور نموذج سلطوي قادر على إعادة إنتاج ذاته عبر منظومة متعددة المستويات، تشمل العنف المؤسسي، والتشريع الاستثنائي، والضبط الإعلامي والرمزي.

وقد أظهرت التحولات المعاصرة، خصوصًا في ظل الثورة الرقمية وتدويل أدوات المراقبة والقمع، أن هذه البنية لم تتراجع، بل أعادت إنتاج نفسها بصيغ أكثر مرونة وتعقيدًا، ما جعل من القمع عملية أقل كلفة سياسيًا وأكثر فاعلية من حيث الانتشار والاختراق. ونتيجة لذلك، لم تعد الجريمة السياسية مجرد أداة ظرفية لإدارة الأزمات، بل تحولت إلى جزء من البنية العميقة للعقل السياسي الحاكم، الذي ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع وفق منطق الاستمرارية لا الانقطاع.

وعليه، فإن أي مقاربة تحليلية جادة لا يمكن أن تكتفي بالإدانة الأخلاقية أو التوصيف القانوني، بل ينبغي أن تتجه نحو تفكيك الشروط البنيوية التي تسمح بإعادة إنتاج هذه الظاهرة. إن الانتقال من منطق “الاستثناء” إلى منطق “البنية” لا يمثل مجرد تحول منهجي، بل هو شرط معرفي أساسي لفهم ديناميات القمع، ولبناء أفق تفكير يتجاوز إعادة إنتاج نفس آليات الهيمنة بأشكال مختلفة.

يتبع…

شارك هذا الموضوع

عبد الواحد غيات

باحث في العلاقات الدولية والجيوسياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!