خلف قضبان النسيان.. الإنسانية المفقودة في “قطار الحياة”

خلف قضبان النسيان.. الإنسانية المفقودة في “قطار الحياة”

 حياة بوسالم الهاشمي

       من خلال مسرحية “قطار الحياة”، تقدم الكاتبة حياة شريف رؤية إنسانية عميقة للحياة وما تحمله من أفراح وأحزان وتقلبات قد تغيّر مصير الإنسان في لحظة واحدة. وقد اختارت عنوان “القطار” للدلالة على أن الحياة رحلة طويلة يمر فيها الإنسان بمحطات مختلفة، منها ما هو سعيد ومشرق، ومنها ما هو مؤلم وصعب.

تسعى الكاتبة إلى تسليط الضوء على فئة المشردين الذين غالباً ما يُنظر إليهم نظرة سطحية دون معرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى وضعهم. فبطل المسرحية لم يكن شخصاً مهمشاً منذ البداية، بل كان أستاذاً يعيش حياة مستقرة مع أسرته، قبل أن يفقد زوجته وابنته في حادث مأساوي، مما تسبب له في صدمة نفسية قوية أدت إلى فقدان ذاكرته وتشرده في الشوارع. ومن خلال هذه الشخصية تؤكد الكاتبة أن أي إنسان قد ينهار فجأة أمام قسوة الظروف مهما كان مستواه الاجتماعي أو العلمي. كما تدعو الكاتبة إلى عدم إصدار الأحكام المسبقة على الآخرين، لأن كل إنسان قد يخفي وراء مظهره البسيط قصة ألم ومعاناة.

لذلك تحث المسرحية على التعامل مع الناس بإنسانية واحترام وتفهم، بعيداً عن السخرية أو الإقصاء أو اللامبالاة. ومن بين الرسائل الأساسية أيضاً أهمية التضامن الاجتماعي، حيث تجسد شخصية كنزة قيم الرحمة والإحسان والعطاء، إذ لم تتجاهل معاناة العجوز، بل ساعدته ورافقته في رحلة العلاج واسترجاع ذكرياته. ومن خلال ذلك تؤكد الكاتبة أن المجتمع لا يمكن أن يكون متماسكاً إلا بالتكافل والتعاون بين أفراده.

كما تولي المسرحية أهمية كبيرة للصحة النفسية، حيث تبين أن الآلام النفسية قد تكون أشد تأثيراً من الجروح الجسدية، وأن الإنسان يحتاج إلى دعم نفسي ومساندة ليتمكن من تجاوز الصدمات واستعادة توازنه. وتبرز المسرحية كذلك قيمة الوفاء والعرفان بالجميل، إذ تكتشف كنزة في النهاية أن الرجل الذي كانت تساعده هو أستاذها القديم، ورغم وفاته فإنها ظلت وفية له ورافقتها مشاعر الاحترام والتقدير حتى لحظة وداعه.

وفي الختام، تؤكد الكاتبة حياة شريف من خلال “قطار الحياة” أن الحياة مليئة بالتقلبات، وأن كل إنسان يستحق الرحمة والتفهم قبل الحكم عليه، وأن التضامن والوفاء والاهتمام بالصحة النفسية هي قيم أساسية لبناء مجتمع إنساني متماسك.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!