حين تتحول المدينة إلى متاهة وتصير القطط مرآة للإنسان

حين تتحول المدينة إلى متاهة وتصير القطط مرآة للإنسان

عائشة بوزرار

       ليست الرواية الجيدة تلك التي تكتفي بسرد الحكايات، وإنما التي تدفع القارئ إلى إعادة النظر في العالم من حوله. ومن هذا المنطلق، تأتي رواية “قطط مدينة الأرخبيل” للروائي المغربي إسماعيل غزالي بوصفها تجربة سردية تتجاوز حدود الرواية البوليسية أو الواقعية التقليدية، لتبني عالما روائيا قائما على الغموض والرمز والتأويل. إنها رواية تجعل من المدينة بطلا موازيا للشخصيات، ومن القطط لغة خفية لفهم الإنسان، ومن الفن مدخلا لطرح أسئلة أخلاقية ووجودية معقدة.

منذ الصفحات الأولى للرواية، يدخل القارئ في متاهة سردية تتشابك فيها الوقائع مع الأحلام، والذاكرة مع الحاضر، والحقيقة مع الوهم. هذا التشابك هو جزء من رؤية الكاتب لعالم لم يعد فيه الوصول إلى الحقيقة أمرا يسيرا،  وأصبح كل شيء قابلا للشك وإعادة التأويل.

تكمن أولى نقاط القوة في الرواية في طريقة تقديم المكان، فالمدينة ليست مجرد فضاء تتحرك فيه الشخصيات، وإنما كائن حي يمتلك ذاكرته وأسراره ومزاجه الخاص: الأزقة القديمة والبحر والريح والمباني العتيقة والظلال التي تغلف الشوارع.. جميعها عناصر تسهم في تشكيل الحالة النفسية للشخصيات. تبدو المدينة وكأنها تعرف أكثر مما تقوله، وتخفي أكثر مما تكشف، حتى يشعر القارئ بأنها تتحكم في مصائر من يسكنها بقدر ما يسكنونها هم.

إن اختيار الكاتب لمدينة الأرخبيل ليس اعتباطيا، فالأرخبيل بطبيعته مجموعة جزر متفرقة يجمعها البحر ويفصل بينها في الوقت نفسه، ونفس الشئ بالنسبة للشخصيات أيضا، فهي متجاورة في المكان لكنها معزولة داخليا تبحث عن التواصل فلا تجد سوى المزيد من العزلة. من ثمة يمكن اعتبار الأرخبيل استعارة لحالة الإنسان المعاصر الذي يعيش وسط الآخرين لكنه يظل أسيرا لوحدته وأسئلته.

أما القطط، فإن حضورها في الرواية يتحول إلى رمز متعدد الدلالات.. فهي كائنات مستقلة عصية على الترويض تتحرك في صمت وتظهر وتختفي دون مقدمات. إنها تمثل الحرية والغموض والهشاشة والقدرة على النجاة، كما تعكس طبيعة الشخصيات التي يصعب الإمساك بها أو إصدار أحكام نهائية عليها. ولا يكتفي إسماعيل غزالي بتوظيف الرمز فقط ولكنه يبني شبكة كاملة من الأسئلة الفلسفية، فالرواية لا تسأل من ارتكب الجريمة فقط، وإنما تسأل أيضا: كيف يمكن للإنسان أن يخفي حقيقته خلف أقنعة الجمال؟ وهل يستطيع الفن أن يكون وسيلة للخداع بقدر ما هو وسيلة للإبداع؟

تتجسد هذه الأسئلة من خلال شخصية الرسام الذي يتحول من فنان يفترض فيه البحث عن الجمال إلى شخصية غامضة تثير الشكوك، حيث ينجح الكاتب في كسر الصورة النمطية للفنان بوصفه رمزا للنقاء، فيعمد إلى تقديم شخصية مركبة تتداخل فيها الرغبة والطموح والأنانية والخوف. مثلما يصبح المرسم فضاء ملتبسا، لا يُعرف فيه أين ينتهي الإبداع وأين تبدأ الجريمة، في إشارة إلى أن الإنسان قادر على إخفاء أكثر جوانبه ظلمة خلف أكثر الواجهات إشراقا.

ومن الجوانب اللافتة أيضا في الرواية، حضور المرأة التي تظهر وهي تحمل دلالات رمزية تتجاوز أدوارهن السردية.. إنهن يمثلن الحرية والإغواء والغموض، ويحضرن في النص بوصفهن شخصيات يصعب امتلاكها أو فهمها بصورة كاملة. لذلك تبدو العلاقة بين الرجل والمرأة في الرواية قائمة على الاقتراب والابتعاد، وعلى الرغبة والخوف في آن واحد، وهو ما يمنح النص بعدا نفسيا عميقا.

على المستوى الفني، يعتمد الكاتب على بنية سردية غير خطية تتداخل فيها الأزمنة وتتقاطع الذكريات مع الوقائع، فلا يعود الماضي منفصلا عن الحاضر ولا يصبح الحلم بعيدا عن الواقع. وتهدف هذه التقنية إلى تمثيل الاضطراب الداخلي للشخصيات، والتأكيد أن الزمن النفسي أكثر حضورا من الزمن الكرونولوجي.

أما اللغة، فتتميز بكثافة شعرية واضحة، دون أن تقع في الزخرفة المجانية، عبرها يعتمد الكاتب على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الصورة أكثر من الشرح، فيترك للقارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى. وهذه إحدى أهم مزايا الرواية.. فهي لا تقدم تفسيرا نهائيا للأحداث، ولكنها تجعل كل تأويل ممكن ومشروع.

ويحمل عنوان الرواية بدوره قيمة رمزية كبيرة، فالجمع بين “القطط” و”مدينة الأرخبيل” يخلق منذ البداية حالة من الغموض تدفع القارئ إلى البحث عن العلاقة بين العنصرين، ومع التقدم في القراءة يتضح أن القطط ليست سوى وجه المدينة الآخر، والذي هو انعكاس لدواخل الشخصيات، فيتحول العنوان إلى مفتاح يختصر فلسفة الرواية كلها.

تأسيسا على ما سبق، لا يمكن قراءة “قطط مدينة الأرخبيل” باعتبارها رواية تشويق أو جريمة فحسب، إنها نص يختبر الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم، وبين الإنسان وأقنعته. إنها رواية ترفض تقديم أجوبة جاهزة، وتسعى أن تترك قارئها محاطا بالأسئلة، وهو ما يمنحها قيمة أدبية تتجاوز متعة الحكاية إلى متعة التفكير.

لقد نجح إسماعيل غزالي في تشييد عالم روائي يزاوج بين الواقعية والغرائبية ويجعل من المدينة فضاء رمزيا، ومن القطط استعارة للحرية والغموض، ومن الفن مرآة تعكس هشاشة الإنسان وتعقيداته. وهو ما حقق للرواية فرادتها داخل المشهد الروائي المغربي المعاصر باعتبارها نصا يراهن على العمق الفكري بقدر ما يراهن على جماليات السرد، ويؤكد أن الأدب الحقيقي لا يمنح القارئ اليقين، إنما يدعوه إلى البحث الدائم عنه.

شارك هذا الموضوع

عائشة بوزرار

كاتبة وباحثة مغربية في مجال الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!