من عرفات إلى السنوار: عندما يصنع الرمز وعياً جديداً لفلسطين

من عرفات إلى السنوار: عندما يصنع الرمز وعياً جديداً لفلسطين

شاطر الكبيرة

في السياسة، لا تنتصر الأفكار بالقوة وحدها. أحياناً يكفي “شخص واحد” وموقف واحد ليعيد كتابة علاقة ملايين البشر بقضية كاملة. هذا ما حدث في الانتقال من ياسر عرفات إلى يحيى السنوار.

1- البروباغندا و”سهولة” الخضوع

الإنسان بطبعه يبحث عن التبسيط. والبروباغندا تشتغل على هذه النقطة بالضبط. تختزل قضية عمرها قرن في شعار، وتربطها بعدو جاهز.

هكذا تم توظيف مصطلح “معاداة السامية” خارج سياقه. لم يعد إدانة للعنصرية، بل صار أداة لإسكات أي صوت ينتقد الاحتلال. وهكذا انتعشت “اللوبيات الصهيو-إنجيلية” في أمريكا، متحالفة مع خطاب “الماكا” الذي صوّر ترامب كمخلّص. مشهد “التعميد” أمام الكاميرات في البيت الأبيض لم يكن صدفة. كان محاولة لصبغ السياسة بلون “التدين الدولاري”، حتى لو كان الثمن دماء مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين اختُزلوا إلى مجرد “وقود للأرباح”.

النتيجة؟ مخيال جمعي مسجون داخل تأويلات جاهزة. والجماهير إما مؤيدة عن عمى، أو صامتة عن خوف.

2- عرفات: رمز الدولة والشرعية

لأكثر من 4 عقود، كان ياسر عرفات هو وجه القضية. أحبه الملايين وآمنوا بـ”فتح” كمخلصة للأرض والشجر. كان رمز مرحلة سياسية محددة: مرحلة منظمة التحرير، المقاومة الدبلوماسية، إعلان الدولة، واتفاقيات أوسلو.

عرفات لعب مناورات سياسية لن يكررها أحد. وضع القضية الفلسطينية على طاولة الأمم المتحدة. لكنه اشتغل داخل معادلات إقليمية ودولية قاسية: ضربات “سنة الخليج”، انقسامات البيت العربي، وصعود خطاب “الإرهاب” بعد 11 شتنبر.

اليوم، كثيرون لا ينكرون ما قام به. لكن التاريخ لا يقاس فقط بالإنجازات، بل أيضاً بالظروف التي تحيط بها.

3- السنوار: رمز الكرامة الإنسانية

هنا تأتي المفارقة. لم يكن يحيى السنوار هو الأقوى عسكرياً، ولا هو الأكثر قدرة على تعبئة الأنظمة العربية الرسمية التي بقيت متفرجة على شعب يموت جوعاً وعطشاً وقهراً.

لكن السنوار فعل شيئاً آخر: منح المقاومة معنى.

الصورة الأخيرة له، وهو مسجى على التراب وعصاه في يده، واجه بها جيشاً يقصف المستشفيات ويسرق الرضع. لم تكن تلك مجرد صورة. كانت رسالة.

تلك العصا لم تحرك البندقية فقط. حركت “الضمير الإنساني”. جعلت شاباً في جامعة هارفارد، ولاعباً في ملعب أوروبي، وامرأة في الرباط، يشعرون أن هذه قضيتهم أيضاً.

فجأة، لم تعد فلسطين قضية “عرب وإسرائيليين”. صارت قضية “ظالم ومظلوم”.

4- المفارقة الكبرى: تغير الإنسان لا القضية

المقاومة لم تتغير. العلم الفلسطيني لم يتغير. التاريخ لم يتغير.

الذي تغير هو الإنسان.

رأينا الكوفية تعتلي أعناق مختلف الأعمار في لندن وباريس ونيويورك. رأينا رايات فلسطين ترف في الملاعب رغم ضغوط اللوبي. رأينا أرشيفات مصورة تفضح ما كان مخفياً لعقود.

حتى الخطاب تغير. لم يعد السؤال: “هل للفلسطينيين حق في دولة؟”

أصبح السؤال: “هل من حق أي إنسان أن يقتل طفلاً ويهدم مدرسة بذريعة الدين أو الأمن؟”

هنا سقطت حجة “معاداة السامية” كسلاح لإسكات الضمير. لأن الناس فهموا أن حب الإنسان وكرامته هو امتداد طبيعي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الخاتمة: انتصار الرمز

أعظم انتصار حققه الرمز هو أنه غيّر الأهداف.

عرفات جعل العالم يعترف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

السنوار جعل العالم يعترف بحق الإنسان في أن يعيش بكرامة، حتى تحت القصف.

ليس لأن الجماعة مسؤولة عن مواقف الفرد. بل لأن الرمز، حين يصدق ويصعد إلى ذروة الحضور الوجداني، يترفع عن تمثيل نفسه. يصبح شعاع أمل.

من هنا جاءت أغرب انتفاضات الوعي الإنساني في القرن 21: جماهير بالملايين أحبت قضية لم تكن تعني لها شيئاً من قبل، فقط لأنها رأت فيها “إنساناً” يشبهها.

وذلك هو الدرس: في زمن البروباغندا، الصورة الصادقة أقوى من ألف بيان.

شارك هذا الموضوع

الكبيرة شاطر

ناشطة سياسية ونقابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!