رحيل المفكر السويسري جان زييغلر.. محامي إنسان الجنوب وصديق الثوار

رحيل المفكر السويسري جان زييغلر.. محامي إنسان الجنوب وصديق الثوار

ناصر السوسي

      الأستاذ جان زييغلير JEAN ZIEGLER  (1934- 2026) السوسيولوجي، والمفكر السويسري المرموق، صديق قادة الحركات التحررية في مجتمعات الجنوب. جان زييغلر رفيق المثقفين الأحرار في قارة العذاب البشري، إفريقيا، على حد تعبير الراحل الدكتور المهدي المنجرة.

ليس ممكنا تصفح أي عمل من أعمال الأستاذ جان زييغلر JEAN ZIEGLER الخبير الأممي في معضلات الجوع ومستتبعاته الكارثية على العنصر البشري، والمختص في مسأليات التخلف الشمولي وتداعياته على الإنسان والمجتمعات، وقضايا التأخر التاريخي عن الركب الحضاري دون أن نعثر على إحالات أدبية أخاذة ومعبرة، أو على اقتباسات قوية من نصوص تفيض شجوا، وأسىً على مصائر الشعوب الرازحة تحت إسار الاستعمار الجديد(=LA RECOLONISATION): ناظم حكمت، بابلو نيرودا، فيكتور خارا…أو مقولات عميقة تسائل القارئ الحصيف يوردها الراحل جان زييغلر لقادة تاريخيين من عيار: المهدي بنبركة، أميلكار كابرال زعيم حركة النضال الوطني في جزر الرأس الأخضر وغينيا بيساو، الشيخ آنطا ديوب السينغالي، أو قوامي نيكروما KWAME N’KRUMAH الغاني، باتريس لومومبا PATRICE LUMUMBA، أو أحمد سوكارنو ACHMAD SUKARNO، أو لجواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر، أو سالفادور آليندي ALLENDE ، وساموري توري ولكثير غيرهم..

جان زييغلر الذي رأى النور عام 1934 بضواحي مدينة بيرن BERNE السويسرية لم يضع قلمه على الرف، ولم ينكفىء إلى الوراء رغم تقدمه في العمر إلا في هاته اللحظة الحزينة. فقد ظل هذا المثقف الشامع عصيا على التدجين، طفق غير مهادن للعقل الأمبريالي رافضا لغواية الحرب LA TENTATION DE MARS التي جنحت إليها حضارة الموجة الثالثة حسب تعبير الأستاذ غسان سلامة. ظل هذا السوسيولوجي محافظا على حيويته، ونضارة فكره التي يحركها شغفه بالإنسان، ويوجهها انهمامه بمشاغل المجتمعات، ورفضه للسلطويةبمختلف أوجهها وتجلياتها، ومدافعا عن إنسان الجنوب على وجه الخصوص من أجل الحرية، والديموقراطية، والعدالة، والمساواة والعيش الكريم.

 ظل جان زييكلير، كما عودنا، مفكرا مجددا، مقتنعا بقيم التنوير، مشبعا بالنظر الفكر الجدلي مسخرا في ذلك قلمه السيال لمجابهة ثقافة الاستعمار الجديد، ومختلف تمظهرات الأمبريالية، وكل أشكال الظلم، واستغلال الشعوب ومحاولة استعبادها، ثم من أجل مجابهة صنوف القهر، والجبروت، والتسلط المفرط( SUR-POUVOIR) والغلبة

 التي انبصمت اليوم بصبغة العولمة بما هي صيغة أخرى من صيغ تسلط الغرب على البقية”.. ويبدو لي، إلى حد ما، أن كل هذا يعد محصلة موضوعية للحروب الطاحنة التي شهدها الكوكب الأزرق: الحرب العالمية الأولى، فالثانية، ومحصلة أيضا لعبثية الأنظمة الشمولية، والنزاعات الإثنية الدموية، فضلا عن التطورات التكنولوجية الهائلة كما الأبحاث، والإنجازات العلمية الرامية إلى الحفر في أصل تشكل الكون COSMOGONIE، إلى جانب تنامي مسلكيات التمامية بشتى صنوفها، والميل إلى التطرف، والتشدد جراء تخثر الفكر وتجذير المواقف والارتباط المرضي بالهويات القاتلة..

فقد مكنت الكوكبية الكاسحة من يسميهم جان زييغلر بأسياد العالم الجدد LES NOUVEAUX MAÎTRES DU MONDE من إلغاء الزمان والمكان، والدفع بقوة باتجاه ظاهرة التنميط، وأحادية النظر، وعملت على حمل الناس على تبني قيم واحدة، ولغة مشتركة هي لغة المال، والسوق، والتسابق نحو الربح بكل الوسائل المتاحة، وأسعفت على الاستهلاك اللامحدود، وتأزيم الاقتصادات الهشة لدول-الرعاية عقب الاستقلالات السياسية.. الشيء الذي أدى بجان زييغلر إلى وسم هاته العولمة الشاملة ب”رأسمالية القتلة “جراء تدميرها لنمط الدولة اليعقوبية، وتحطيمها لكافة التضامنات الاجتماعية، والسياسية، وإجهازها على الرأسمال البشري.

شارك هذا الموضوع

ناصر السوسي

باحث وشاعر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!