حرب الدبلومات والمنح: مَن يخشى الجامعة الروسية؟
د. زياد منصور
لم تعد الجامعة في عالم اليوم فضاءً للعلم وحده، ولم تعد المنحة الدراسية مجرد مساعدة لطالب متفوّق، كما لم يعد الدبلوم ورقةً أكاديمية تُقاس قيمتها بما تعلّمه صاحبها فحسب. ففي زمن الاستقطاب الدولي المتصاعد، عادت الجغرافيا السياسية لتدخل الجامعات من أبوابها الواسعة، وأصبح التعليم أحد أكثر ميادين القوة الناعمة تأثيرًا وأطولها عمرًا.
ولبنان نموذج مثالي لفهم هذه الظاهرة. فمنذ عقود طويلة، تتنافس فيه مدارس وجامعات ومراكز ثقافية ومنح فرنسية وأميركية، وبريطانية، وروسية، وغيرها. وقد ترك هذا التنافس أثره في تكوين النخب اللبنانية وفي الوجهات التعليمية التي يختارها اللبنانيون، كما في الصورة التي يحملونها عن قيمة هذه الشهادة أو تلك.
لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: من يختار الطلاب الذين يحصلون على المنح؟ ولماذا هؤلاء تحديدًا؟ وهل المنحة فعلًا فرصة تعليمية محايدة، أم أنها أيضًا استثمار سياسي وثقافي طويل الأمد؟
المنحة ليست بريئة من السياسة
ليس في ذلك اكتشاف جديد. فالدول الكبرى تعاملت تاريخيًا مع التعليم باعتباره إحدى وسائل بناء النفوذ.
فقد استثمر الاتحاد السوفييتي بقوة في تعليم طلاب آسيا وأفريقيا والعالم العربي، خصوصًا منذ الخمسينيات والستينيات. ولم يكن الهدف مجرد تقديم خدمة تعليمية مجانية، بل إعداد أطباء ومهندسين وعلماء وكوادر ونخب لدول حديثة الاستقلال، وبناء شبكة بشرية تربط تلك المجتمعات بموسكو. وكانت الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية حاضرة بقوة.
فالأحزاب الشيوعية واليسارية والقومية وشبكات الصداقة مع الاتحاد السوفييتي كانت من القنوات المهمة للحصول على فرص الدراسة. وفي لبنان تحديدًا، تكشف الدراسات التاريخية أن موسكو لم تكن تتعامل مع المجتمع اللبناني بوصفه كتلة واحدة، بل كانت واعية تمامًا لتركيبته السياسية والقومية والطائفية.
حصل أرمن لبنانيون على منح للدراسة في أرمينيا السوفييتية، كما كان للدروز حضور عبر العلاقة مع الحزب التقدمي الاشتراكي وكمال جنبلاط، إلى جانب الحضور الواضح للشيوعيين واليساريين.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود جدول سوفييتي للمحاصصة الطائفية، لكنه يعني شيئًا لا يقل أهمية: الدولة المانحة كانت تعرف مع من تتعامل، وفي أي بيئة تستثمر، وأي شبكة اجتماعية أو سياسية يمكن أن ينتجها هذا الاستثمار بعد عودة الطالب.
ولم ينتهِ هذا المنطق بانتهاء الاتحاد السوفييتي.
حرب المنح في لبنان
لا يمكن مناقشة توزيع المنح الأجنبية في لبنان وكأننا نتحدث عن مجتمع لا طوائف فيه ولا أحزاب ولا مناطق نفوذ.
فالشكوى من عدم التوازن في الاستفادة من المنح موجودة، وكذلك الاعتقاد بأن بعض الدول تتمتع بعلاقات أقوى مع جماعات لبنانية دون غيرها.
تاريخيًا ارتبطت فرنسا بعلاقات وثيقة مع المسيحيين، ولا سيما الموارنة، ومع المؤسسات التعليمية الفرنكوفونية والكاثوليكية. والولايات المتحدة بنت منذ القرن التاسع عشر حضورًا تعليميًا بدأ إلى حد كبير عبر الإرساليات البروتستانتية ثم توسع لاحقًا إلى فضاءات لبنانية أوسع بكثير. أما الاتحاد السوفييتي فارتبط تاريخيًا بالشيوعيين واليسار وبعض القوى القومية، وأقام، كما سبقت الإشارة، علاقات تعليمية مع شبكات أرمنية ودرزية أيضًا.
أما روسيا الحالية فقد تبدلت خريطة علاقاتها في لبنان، وأصبحت بيئات سياسية واجتماعية شيعية أكثر حضورًا في علاقاتها السياسية والثقافية من السابق.
لكن هنا ينبغي التمييز بين وجود علاقة سياسية مع جماعة وبين إثبات منح هذه الجماعة حصة تفضيلية من المنح الدراسية.
هناك انطباعات وشكاوى ومؤشرات تستحق البحث، لكن لا توجد بيانات منشورة كافية تسمح لنا بأن نقول علميًا إن روسيا تخصص منحها للشيعة، أو فرنسا للمسيحيين، أو الولايات المتحدة للمسيحيين والشيعة، أو أن بريطانيا توزع منحها وفق معادلة طائفية محسوبة. وهذه ليست مشكلة صغيرة. بل ربما يكون غياب البيانات نفسه جزءًا من المشكلة.
فالدول المانحة تتحدث عن التنوع والقيادة والتفوق والحاجة الاجتماعية والتوزيع الجغرافي، لكن اللبنانيين لا يستطيعون عادة معرفة الخريطة الاجتماعية والمناطقية الكاملة للمستفيدين.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال الاتهامي: «أي طائفة تأخذ أكثر؟»، بل السؤال الأكثر جدية:
لماذا لا تكون عملية توزيع المنح أكثر شفافية؟
إذا كانت المنح توزع بعدالة، فإن نشر التوزيع الجغرافي والاجتماعي والمؤسساتي للمستفيدين سيبدد الشكوك. وإذا ظهر اختلال، يصبح من الممكن مناقشته بالأرقام بدل الشائعات.
السفارة لا تمنح العلم فقط… بل تبني شبكة
من الخطأ أيضًا الاعتقاد بأن الدولة تنتهي علاقتها بالطالب بمجرد دفع الرسوم.
بريطانيا، مثلًا، تختار عبر برامجها الكبرى أشخاصًا يمتلكون قدرات قيادية وتأثيرًا محتملًا، ثم تحافظ على التواصل معهم من خلال شبكات الخريجين.
والولايات المتحدة تستثمر منذ عقود في برامج التبادل والتعليم والقيادات الشابة والمجتمع المدني، وتربط التعليم ببناء شبكات طويلة الأمد.
وفرنسا تمتلك في لبنان منظومة واسعة تتجاوز المنحة نفسها: مدارس فرنكوفونية، وجامعات وشراكات أكاديمية، ومعهدًا فرنسيًا، وCampus France، وبرامج تبادل ومنح وشبكات ثقافية.
وروسيا بدورها تقدم منحًا حكومية وتستخدم مؤسساتها الثقافية والتعليمية وشبكات خريجي الاتحاد السوفييتي وروسيا. إذن المسألة ليست سرًا ولا مؤامرة.
هذه هي القوة الناعمة
الدولة تستثمر في إنسان قد يصبح بعد عشرين سنة أستاذًا، أو طبيبًا، أو قاضيًا، أو وزيرًا، أو ضابطًا، أو إعلاميًا، أو رجل أعمال. وسيحمل معه معرفة بلغة تلك الدولة وثقافتها وشبكة علاقات فيها وتجربة شخصية معها.
ومن هنا تصبح المنحة استثمارًا طويل الأجل في النخب.
الطالب الفقير… الغائب الأكبر عن النقاش
لكن هناك بُعدًا آخر أكثر أهمية بالنسبة إلى لبنان، وهو البعد الاجتماعي. فالحديث عن الدراسة في الخارج يجري أحيانًا كما لو أن جميع العائلات اللبنانية قادرة على الاختيار بحرية بين باريس ولندن وموسكو وواشنطن.
وهذا بعيد عن الواقع.
تكاليف الدراسة والإقامة في عدد كبير من الجامعات الغربية أصبحت مرتفعة جدًا بالنسبة إلى الأسرة اللبنانية المتوسطة، فكيف بالعائلات محدودة الدخل؟
وهنا تكتسب روسيا أهمية مختلفة.
فالدراسة في روسيا أقل كلفة نسبيًا في عدد كبير من الجامعات والمدن، كما أن الدولة الروسية تقدم سنويًا منحًا حكومية للطلاب الأجانب، بمن فيهم اللبنانيون.
وهذه الفرصة لا ينبغي النظر إليها فقط من زاوية العلاقات الروسية–اللبنانية. إنها أيضًا نافذة للحراك الاجتماعي.
فطالب متفوق من عكار، أو البقاع، أو الجنوب، أو طرابلس، لا تستطيع أسرته تحمل تكاليف جامعة غربية، قد يجد في منحة روسية طريقًا إلى الطب، أو الهندسة، أو الفيزياء، أو غيرها من الاختصاصات.
ومن هنا تصبح أي حملة غير علمية لتشويه الدبلوم الروسي — إن وجدت — مسألة تتجاوز السياسة الخارجية؛ لأنها قد تؤثر في خيارات فئات اجتماعية لا تمتلك أصلًا العدد نفسه من البدائل.
لماذا يتعرض الدبلوم الروسي للنقد؟
لا ينبغي الدفاع عن التعليم الروسي بطريقة عاطفية. فروسيا نفسها عرفت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي توسعًا كبيرًا في التعليم الجامعي، وانتشرت الجامعات الخاصة والمقاعد المدفوعة، وتفاوت مستوى المؤسسات، وتضخمت أعداد الخريجين في بعض الاختصاصات.
وهذه مشكلات حقيقية ناقشها الروس أنفسهم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الوقائع إلى حكم واحد على جميع الجامعات الروسية.
ليس منطقيًا أن نقيس جامعة روسية عريقة في الرياضيات، أو الفيزياء، أو الهندسة، أو الطب بالمقياس نفسه الذي نقيس به مؤسسة جامعية ضعيفة، تمامًا كما لا يجوز اعتبار كل جامعة بريطانية ممتازة لأنها بريطانية، أو كل جامعة فرنسية عظيمة لأنها فرنسية، أو كل جامعة أميركية في مستوى هارفرد أو MIT .
قيمة الشهادة تبدأ باسم الجامعة والبرنامج ومستوى التدريس والبحث العلمي، لا بجواز سفر الدولة التي أصدرتها.
لماذا لا تنعكس القوة العلمية الروسية دائمًا على صورة الدبلوم؟
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عندها. فروسيا ليست دولة هامشية في تاريخ العلوم، ولا يمكن قياس جامعاتها بمعزل عن البيئة العلمية والتكنولوجية التي تعمل داخلها. فمن الرياضيات والفيزياء والفضاء والطاقة النووية والهندسة إلى علوم المواد والتقنيات البحرية والقطبية والطب والتكنولوجيا الحيوية، ما تزال روسيا تمتلك مدارس علمية ومؤسسات بحثية وقدرات تقنية يصعب تجاهلها.
وفي السنوات الأخيرة وحدها، برزت التجربة الروسية في تطوير لقاح Sputnik V لمواجهة جائحة كوفيد-19، بالتوازي مع العمل على تقنيات علاجية ولقاحات شخصية مناعية ضد بعض أنواع السرطان. كما تستمر روسيا في برامج الفضاء والطاقة النووية وكاسحات الجليد النووية واستكشاف القطب الشمالي وأعماق البحار والطيران والصناعات الهندسية والتقنيات العسكرية والمدنية المتقدمة.
ولا يعني ذكر هذه الإنجازات أن كل جامعة روسية ممتازة، أو أن كل برنامج روسي متفوق على نظيره الغربي. فهذا سيكون تكرارًا للخطأ نفسه الذي ننتقده عندما يُفترض تفوق أي شهادة لمجرد أنها غربية.
لكن السؤال المشروع هو: كيف يمكن لدولة تمتلك هذه القاعدة العلمية والتكنولوجية أن تُختزل شهاداتها أحيانًا في صورة نمطية أدنى من الشهادة الغربية؟
جزء من الجواب روسي داخلي بلا شك: التوسع غير المنضبط في التعليم العالي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفاوت مستويات الجامعات، وانتشار بعض البرامج المدفوعة الضعيفة، ومشكلات تعليم اللغة والإرشاد بالنسبة إلى بعض الطلاب الأجانب. لكن الجزء الآخر خارجي ولا ينبغي تجاهله.
فمنذ سنة 2022 خصوصًا، أصبحت الجامعات والمؤسسات العلمية الروسية تعمل في بيئة دولية تتسم بالعقوبات والعزل المؤسسي وتعليق شراكات أكاديمية وعلمية مع مؤسسات غربية وتقليص برامج التبادل والتمويل والتعاون البحثي. ولذلك لم تعد سمعة الدبلوم الروسي تُصنع بالمعيار العلمي وحده؛ بل دخلت الجغرافيا السياسية بقوة في تحديد قدرة الجامعة والشهادة والباحث على الحركة الدولية.
وهنا ينبغي قلب السؤال: إذا كان برنامج في الفيزياء أو الرياضيات أو الهندسة في جامعة روسية يتفوق علميًا ومؤسساتيًا على برنامج مماثل في جامعة غربية أقل مستوى، فلماذا ينبغي أن تكون الشهادة الغربية أكثر قيمة تلقائيًا؟
اسم الدولة ليس معيارًا أكاديميًا
إن التصنيفات الدولية نفسها تكشف خطأ التعميم. فهناك جامعات روسية تحتل مواقع دولية متقدمة وتتجاوز في بعض التصنيفات العامة أو التخصصية عددًا كبيرًا من الجامعات الغربية، ولا سيما في الرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية وبعض المجالات الهندسية. ومن ثم لا يجوز مقارنة «روسيا» بـ«الغرب» باعتبارهما جامعتين؛ بل ينبغي مقارنة جامعة بجامعة، وبرنامج ببرنامج، واختصاص باختصاص.
وهذا الأمر أكثر أهمية في لبنان والشرق الأوسط. فليس صحيحًا أن مجرد كون الجامعة خاصة، أو فرنكوفونية أو أنغلوسكسونية، يجعل مستواها العلمي أعلى من جامعة روسية كبرى. هناك جامعات روسية عريقة تستطيع، بحسب التصنيف والمعيار والتخصص، أن تتقدم على جامعات خاصة معروفة في المنطقة، كما توجد جامعات غربية وشرق أوسطية تتقدم بدورها على جامعات روسية كثيرة.
المعيار يجب أن يكون الجودة، لا الهوية الجغرافية للشهادة
لكن ثمة مشكلة أخرى في لبنان لا تقل أهمية عن الاعتراف بالدبلوم، وهي أن سياسة الابتعاث نفسها لا ترتبط بما يكفي بحاجات سوق العمل اللبناني.
فما الفائدة من إرسال عشرات الطلاب سنويًا إلى تخصص معين إذا كان لبنان ينتج أصلًا أعدادًا تفوق حاجة السوق من خريجي هذا التخصص؟
ولماذا لا توجه المنح إلى الاختصاصات التي يعاني لبنان نقصًا فيها أو التي يمكن أن تكون أساسًا لاقتصاد جديد: التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، هندسة الطاقة، العلوم النووية للأغراض السلمية، الزراعة الحديثة، إدارة المياه، الصناعات الغذائية، الجيولوجيا، علوم البحار، النقل، الرياضيات التطبيقية وغيرها؟
هنا ينبغي أن تتغير فلسفة المنحة جذريًا.
لا نبدأ بالسؤال: كم منحة أعطتنا روسيا، أو فرنسا، أو بريطانيا، أو الولايات المتحدة؟ بل: ماذا يحتاج لبنان، ثم أي دولة وأي جامعة هي الأفضل لتدريس هذا الاختصاص؟
وعلى وزارة التربية والتعليم العالي والجامعات اللبنانية ونقابات المهن والقطاع الاقتصادي أن تشترك في إعداد خريطة وطنية لحاجات سوق العمل لخمس أو عشر سنوات مقبلة. وبناء عليها يمكن توجيه الابتعاث الخارجي.
فإذا احتاج لبنان، مثلًا، إلى اختصاص تمتلك روسيا فيه مدرسة عالمية قوية، تكون الأولوية للجامعات الروسية الأفضل فيه. وإذا كان الاختصاص نفسه أقوى في فرنسا، أو بريطانيا، أو الولايات المتحدة، أو ألمانيا، يُرسل الطالب إلى هناك.
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك: ربط الجامعات اللبنانية بالجامعات الأجنبية بحسب نقاط القوة، لا بحسب الولاء الثقافي التقليدي.
فيمكن لجامعة لبنانية أن تنشئ برنامجًا مشتركًا مع جامعة روسية في الرياضيات أو الفيزياء أو الطاقة، ومع جامعة فرنسية في مجال تتفوق فيه فرنسا، ومع جامعة بريطانية أو أميركية في مجال آخر، ومع جامعة صينية في التكنولوجيا أو الهندسة.
عندها تتحول السياسة التعليمية اللبنانية من سياسة محاور إلى سياسة مصالح علمية.
بعد 2022: الجامعة تدخل الحرب
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا سنة 2022، أصبحت المسألة أكثر وضوحًا. لقد تعرضت المؤسسات الأكاديمية الروسية إلى عزل واسع في الغرب. توقفت برامج تعاون وتمويل، وعُلقت علاقات بين جامعات، وتضررت مشاركة روسيا في هياكل أكاديمية أوروبية.
هذا واقع لا يمكن إنكاره. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين مقاطعة مؤسسة روسية سياسيًا وبين القول إن العلم الذي تنتجه أصبح بلا قيمة.
كما أن هناك فارقًا بين تعليق التعاون مع جامعة روسية وبين إلغاء الاعتراف بشهادة خريجيها.
فالعالم يستطيع أن يفرض عقوبات على دولة، لكنه لا يستطيع أن يقرر أن معادلة رياضية أصبحت خاطئة لأن صاحبها روسي.
ولا تصبح مدرسة في الفيزياء ضعيفة في شباط 2022 إذا كانت قوية في كانون الثاني من العام نفسه. لكن العزل السياسي يستطيع أن يفعل شيئًا آخر: يخفض قابلية الشهادة للحركة الدولية.
فعندما تقل برامج التبادل والمختبرات المشتركة والشراكات والدرجات المزدوجة والمؤتمرات والتمويل، يصبح انتقال الطالب والباحث بين المؤسسات أصعب.
وهنا ينبغي أن نسأل: هل تراجعت القيمة العلمية للدبلوم الروسي، أم تضررت قيمته الجيوسياسية والتسويقية؟
وهل الدبلوم الغربي في أفضل حالاته؟
المفارقة أن النقاش حول «قيمة الشهادة» لا يقتصر على روسيا.
ففي بريطانيا يدور منذ سنوات نقاش رسمي حول تضخم الدرجات الجامعية، بعد الارتفاع الكبير في نسب الطلاب الحاصلين على أعلى التصنيفات.
وقد بدأت النسب تتراجع في السنوات الأخيرة، لكن المشكلة كانت كبيرة بما يكفي لكي تتدخل هيئة تنظيم التعليم العالي وتراقبها. وفي فرنسا تختلف المشكلة.
فالتوسع الهائل في التعليم الجامعي جعل الشهادة أقل ندرة. وأصبح الحصول على الإجازة أو الماستر لا يضمن تلقائيًا المكانة المهنية التي كان يمنحها في زمن كان فيه عدد حاملي الشهادات أقل بكثير.
وتظهر بيانات التشغيل الفرنسية نفسها تفاوتًا كبيرًا بين الاختصاصات في فرص الاندماج في سوق العمل. وهذا يقود إلى ظاهرة عالمية: تضخم الشهادات.
فحين يصبح عدد حملة الشهادات كبيرًا، يحتاج الفرد إلى شهادة أعلى للحصول أحيانًا على الوظيفة نفسها التي كان الجيل السابق يدخل إليها بشهادة أدنى.
وهذا لا يعني انهيار التعليم الفرنسي أو البريطاني.
لكنه يعني أن عبارة «شهادة فرنسية» أو «شهادة بريطانية» لم تعد كافية للحكم على قيمتها.
السؤال الصحيح أصبح: من أي جامعة؟ وفي أي اختصاص؟ وما مستوى البرنامج؟
وهو السؤال نفسه الذي ينبغي طرحه على الدبلوم الروسي.
روسيا تعود إلى الصرامة؟
المثير في التجربة الروسية الحالية أن الدولة تبدو مدركة لبعض المشكلات التي أنتجها التوسع الجامعي بعد التسعينيات.
فلقد بدأت موسكو تضبط بصورة أكبر القبول المدفوع، وتحاول ربط أعداد الطلاب بحاجات سوق العمل، مع تركيز متزايد على الهندسة والرياضيات والفيزياء والمعلوماتية والطاقة والتخصصات التقنية. ويتزامن ذلك مع تشدد أكبر في شروط الاستمرار داخل الجامعة.
وهنا نصل إلى ظاهرة فصل الطلاب، بمن فيهم الطلاب الأجانب. فارتفاع الفصل لا يعني تلقائيًا ارتفاع الجودة. فإذا كان الطالب يفشل بسبب ضعف السنة التحضيرية أو سوء تعليم اللغة الروسية أو غياب الإرشاد أو مشكلات الإدارة، فالمشكلة في الجامعة بقدر ما هي في الطالب.
أما إذا كان الفصل نتيجة عدم تحقيق متطلبات أكاديمية واضحة وعادلة، فإن الأمر يصبح مختلفًا.
فالجامعة التي يدخلها الجميع ويتخرج منها الجميع ستجد صعوبة في المحافظة طويلًا على قيمة شهادتها.
ومن هنا قد يكون جزء من السياسة الروسية الحالية محاولة لاستعادة الانتقائية والصرامة اللتين أضعفهما التوسع الجامعي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لكن الحكم على نجاح هذه السياسة يحتاج إلى سنوات.
المفارقة: روسيا تريد المزيد من الأجانب
في الوقت الذي تتشدد فيه الجامعات، تريد روسيا زيادة عدد الطلاب الأجانب بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة. وهنا تقع أمام تحدٍ حقيقي.
كيف تستقطب الطالب ثم تجعله يشعر بأنه عبء؟
كيف تجذبه بمنحة ثم تتركه أمام مشكلة اللغة، والإدارة، والهجرة، وحده؟
وكيف تقنع عائلته بقيمة الدبلوم الروسي إذا لم تستثمر في شرح هذه القيمة في بلده؟
ففرنسا لا تنتظر الطالب اللبناني حتى يصل إلى باريس. لديها شبكة تعليمية وثقافية تبدأ من المدرسة.
وبريطانيا تمتلك أدواتها الثقافية وبرامجها وشبكات خريجيها. والولايات المتحدة بنت خلال أكثر من قرن منظومة تعليمية وثقافية واسعة في المنطقة.
أما روسيا، فرغم وجود آلاف الخريجين اللبنانيين من جامعات الاتحاد السوفييتي وروسيا، لم تستثمر دائمًا هذه الثروة البشرية بالكفاءة نفسها.
وهنا ربما توجد المشكلة الروسية الحقيقية: فروسيا تمتلك تعليمًا قويًا في قطاعات مهمة، لكنها أضعف من منافسيها في صناعة السمعة لهذا التعليم.
ليست كل قيمة في الدبلوم علمية
ينبغي إذن التمييز بين أربع قيم للشهادة: القيمة العلمية: ماذا يعرف الخريج؟
القيمة الأكاديمية: ما مقدار الصرامة المطلوبة للحصول على الشهادة؟
القيمة المهنية: ماذا تمنحه في سوق العمل؟
القيمة الدولية: إلى أي مدى يستطيع حاملها العمل ومتابعة الدراسة والتنقل بها عالميًا؟
وقد تتفوق جامعة في واحدة وتضعف في أخرى.
وهنا نفهم المفارقة: يمكن لطالب أن يتلقى تكوينًا شديد الصرامة في الرياضيات أو الفيزياء أو الهندسة في جامعة روسية ممتازة، لكن شهادته تواجه حركة دولية أصعب بسبب الوضع الجيوسياسي.
وفي المقابل قد يستفيد خريج جامعة غربية متوسطة من قوة العلامة التعليمية للدولة واللغة وشبكات الخريجين وسوق العمل الدولي.
إذن القيمة العلمية والقيمة السوقية للشهادة ليستا شيئًا واحدًا.
من يراقب «حرب المنح»؟
نعود أخيرًا إلى لبنان. لا يمكن مطالبة فرنسا، أو روسيا، أو الولايات المتحدة، أو بريطانيا بأن تتخلى عن مصالحها. الدول لا تقدم ملايين الدولارات من دون رؤية سياسية وثقافية لموقعها في العالم.
لكن من حق لبنان أن يحمي مصلحة طلابه.
وأولى الخطوات إنشاء منصة وطنية موحدة للمنح الخارجية، تنشر فيها جميع المنح الحكومية الأجنبية الأساسية، وشروطها، ومواعيدها، ونتائجها.
وثانيها إلزام برامج المنح التي تمر عبر المؤسسات الرسمية اللبنانية بنشر تقرير سنوي يوضح عدد المتقدمين والمقبولين بحسب المناطق والمدارس والجامعات والاختصاصات والجنس والوضع الاقتصادي، من دون تحويل الدولة إلى جهاز لتسجيل الانتماء المذهبي للمواطنين.
عندها نستطيع معرفة ما إذا كان هناك اختلال مناطقي واجتماعي حقيقي بدل تبادل الاتهامات.
أما الخطوة الثالثة فهي وضع قاعدة بيانات لبنانية واضحة ومحدثة للجامعات الأجنبية المعترف بها وبرامجها.
فالطالب الذي يقرر السفر إلى موسكو، أو باريس، أو لندن، أو أي مكان آخر يجب أن يعرف قبل دفع دولار واحد ما شروط معادلة شهادته عند العودة.
أما الخطوة الرابعة هي الفصل بين السياسة والعلم.
ينبغي أن تقيس لجنة المعادلات الجامعة والبرنامج وعدد سنوات الدراسة والحضور والمستوى العلمي والتدريب العملي، لا العلاقة السياسية بين لبنان والدولة التي درس فيها الطالب.
والخطوة الخامسة، والأهم اجتماعيًا، هي إنشاء صندوق وطني للابتعاث يستهدف المتفوقين من الأسر محدودة الدخل والمناطق الأقل استفادة من المنح.
فلا يجوز أن يصبح حق اللبناني في التعليم الجيد رهين السفارة التي تعرفه أو الحزب الذي ينتمي إليه أو الشبكة الاجتماعية التي وُلد داخلها.
وعلى روسيا أيضًا مسؤولية إذا أرادت منافسة الغرب تعليميًا: المزيد من الشفافية في منحها، وتحسين السنة التحضيرية وتعليم الروسية، ومتابعة الطالب الأجنبي أكاديميًا، وإنشاء شبكة حقيقية لخريجي الجامعات الروسية في لبنان، وتقديم معلومات واضحة باللغة العربية عن جامعاتها ومستوياتها والاعتراف بشهاداتها.
الجامعة ليست سفارة
ليس العيب أن تستخدم الدول التعليم قوةً ناعمة. فقد فعل الاتحاد السوفييتي ذلك، وتفعله روسيا وفرنسا وبريطانيا، والولايات المتحدة، والصين، وغيرها.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المنحة إلى قناة مغلقة لإعادة إنتاج شبكات النفوذ، وعندما يصبح الانتماء السياسي أو الاجتماعي أقوى من الاستحقاق، أو تصبح جنسية الدبلوم أهم من محتواه العلمي.
والأخطر أن تتحول الحرب السياسية إلى حرب على المعرفة.
فإذا كانت هناك جامعة روسية ضعيفة، ينبغي القول إنها ضعيفة وإثبات ذلك.
وإذا كانت هناك جامعة فرنسية أو بريطانية أو أميركية ضعيفة، ينبغي تطبيق المعيار نفسه عليها.
أما منح شهادة قيمة مرتفعة لأنها «غربية»، أو تخفيض قيمتها لأنها «روسية»، فليس تقييمًا أكاديميًا؛ إنه موقف سياسي يرتدي ثوب العلم.
وفي المقابل، لا ينبغي لروسيا أن تختبئ خلف تاريخها العلمي الكبير لتتجاهل مشكلات جامعاتها الحالية. فالإرث السوفييتي لا يكفي وحده لضمان الجودة، كما أن إنجازات روسيا العلمية لا تعفي جامعاتها من واجب تحسين معاملة الطالب الأجنبي ومتابعته.
والحل بالنسبة إلى لبنان ليس الانضمام إلى معسكر في مواجهة آخر.
الحل أن يستفيد من الجميع وفق معيار واحد: أفضل تعليم، بأعلى مستوى علمي، وبأقل عبء ممكن على الطالب والأسرة، وفي إطار من الشفافية والعدالة.
فالطالب الفقير الذي يستطيع دراسة الهندسة في موسكو بمنحة ليس أقل حقًا في الفرصة من الطالب القادر على دفع تكاليف الدراسة في لندن أو باريس أو الولايات المتحدة.
والطالب الذي يحمل دبلومًا روسيًا لا ينبغي أن يدفع ثمن حرب لم يقررها، كما أن حامل الدبلوم الغربي لا ينبغي أن يحصل على امتياز لمجرد اسم الدولة المكتوب على شهادته.
في النهاية، تستطيع الدول أن تختلف، وأن تتنافس، وأن تفرض العقوبات، وأن تخوض حروبها الباردة والساخنة.
لكن الجامعة ليست سفارة، والدبلوم ليس بيانًا سياسيًا، والطالب ليس جنديًا في معركة النفوذ بين الدول.
وعندما تصبح جنسية المعرفة أهم من قيمتها، لا تكون روسيا، أو فرنسا، أو بريطانيا، أو الولايات المتحدة هي الخاسر الأكبر.
الخاسر الحقيقي يكون العلم نفسه.
