عرس الوفاء لمحمد باهي: ثلاثة عقود على الغياب والإرث في رحاب الجامعة

عرس الوفاء لمحمد باهي: ثلاثة عقود على الغياب والإرث في رحاب الجامعة

عبد الرحيم التوراني

بهو المكتبة الوطنية بالرباط يشهد عرس تلاقح الأجيال حول التراث الفكري لصاحب “رسالة باريس”

       في الرابع من يونيو سنة 1996 ترجّل عن صهوة الحرف والكلمة أحد أبرز أعمدة الصحافة والفكر في المغرب والعالم العربي، الكاتب والصحفي الكبير محمد باهي حرمة. واليوم وبعد مرور ثلاثين سنة على ذلك الرحيل يقف رفاقه ومعارفه وقراؤه مأخوذين بـمنطق الوقت الذي مرّ سريعا كطيف.. لكن الأهم أنهم يجدون أنفسهم أمام حقيقة ساطعة.. باهي لم يغب يوما عن الواجهة ولا عن تفاصيل الأحداث، وكأن حبره لم يجف قط. ذكره الطيب ما زال غضا على الألسنة، ومقالاته وتحليلاته الرصينة، ولا سيما صفحته الأسبوعية الشهيرة “رسالة باريس” التي كان ينتظرها القراء بشغف، ما تزال تنبض بالحياة وتلقن الدروس في العمق السياسي والاستشراف الفكري.

تاريخ الاحتفاء بمحمد باهي هو تاريخ من الوفاء الصادق الذي تقوده “حلقة أصدقاء محمد باهي”، هذه الحلقة الفريدة التي تأسست في باريس، أسبوعا واحدا بعد وفاته في يونيو 1996، متجاوزة الحدود الجغرافية والسياسية لتضم نخبة من رفاقه وأصدقائه من المغرب والجزائر وفرنسا والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين…

وإذا كان الاحتفاء بالذكرى العشرين للراحل قد احتضنته قاعة  وكالة المغرب العربي للأنباء بالرباط وشهد حضورا وازنا من داخل الوطن وخارجه، فإن الذكرى الثلاثين هذا العام اختارت فضاء أكثر رحابة ودلالة، حيث التأم المحتفون يوم السبت الأخير (13 يونيو 2026) في القاعة الكبرى للمكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالعاصمة الرباط، في ندوة علمية تكريمية كبرى حملت عنوان: “التراث الفكري للصحافي المغربي محمد باهي حرمة في مختبر الباحثين الشباب”.

بودرقة.. حارس الذاكرة 

لا يمكن الحديث عن استمرار إرث محمد باهي دون التوقف إجلالا أمام اسم المحامي والأستاذ المناضل امبارك بودرقة (عباس). إنه العراب الأكبر الذي يعود إليه الفضل العظيم في استمرار شعلة باهي متقدة، فلم يكن بودرقة مجرد صديق، بل كان رفيق التنظيم السياسي وشريك المنافي السحيقة ورفيق العمر.

الأستاذ امبارك بودرقة عباس محاطا ببعض الطلبة الباحثين المشاركين في مؤلف "عودة الروح"
الأستاذ امبارك بودرقة عباس محاطا ببعض الطلبة الباحثين المشاركين في مؤلف “عودة الروح”

حمل بودرقة على عاتقه وصية ثقيلة وثمينة ألقاها على عنقه الروائي العربي الكبير الراحل عبد الرحمن منيف، الذي أوصى وهو على فراش الموت بضرورة جمع تراث باهي وتقديمه للأجيال، مؤكدا آنذاك بعبارته الاستشرافية: “سنكتشف باهي ميتا”..  وانكبّ بودرقة بتفان مذهل على الاعتكاف وتجميع ما نشره باهي في الصحافة الاتحادية بالخصوص، لتثمر هذه الجهود المضنية خمس مجلدات في مرحلة أولى، قبل أن يتوج هذا المسار الطويل اليوم ببلوغ الإرث المجمع جزأه العاشر. ويروي بودرقة بكثير من التأثر أنه عندما حمل المجلدات الخمسة الأولى إلى صديق باهي، المؤرخ الجزائري المشهور محمد حربي، سأله الأخير عن الجهة التي طبعت هذا العمل الضخم، صعق حربي وأدمعت عيناه حين علم أن الأمر يتعلق بمجهود شخصي وفردي خالص من بودرقة.

في بهو المكتبة الوطنية يوم السبت الأخير، بدا بودرقة كعادته حارسا أمينا، كان يرتدي لباسا أنيقا، واقفا كأنه صاحب عرس ـ وكان حقا عرسا للوفاء والفكر ـ يستقبل الوافدين بحبور وسعادة غامرة بما أنجزه وينجزه في حق صديقه التاريخي، متحدثا لوسائل الإعلام بنبرة ملؤها الفخر بمسار باهي “العصامي الفريد” الذي تألق في كبريات الصحف الوطنية والعربية.

في مقابل هذا الوفاء النبيل، لم تخلُ أجواء الحفل من غصة عتاب سجلها الحاضرون، فبينما كان المرء يتلفت في قاعة الحفل بالمكتبة الوطنية يفتش عن وجوه تقود اليوم “الاتحاد الاشتراكي” وصحافته ـ وهي الحاضنة السياسية والإعلامية التاريخية للراحل ـ لم يجد لهم أثرا… غابوا كليا ولم يقدموا أي شيء للمحافظة على ذكرى باهي، بل ولم يكلفوا أنفسهم عناء الحضور ولو من باب الفضول.

هذا الغياب لا يحمل خلفه أية أسرار في حاجة إلى التفكيك، بعدما جرى تفكيك الحزب وسيطر عليه من نسميهم دائما بـ”قتلة باهي”.. وأجزم لو كان محمد باهي معنا اليوم لأنكرهم وتبرأ منهم…

غير أن هذا الجفاء الحزبي لم يفسد عرس الوفاء، إذ غصت القاعة بالرفاق والأصدقاء المخلصين والمناضلين وقامات الفكر الذين رفضوا التخلف عن موعد التاريخ.

 باهي في مختبر الجامعة المغربية

تميزت الذكرى الثلاثين هذه السنة بمنعطف حاسم وتاريخي، تمثل في إدخال محمد باهي رسميا إلى رحاب الجامعة المغربية، ليتجاوز سياق القراءة العامة إلى رحاب المرجعية التاريخية والتوظيف العلمي الأكاديمي..

هذا المشروع قاده المؤرخ والأستاذ الجامعي المتميز الطيب بياض، الذي أشرف على تأطير ماستر بحثي انصب على دراسة تراث باهي الصحفي والفكري، بمشاركة فريق من الطلبة الباحثين الشباب من الإناث والذكور.

المحصلة العلمية لهذا المختبر الأكاديمي تمثلت في صدور كتاب رصين وعميق يحمل عنوانا دالا: “عودة الروح.. التراث الفكري لمحمد باهي في مرآة الخلف”. ويضم هذا المؤلف الجماعي، الذي نسقه الأستاذ بياض، أبحاثا ومساهمات لزهاء عشرين باحثا وباحثة من الشباب الذين ولد معظمهم بعد وفاة الراحل، وجاؤوا ليعيدوا قراءة أعماله ويستجلوا راهنية أفكاره ومواقفه تجاه القضايا السياسية والفكرية الراهنة.

الطلبة الباحثون المشاركون في مؤلف "عودة الروح..." مع الأستاذ المؤرخ الطيب بياض
الطلبة الباحثون المشاركون في مؤلف “عودة الروح…” مع الأستاذ المؤرخ الطيب بياض

في تصريح له أكد الأستاذ الطيب بياض أن هذا الكتاب يمثل مبادرة ثقافية أساسية تروم صيانة الذاكرة الفكرية والإعلامية لقامة مغربية مرموقة، عبر مد الجسور بين جيل الرواد والجيل الجديد، والارتقاء بهذا التراث الاستثنائي ليصبح مادة للأطاريح والمشاريع النقدية. من جهتهم، أجمع المتدخلون في الندوة على أن فكر محمد باهي ما يزال رغم مرور ثلاثة عقود، يحتفظ بقدر كبير من الحيوية والقدرة على الإضاءة والتوجيه في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم.

اختتمت هذه الفعالية الفكرية المتميزة، التي تندرج ضمن الأنشطة السنوية لـ”حلقة أصدقاء باهي”، بلقطة رمزية بالغة الدلالة، حيث تم تكريم الباحثين الشباب المشاركين في إنجاز كتاب “عودة الروح”، احتفاء بإسهامهم الجاد في صون هذا الإرث الفكري والتعريف به.

لقد أثبتت الذكرى الثلاثون لرحيل محمد باهي أن الجسد قد يغيب، لكن “الروح” تعود دائما طالما أن هناك رفاقا يملكون وفاء كوفاء امبارك بودرقة، وأكاديميين يملكون بصيرة الطيب بياض، وشبابا باحثين يتلمسون طريق المستقبل بقراءة صفحات “رسالة باريس” وملاحم باهي الفكرية.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!