تولوز والزاوية: أطياف الذاكرة وروح الضيافة عند السمرقندي

تولوز والزاوية: أطياف الذاكرة وروح الضيافة عند السمرقندي

المعطي قبال

       منذ سنتين، حين أصدرتُ دراستي عن بيير لوتي وغراسيان غايتان كليرامبو عن دار توبقال، دعاني محمد حبيب السمرقندي إلى إحدى حلقاته الثقافية-الفكرية لتقديم الكتاب وتداول الرأي حول تيماته ومواضيعه. وقد حرص على إضفاء طابع حميمي على اللقاء، فدعا مجموعة من أصدقائه من الأساتذة الجامعيين، والفنانين، والصحافيين وغيرهم.

بعد اللقاء الذي تخللته وصلات موسيقية على العود أداها الفنان العوّاد مارك لوبيوت وقراءات لشذرات من الكتاب، كان العشاء الذي وفره السمرقندي مشكلاً من وجبات ذات أصول تعددية: مغربية، شرقية، وآسيوية. وتأسف لكونه لم يُحضر وجبته الشهيرة التي يعد أحد متخصصيها، ألا وهي “الطنجية المراكشية!”.

كانت الزيارة خاطفة لكن صداها بقي راسخاً في الذكرى وفي القلب، لأن مثل هذا الفعل يترجم روح الضيافة التي قال عنها جاك دريدا بأنها “تتطلب الاستقبال الشامل للآخر من دون طلب لاسمه أو هويته…”.

لم يتسنّ لي آنذاك زيارة الزاوية الواقعة في بيته والتي يتردد عليها كتاب وشعراء وفنانون وباحثون جامعيون، وأقام بها العديد منهم. هذا الأسبوع، الذي شهد كسوف الشمس، ثم تلاه عيد صعود المسيح، والظرفية هنا مثقلة بالعديد من الرموز، دعاني السمرقندي رفقة زوجتي إلى قضاء عطلة نهاية الأسبوع ببيته أثناء سفره وعائلته في جولة إلى بعض مناطق الجنوب العميق. قلت إنها فرصة لزيارة مدينة تولوز الزهراء بعيون أخرى والتعرف خاصة على فضاء السمرقندي وعائلته، وبالأخص الزاوية والكتب واللوحات الفنية وأعداد مجلة “آفاق مغاربية” التي أشرف عليها ونشطها بحماسة وشغف.

الزاوية / دار الضيافة

إن سُمي الفضاء بالزاوية فإنه عُرف أيضاً بـ”دار الضيافة”، وهي التسمية التي أطلقها عليه الكاتب إدمون عمران المالح عام 1994، وكانت المقابل بمعنى ما للزاوية المصلوحية الواقعة بالحي الشهير الذي تقطنه العائلة ويحتضن ضريح الولي سيدي بن سليمان الجزولي، صاحب كتاب “دلائل الخيرات”.

من بين الفنانين المغاربة الذين عرضوا أعمالهم بمدينة تولوز ونزلوا بالزاوية نذكر: عمر بوركبة، خليل الغريب، حسان بورقية، عبد الرحيم يامو، والقائمة طويلة ومنشورة بالعدد 33-34 من مجلة “آفاق مغاربية”. ومن بين الشخصيات التي أقامت أو زارت الزاوية نذكر: محمد القاسمي، الفقيدة ليلى شهيد وزوجها محمد برادة، خوان غويتيسولو، زكية داوود، عبد اللطيف اللعبي، الأستاذ عبد الرحيم برادة، عبد الكبير الخطيبي، عمر أقلعي، بيرت فلينت، محمد المهدي الكنسوسي، رشيد عوس، مارك لوبيات، بنات مراكش، مجموعة كناوة، مجموعة أمنزو للملحون وغيرهم كثير.

تلعب اللوحات الفنية المعروضة على الجدران والكتب الموزعة بين الأدراج والرفوف دور المرآة الصقيلة، موحية بأن المكان محج فكري وروحي يقرب الغياب من الحضور، الأنا من الآخر.

تولوز، ثقافة جنوبية مثخنة بنور الشمس

تولوز، التي يلقبها الفرنسيون La Ville Rose، ليست مجرد مدينة للطيران والفضاء، بل هي عاصمة ثقافة جنوبية شمسية بامتياز. سميت وردية لأن كل واجهاتها مبنية من الآجر الطيني المطبوخ الذي يتحول إلى وردي برتقالي عند الغروب. من Tolosa الرومانية، إلى تجارة نبتة الوسمة Pastel، إلى عاصمة أوكسيتانية، إلى مدينة الرغبي والبنفسج، وصولاً إلى Airbus و CNES، ظلت تولوز تحافظ على تناقضها الخلاق بين الذاكرة والحداثة.

الثقافة الميريديونالية الثقافة هنا هي ثقافة الميدي، كما تصفها المراجع الجامعية: “على مفترق الثقافة الميريديونالية وتأثيرات خارجية متعددة”. اللغة الأوكسيتانية حاضرة عبر دليل رسمي تصدره بلدية تولوز كباب مفتوح على اللغة. نهر الغارون Garonne هو الشريان، والشمس والاحتفالية والدفء هي السمات التي تجعلها، حسب وصف السياحة الرسمية، “مدينة يحلم كثير من الفرنسيين بالعيش فيها”. هي مدينة كلود نوغارو، مدينة تخلط بين الحجر الوردي وصوت الرغبي في ملعب تولوزان.

بورتريه: محمد حبيب السمرقندي، الممر بين الضفتين

محمد حبيب السمرقندي، مغربي الأصل، بسيكوسوسيولوجي وأنثروبولوجي، دكتور في الأنثروبولوجيا التاريخية للظاهرة الصوفية. أستاذ بجامعة تولوز 2 جان جوريس، رئيس مشروع قطاع “ثقافات العالم” في مركز المبادرات الفنية للميراي CIAM. اشتهر بإدارته لمجلة Horizons Maghrébins – الحق في الذاكرة، التي أسسها سنة 1984 في تولوز طلبة باحثون من بلدان المغرب. المجلة التي نعرفها باسم “آفاق مغاربية” احتفلت بثلاثين سنة، 69 عدداً، وأكثر من 70 هيئة جامعية مشتركة.

يقول السمرقندي: “مصداقيتنا مبنية على وضوح أهدافنا: تقوية الروابط التاريخية بين أبناء المغرب، وترك لغة الخشب. قرر المؤسسون تسجيل معركتهم في الفضاء الأقل تلوثاً بالإيديولوجيا: الجامعي.”

أهم إسهاماته: الشخصيات المتوسطية (خوان غويتيسولو، إدمون عمران المالح)، الفن (الخطاط نجا المهداوي 1996)، الشفهي والتراث (الحكواتيون)، الموسيقى (المغرب والجزائر)، التصوف (ابن عربي وميشيل شودكييفيتش)، ذاكرة الموريسكيين (طرد 310.000 سنة 1609)، والذاكرة الشفهية للمقاومة (17 ساعة مع مولاي عبد السلام الجبلي 2014).

تولوز بالنسبة للسمرقندي لم تكن مجرد جامعة، بل مختبر تعايش من حي الميراي الشعبي المتعدد. هو نموذج المثقف المغربي الذي حول المنفى المشمس إلى جسر بين آجر تولوز الوردي وزليج فاس، وبين شعر التروبادور الأوكسيتاني والملحون.

شارك هذا الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!