أدوات وأشكال التنويع السردي في قصص “أستروجين ودهشات الكرز”

أدوات وأشكال التنويع السردي في قصص “أستروجين ودهشات الكرز”

عبد النبي بزاز

         تنقسم قصص “أستروجين ودهشات الكرز ” للشاعرة والقاصة التونسية سلوى القلعي إلى ثلاثة أقسام؛ قسم أول نصوصه من جنس القصة القصيرة، والقسم الثاني الموسوم بـ”دهشات الكرز”، ونصوصه أقصر من النصوص السابقة، بينما القسم الثالث نصوصه قصيرة جدا.

وتقوم هذه القصص على بناء سردي يعتمد أهم عناصر القصة من شخوص، ووصف، وحوار، ومونولوغ، واسترجاع. فمنذ النص الأول “أستروجين” تطالعنا شخصية شاكر الطّراز، وبسمة، وما يميز كل منهما من ميولات تختلف عن الآخر، فعلى مستوى الشروط التي كان يحب شاكر توفرها في المرأة مثل كبر النهدين وهو ما تفتقر إليه زوجه بسمة، وحب كرة القدم، وهو ما لا تميل له أيضا. ورغم تقدمها في السن ظلت مخلصة لبيتها، وأطفالها وشغلها: “هي مسنة لكن عفية، لا يذكر مرة أنه لاحظ عليها تعبا أو انهيارا. كانت تعمل في المشفى بدوامين أحيانا من أجل تكاليف الدراسة والرياضة للأولاد. بل أكثر من ذلك، كانت تقوم ببعض أعمال الرجال… كانت بسمة رجالا كثرا ونساء في واحدة… ” ص8، وظلت داعمة له ومهتمة به حين تقدم به العمر، وتكالبت عليه الأمراض دون كلل أو ملل إلى أن قضى نحبه في مشهد اختتمت به القصة: “كان شاكر الطّراز ملقى على الإسفلت كخروف ذبيح وقد تسرب مستنقع دم صغير تحت أنفه وأذنيه… ” ص12، وثريا الأرملة وحسن السباك في قصة “سباك سيء السمعة”، وما آلت إليه العلاقة بينهما من ممارسة حميمية انجذبت إليها رغم ما أبدته من تحفظ في البداية، وانتهت قصتهما ،بعد علاقة قصيرة، حين انصرف تاركا ورقة َضَّمنها طبيعة ما جمعهما من أوقات: “لا تأخذي قصص السباك محمل جد ولا حب حتى لا يزيد من أعطابك. ” ص 17، والتي لا يمكن أن تتحول إلى حب يخلق لها مشاكل عاطفية لا تقوى على تحمل عواقبها وتبعاتها، وشخصية راضية ،وخالتي منانة ، وسيرين  بنت عم قويدر، ومحمد ، ومحمد الشرطي ، ولويدجيو ورجاء في نص ” فافاني الوشّامة ” ، إلى آخر نص من المجموعة  موسوم ب “رجل  الأعطاب” وشخصية الرجل العانس الذي يصطاد ضحاياه من الفتيات على فيسبوك وأنستغرام، وما أصابه من حيرة وارتباك تَوَلّد عن فراغ خلّفه ضياع هاتفه، وتَعَطُّل حاسوبه مما حذا به أن يطلب من أمه البحث عن عروس لا تملك حسابا على الفيسبوك للقطع مع حياة الخداع والرياء، وولوج  غمار حياة جديدة  ينعم فيها بالصدق والطمأنينة والاستقرار. وما يميز العلاقة بين بعض شخصيات نصوص المجموعة من خاصيات كما هو الحال بين معتز وسهى في قصة “ثورة داخل الحمام”، فحرص سهى على النظام داخل البيت، ونظافة كل مرافقه ، والحفاظ على ترتيب محتوياتها، عجز معتز عن الالتزام به والانضباط له مما حرك غضبه وضجره فأسر لنفسه: “أنت تخشاها يا معتز، تخاف غضبها حين تجد مبعثراتك وفوضاك وبقايا ما تستهلك. ” ص 30، منتقلا من مونولوغ مفعم بالضيق والتأفف  إلى استرجاع أيام الحب الذي بزغ ونما وتطور بينهما في مرحلة الدراسة: “أين اختفى كل ذلك الحب على مقاعد الدراسة؟… ماذا تخفي وراء صمتها الذي أبهره وقتها وبسماتها التي لم يكن يراها سواه. ” ص30، فمعتز مصمم الإعلانات الذي تخرج من كلية الفنون، وزوجه سهى أستاذة العلوم، طرأ تغير في حياتهما الزوجية أملاه اختلاف في نمط حياة كل منهما لما تميزت به من نظام في تدبير شؤون البيت، وما يتطلبه من توضيب وترتيبات، عكس ما طغى على شخصية الزوج من فوضى وإهمال أقحمه في زاوية تَحَمّل عبء نسق نظامها رغم تذمره من ذلك: “سمع طرقا على الباب… ارتبك معتز وتبعثر. عليه إعادة ترتيب كل شيء قبل دخولها. “ص32، مما وَلّد لديه نفورا من نسق حياة منظمة ومرتبة بشكل دقيق بات يمقته ولا يطيقه كما عبر عن ذلك: “قد جعلتني يا سهى أكره رائحة الكلور، وطعم  معجون الأسنان. أكره الفراش المرتب ومواعيدك المضبوطة  (ألو … هل نام لؤي؟ قرأت له قصة؟ هل تفقدت حرارته؟) اللعنة عليك وعلى  لؤي… إلى الجحيم كل حساباتك التافهة… ” ص31. وفي إطار العلاقة التي تجمع بين بعض شخوص القصص، والتي لا تخلو من تعقيدات، ما ربط بين النادلة وعم منصف بائع السجائر، من وشائج في قصة “النادلة”، وما عاشته من سوء معاملة في المقهى الذي تشتغل به تمثلت في محاسبتها بصرامة على أي زلة أو خطأ دون مراعاة لوضعها المادي المتأزم من قِبَل  الوكيل الذي خاطبها بلغة تطبعها الغلظة والجفاء: “نتحاسب بعد هذه الطلبية، سنرى مسألة الكؤوس المكسورة ، والملعقة التي وجدتها في الحاوية… ” ص54، مما ضاعف من منسوب سخطها على أسلوب المعاملة، وظروف العمل داخل المقهى الذي تعرضت فيه كذلك لسلوكيات مشينة من بعض الزيناء تجرأوا على التحرش بها فما كان منها إلا التفكير، جديا، في التوقف عن هكذا شغل والبحث عن عمل آخر كما صرحت بذلك لعم منصف: ” ـ تاخذني عم منصف ونعرسو ؟ راني تعبت م الخدم الناتئة … ” ص55، وهو ما لم يتم حسب ما تمنته إثر ما صادفته من سلوك مشبوه وغير بريء من طرف ابن عم منصف الذي أرسلها إليه لمساعدتها على العمل بالمستشفى العسكري الذي كان يشغل به منصب مشرف على الموارد البشرية تمثل في عبارات استقباله لها: ” ـ  تفضلي … حدثني عنك والدي ، لكنه لم يقل أنك بهذا الجمال . لنرى أين ستعملين الآن . ” ص56. فهذه العلاقات  تتعدد وتتنوع لتطال أوضاع شخصيات أخرى مثل المشتغلات في معامل السمك ، ومعاناتهن مع ظروف عمل تفوق قدرتهن على الصبر والتحمل كما ورد في قصة  “في مصنع السردين” : “هذا أول يوم في معمل “الطلياني”، انتقلت إليه عندما سمعت أنه أقل برودة من معامل الميناء. كانت تقف هناك سبع ساعات حول طاولة العمل بين حيطان الثلاجات العملاقة حتى تتجمد من البرد ، وتعجز يداها عن الاستجابة ومواصلة الحركة، فتتعرض لأنواع السخرية التي سرعان ما تتحول إلى صراخ وتهديد يومي بالطرد. ” ص36، وهو ما تأكد في نفس القصة عن ظروف العمل الشاقة داخل مصانع السردين التي تتعرض فيها العاملات لأبشع أساليب السخرية والتهديد ، والحط من كرامتهن، وما يبدينه رغم ذلك من تحمل ومقاومة: “لو أنه عاش يوما واحدا في مصنع السردين لعرف المعنى الحقيقي للموت بردا . لكنها وزميلاتها البائسات أحياء لم ينفقن رغم ذلك … ” ص37. عمل شاق ومضن يستنزف طاقاتهن الجسدية والذهنية والنفسية  من أجل تغطية مصاريف عيش ، وتكاليف حياة أسرية ضرورية وملزمة : ” كان اليوم يمر عليها مُرّا ، مالحا ، قاسيا وكأنها تسحق بأسنانها الثلج. تعود بثمن الساعات الطوال تخفيه عند أمها لتدفع معاليم التسجيل مستهل السنة الدراسية وتغطي لوازم التنقل والملابس ، وبعض المكياج الرخيص، وعبوة رذاذ العطر المتناصف مع الكحول … ” ص39. وضع تتعدد مظاهره وتتنوع فيما تعكسه من حياة بؤس متردية كما نقرأ في قصة “ذاكرة حذاء ” : ” أجمل ما حصل بعد الثورة أنك تلتقط أشياء من المزابل دون حرج . إنه الفقر يمنحنا بعض حرية … ” ص28، من نبش في حاويات الأزبال بعد ثورة لم تغير شيئا ، ولم يتغير معها أي شيء . عطفا على ما يعيشه المسافرون في القطار من غياب لأبسط شروط الراحة داخل جو ساخن  تعجز المكيفات المعطلة عن تلطيفه ، وضيق مقصورة تضم أشخاصا يوحدهم الفقر والضنك : ” قطار الشمال يشقشق على السكة  مغبر الحرارة مصفر السماء … والركاب يتعذبون من تعطل التكييف . أربعة مقاعد متقابلة لا علاقة تجمع بين جالسيها … ” ص91. فالعلاقات بين الأشخاص يعتبر ثابتا سرديا من خلال تشكيل دائرة تقوم على تقاطع وتصالب عبر زواج ، أو صداقة ، أو شغل ، وما قد ينتأ من توتر مصدره طرف من أطراف العلاقة ؛ ممثلا في زوج / زوجة ، أو وكيل ، أو زميل … واللافت أيضا تضمن القصص لعناصر السرد الأساسية من حوار ، ومونولوغ ، واسترجاع ، ووصف كما في قصة ” سبا ك سيء السمعة ” في وصف ل حسن السباك : ” كان شديد الطول بالغ النحافة كفزاعة ، وشديد التكتم والصرامة أيضا . ” ص15، وفي قصة “بهيجة الجدع ” التي جاء في وصفها : ” كانت بهيجة طويلة القامة شديدة العود عفية ، بصبغة شعر صفراء … ” ص34، كما ورد أيضا في وصف عم  منصف : ” عم منصف رجل غريب ؛ ذو مظهر فوضوي  مفضوح ، لكنه نظيف ، سترة من القطيفة الخشنة فوق قميص ذي تربيعات حمراء وسوداء وسروال قاباردين رمادي . ” ص52. كما أن لغة المتن القصصي تم تضمينها بعبارات وجمل من الدارجة يستدعيها أحيانا سياق التوضيح والتفسير كما ورد قصة ” سباك سيء السمعة ” على لسان ثريا : ” ـ أنا هجالة  وأولادي ميفهموش ، مخلاونيش نعرس.” ص14 . ولا تفتأ تصادفنا ، في نصوص الأضمومة ، بعض التعابير الغريبة في الدلالة والمعنى كإحساس الحذاء بالخجل: “نعم، أنا حذاء وشعرت بالخجل. “ص19، وتصوير الماضي مشنوقا متدليا من السقف: “محدقة في ماضيها يتدلى مشنوقا من السقف… ” ص74، ويصبح للقصة بلاط تتهافت عليه المجازات: “حين تقاطرت المجازات على بلاط القصة… ” ص95 . كما تحضر عناصر عدة، إسهاما في إثراء نسيج المتن القصصي، وتنويع أشكاله السردية والدلالية ؛ كعنصر التحول كما نقرأ في قصة “زين الزين” في شخص المعلمة فطومة التي عرفت بصرامتها في أسلوبها التعليمي الذي لا يتورع في اقتراف عقوبات صارمة في حق التلاميذ المتهاونين والمستهترين ، سلوك تحول بشكل بارز حين تقاعدها وإنشائها ورشة للرسم خاصة بتعليم الصغار : ” عندما تقاعدت فطومة من العمل ، صارت تتدرب ورشة للرسم على الحرير ، ولم تعد تعاقب الأطفال ، ولم تفتح يوما ديوان ( أغاني الحياة ). “ص27 ، وهو تحول من نمط سلوكي يقوم على فرض الانضباط ، لا يخلو من عقوبة أحيانا ، إلى الانخراط في تعليم أسس الجمال  ، وتنمية قدراته لدى الناشئة في ورشة خصصتها لتعليم مبادئ الرسم وترسيخها في عقول ونفوس الصغار . وما طرا على بهيجة من تغيير في قصة بهيجة الجدع ” على مستوى بنية جسدها ، وما أصابها من نحول ، ونظراتها  التي  فقدت الكثير من بريقها وإشعاعها : ” صارت نحيلة شاحبة، وحل الفراغ محل نابها الذهبي الفاتن ، وخبت تلك النجمة اللامعة من عينيها الواسعتين. ” ص35، وعنصر آخر ك المفارقة الوارد في نص ” مناضل ” ، والتي تعكس ما طرأ على حياة مناضل يساري كرس حياته للدفاع عن قضايا ، وقيم كالحرية والعدالة والمساواة إلا أنه ما فتئ يستغل صفته كمناضل في تسجيل ولده للاستفادة من سفرية لا يستحقها، في تكريس لمفارقة يغدو فيها النضال وسيلة لتحقيق مآرب ذاتية ، وأغراض شخصية . ونص ” شؤون شرق أوسطية ” حيث دعا سيناريست إلى التوقف عن الإنجاب بسبب تفشي الغلاء ، وتدني مستوى الوعي ليتبين أنه يعاني من عقم ، وأن اهتمامه كان منصبا على منطقة بعيدة عن وطنه . كما أن هناك مواضيع زخرت بها قصص المجموعة كموضوع فلسطين ، وما يعيشه شعبها ، بمختلف فئاته من تقتيل ، وتنكيل بواسطة أسلحة لم تعد ترهبه هو الذي تعايش مع مظاهر الموت التي قوت قدرته على المقاومة بثبات وشجاعة : ” لفت نظره مشاهد من غزة الشارع مرتبك بالمارة غير الخائفين من أصوات الأسلحة والصواريخ ، يشيعون جسدا هوى منذ قليل على ما يبدو . كان بينهم طفل مهتم جدا برؤية الميت … “ص 88 ، وما يمثله حضور الطفل ، في مشهد يسيطر ويجثم عليه مظهر الموت ، من قيمة رمزية لروح المقاومة  والبسالة في مواجهة كل أشكال القتل ، وكل أنواع الأسلحة .  وموضوع التجسس في قصة ” خياط زقاق الخوجة ” ، وكيف تحايلت جاسوسة يهودية  تدعى كاميليا جلعاد على  الخياط  حليم المرابط عبر غوايته ، وإغرائه  فأوقعته في تمكينها من معلومات سرية ذات قيمة كبيرة ، وقطع أثرية كانت مدفونة في ” جبانة النصارى ” شمال زقاق الخوجة بالمدينة العتيقة  ، فيحاصر إثر ذلك داخل محله الخاص بالخياطة من طرف فرق الأمن مع حضور رجال الصحافة . وتمت الإشارة إلى مطربين عرب مثل  المغنية اللبنانية الفلسطينية ماجدة الرومي في قصة ” تدابير من أجل البيئة ” : ” وتشرب قهوتها ، فيما تصدح ماجدة الرومي من المذياع … ” ص71، والمغني الشعبي المصري محمد عدوية  ابن المغني أحمد عدوية : ” ويستمع لأغاني محمد عدوية علنا … ” ص86، مما يتأكد معه انفتاح قصص المدونة السردية على أشكال فنية مثل الغناء ، لإثراء وتنويع أساليبه التعبيرية ، وأبعاده الدلالية .

فقصص ” أستروجين ودهشات الكرز ” أثبتت قدرة القاصة سلوى القلعي على خلق نصوص تنوعت بين القصة القصيرة ، والقصيرة جدا بحس ونَفَس سردي موسوم بالعمق والغنى والبعد الصادر عن رؤية إبداعية أكدت بجلاء امتلاك الكاتبة لأدوات القص الأساسية ، واعتمادها ، بشكل متنوع ، من حيث الاختزال ، والتكثيف ، والإشارة والتلميح في النصوص القصيرة جدا بالخصوص ، وما يربط الشخوص من علاقات اتسمت بالتجاذب والتنابذ ، والتوحد والتنافر ، والتوافق والتوتر في سياقات ومجريات  طبعها التعدد ، والغنى والتنوع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستروجين ودهشات الكرز(قصص) سلوى القلعي / دار وشمة للنشر ـ تونس 2026.

شارك هذا الموضوع

عبد النبي البزاز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!