دعـونا نمثل: مغـامرة نحو مسرح الطفل

دعـونا نمثل: مغـامرة نحو مسرح الطفل

نجيب طلال

إضــــاءة:

          حقيقة، وكما أشير وأشرت في قراءة (1)، العديد من الأعمال المسرحية والدراسات البحثية هي في رفوف منسية عن المتابعة والمقاربة؛ فكيف يا ترى أن تتقوى أجنحة الثقافة المغربية لتحلق عالياً وتطوف سموات الرب، وفي الآن نفسه تشرق في كل بقعة من بقاع رب العالمين؟ هل بإعمال اللامبالاة أم بالمبادرات والتضحيات؟

بداهة الإجابة واضحة، لكن المؤسف لدينا جيوب مقاومة في صفوف (المثقفين) يقاومون أي مبادرة جديدة أو فكرة مبتكرة، ليتم إجهاضها في مهدها عن طريق اللامبالاة التي تعتبر الحاجز الأكبر أمام الجهد الذي يبذله جملة من الأفراد، أكانوا مبادرين أو مبدعين، وخاصة المنجزات الإبداعية التي تحتاج للمتابعة والقراءات من لدن ما يسمى (النقاد) وما أكثرهم في بلادنا (؟) بدون إنتاج ودعم للمنجزات والأفكار والمشروعات الثقافية كإسهامات فعلية في المشهد الثقافي. مما يجعل دورهم في هاته الحالة ليس بناءً أو تحفيزيًا بل قمعيًا، ويدخلون (أي) إبداع في دائرة السلبية والاعتراض دون تقديم أي بدائل إيجابية أو مبتكرة.

وبالتالي يصبح النقد لا أداة لتطوير الفكر أو الإبداع، بل وسيلة لإجهاض أي بادرة جديدة. هنا مربط الفرس الذي لم ننتبه إليه حينما نتكلم أو نناقش ظاهرة “اللانقد”، وإن كانت الظاهرة ليست جديدة، بل لها جذور عميقة في الثقافة العامة التي تفضل حالة من الجمود كتقليد وممارسة، أو من التواثب ضد الابتكار والتجديد. مما يؤدي إلى غياب معركة المناهج ومحددات الرؤى في المشهد الثقافي والإبداعي، وهذا ينتج عنه جمود وسكونية المقاربات والأطروحات المضادة بين الفاعلين. والذي يزيد الوضع النقدي تعقيداً مسألة “الإخوانيات” و”المقايضات” والتي تنسف الصرح الثقافي في الوقت ذاته، بدل أن يلعب المثقفون والنقاد دوراً كبيراً وأساسياً في تشكيل وعي المجتمع الثقافي لتقويته على البناء والتركيب والتوليد، وحافزاً وداعماً للأعمال الإبداعية (أي) ما كان صاحبه (؟).

وأمامنا اللحظة تجربة الأستاذ “عبد المجيد باقاسم” في مجال مسرح الطفل (2) التي أصيبت بعقم المتابعة، ولاسيما أن هنالك خصاصاً مهولاً في النصوص التعليمية والتربوية، سواء الموجهة للمسرح المدرسي أو المسرح الطفلي أو مسرح النوادي الذي أطلق عليه تعسفاً وافتراءً “مسرح الشباب”، ولاسيما أن الإشكال عندنا في المغرب لازلنا نتخبط فيه بين مسرح الطفل والمسرح المدرسي.

الإشكال المزمن:

حيث بعض النصوص تستعمل أو توظف هنا وهناك، ويزداد الإشكال ليس في توظيف نصوص بشكل اعتباطي، بل في الخلط المنهجي بين المسرح المدرسي ومسرح الطفل، وهذا ناتج عن غياب وعي نقدي يميز بين المجالين، ويؤسس لممارسة مسرحية مدرسية تستجيب لرهانات التربية والتكوين. حيث يتم توظيف نصوص وعروض بشكل اعتباطي دون مراعاة الخصوصيات الوظيفية والبيداغوجية لكل منهما، مما يؤدي إلى إفراغ الأول من طابعه البيداغوجي/ التعلمي، وتحويله إلى نسخة باهتة من الثاني.

وهذا ناتج عن غياب وعي بوظيفة كل من المسرح المدرسي الذي يرتكز على التربية الخاصة (أي) مسرحة المناهج كأداة تربوية تندرج ضمن سيرورة التعلم، والتي تتقاطع أساساً بعنصر الدراما واللعب باعتبارهما آليتين لتنمية قدرات المتعلمين التعبيرية والاجتماعية والمعرفية. وذلك من خلال: “تبسيط المعلومة الدراسية بطريق غير مباشر في قالب محبب إلى قلوبهم، سهل على أذهانهم، فتساعدهم على تيسير الفهم وتعميق الأثر وسهولة التذكر للمعلومات التي تضمنتها لأنها ارتبطت بخبرة عاشوها في إطار مسرحي” (3).

بخلاف مسرح الطفل الذي يمارس خارج المؤسسات التعليمية معتمداً على التربية العامة ليؤطر نفسه في (مسرح تربوي) موظفاً خطاباً فنياً جمالياً، وفق شروط الفرجة وخصوصيات التلقي لدى الطفل في سياق الحكاية والخيال، التي تراعي سيكولوجية الطفل وذائقته كمتلقٍّ أساساً، وليس بالضرورة كممارس؛ لتوجيه السلوك الفردي والاجتماعي. فجل هاته الحيثيات استوعبها المبدع “ع. المجيد باقاسم” وتتمظهر تارة بشكل مباشر، ومرة مضمرة في نصوصه الثلاث (الحطاب/ دعونا نمثل/ رحلة أحمد).

وقبل أن أفتح قوساً حول “العنوان”، فمسرح الطفل مازال يعاني من التهميش والإقصاء واللامبالاة، إما عن قصد أو عن غير قصد، مما يفضي إلى إفراغ وظائفه التربوية وتحويله إلى مجرد محاكاة شكلية لا تحقق أهدافه. لكن المجهود الذي قدمه صاحب النصوص الدرامية استطاع إلى حد ما المزاوجة بين تجربته الطويلة في صفوف مسرح الهواة (مكناس) وسلك التدريس، وهذا التزاوج له أهميته في غمار الكتابة لمسرح الطفل التي تحتاج لجهد ذهني متميز لفهم سلوك الطفل وعقليته، على أساس تقديم الأنسب لعقليته ووجدانه، باعتبار أن الطفل ذاك المستقبل الذي نضعه بأيدينا في اللحظة الراهنة.

لكن: “إن مسرح الطفل يعاني كثيراً من الأعطاب الفنية ويعيش أزمات تقنية، وأنه مقزم ومجني عليه ويعاني من التطفل بسبب غياب رؤى فنية لدى العاملين في مجاله، ونقص مهول في التخيل والإبداع، مما يعطي الكثير من الابتذال والسطحية” (ص 13). وبالتالي فهاته النصوص التي بين أيدينا ستساهم في سد الخصاص. وهذا أدركه الكاتب حسب طرحه: “هو حاجة الخزانة المسرحية المغربية التي تفتقر إلى أعمال يحتاجها التلميذ مثل ما يحتاجها الأستاذ والمسرحي المتخصص” (ص 13).

وحتى لا نكون مجحفين، فإن الاهتمام بوضع دراسات حول فن الكتابة لمسرح الأطفال لم يبدأ إلا منذ عشرات السنين الأخيرة فقط؛ فإلى أي حد استطاعت النصوص (الثلاث) أن ترقى لمصاف مسرح الطفل؟ رغم أن الغلاف يؤطرها في (مسرحيات الصغار)، لكن حينما وضع شرط مراعاة المرحلة العمرية لكل نص أريد له أن يُمسرح، فنحن أمام نصوص يمكن أن تساهم في تقوية المسرح المدرسي خارج الفصل الدراسي “تحديداً” ومسرح الطفل الذي عادة يشخصه الكبار لجمهور الأطفال، ولاسيما أن الأعمال (الثلاث) مختلفة الرؤية والمتن.

ففي نص (الحطاب) تحضر الحكاية بكل مكوناتها والتي تتجلى في تحويل الأميرة لشجرة من لدن الساحرة:

  • الأميرة/ الشجرة: اسمع جيداً وهدئ من روعك تفهم كل شيء.. تجلد وتشجع.. أنا الأميرة بنت السلطان.. سحرتني ساحرة وحولتني شجرة.
  • الحطاب: هكذا إذن.. الأمر فيه سحر وسحرة.. السلام عليكم (ص 33).

وإن كانت الحكاية قديمة جداً، وتتقاطع في “ألف ليلة وليلة” من حكاية الحطاب والجنية، فالكاتب “باقاسم” حاول أن يلبسها لباساً تربوياً أثيرياً يكمن في “التضحية” التي قام بها الحطاب تجاه الساحرة لإنقاذ الأميرة:

  • الحطاب: ثمة خطأ يا مولاي.. بل أنا من أنقذ الأميرة.. اسألها تجب (ص 39).

فهذا النص يحضر فيه الخيال بشكل ملفت، علماً أن الخيال الواسع ضرورة من ضروريات الإبداع ليتمرد على العقل لتجاوزه، وبالتالي: “فالخيال هو القوى الرئيسية من قوى الطبيعة الإنسانية، حيث أننا بفضل الخيال نستطيع أن ننفصل عن الماضي ونتجاوز الواقع لنتصور المستقبل، لهذا فكل عجز في التخيل هو عجز في التنبؤ” (4).

لكن الإشكالية عند الكاتب في تحديد السن من (10 إلى 14)، وهذا التحديد يلامس إلى حد ما: “سن الرومانسية، التي يفضل الأطفال أن تمزج المؤامرات بالعاطفة، ويزيد التأكد على القيم المثالية، وتنجح مع جمهور هذا السن” (5). وهذا المعطى يمكن أن نعكسه على نص “دعونا نمثل” الذي استغل الكاتب تقنية (مسرح داخل مسرح)، حيث تم تشخيص جملة من المواقف أبرزها:

  • طفل (ينادي أصحابه): هي.. هي لدي اقتراح (يتحلق الجميع حوله) لماذا لا نمثل فلسطين تلك الأرض السليبة والشعب المنكوب والأطفال اليتامى المشردين.. أنتن الفتيات تمثلن نساء فلسطينيات عائدات مساء من العمل في الحقول، يبدو عليكن الإجهاد.. ولا بأس من بعض الغناء القروي… (ص 59).

ومن مميزات هذا “النص” الدرامي أنه وظف إلى حد بعيد الإرشادات المسرحية، بخلاف العملين (الحطاب/ رحلة أحمد)؛ هذا الأخير كان واقعياً مباشراً في صرحه تجاه (أحمد)، وسبب الاشتغال يرتبط بإحدى مذكرات وزارة التربية الوطنية: “تنبه فيها إلى ضرورة العناية بحقوق الطفل والعمل على نشرها وإدماجها في الحصص الدراسية” (ص 14). وفي سياق هذا: “عندما تتناول الدراما مواقف مباشرة في حياتنا اليومية، فإنها توسع مفهوم الشخصيات ومدلول المواقف وتبرز قيم التصرفات والأعمال، وبذلك تعمق القدرة على الفهم وتزيد من الإحساس” (6).

وهذا يتجسد من خلال استحضار (الراوي والراوية) اللذين يقدمان الحكاية، ولكنها حكاية واقع وليس خيال:

  • الراوية: إذن دعنا نرى ونتابع ما جرى لأحمد، ونجيب على السؤال التالي: هل أحمد نفسه تسبب في بؤسه وشقائه وضياعه، أم من كانوا يحيطون به يصنعون مصيره؟
  • الراوي: أنا متأكد أنه لو استعمل عقله وصبره، وقاوم وجاهد لما وصل إلى ما وصل إليه من وضع (ص 71).

فهذا التنويع في أطروحات المتن يعطي فرصة لكل صنف للاشتغال، وخاصة مسرح النوادي (الشباب)، وإن كان مبدع النصوص “ع. المجيد باقاسم” قد سقط في فخ ما بين الطفلي والمدرسي (التلاميذي)، وهذا نستشفه في افتتاحية باسم المؤلف والتي اعتبرها تصريحاً وفيها ما يندرج في اللاشعور الذي هو منبع الإبداع، حيث أن التفكير في كتابتها كان منذ سنوات لكنها لم تكتب فعلياً إلا في السنوات الأخيرة… “كان لي مع بعض الأصدقاء فكرة تكوين فرقة لمسرح الطفل (فرقة حديدان آرت / Hdidan Art)” (ص 15). وفي (ص 12): “أولى مسرحياتي (رحلة أحمد) وكنت قد اكتفيت بها كنص وحيد حيث تم إنجازه وعرضه في كثير من المرات مع مجموعة متعددة من الأطفال في المؤسسات التعليمية التي عملت بها، ثم جاءت بعدها بمدة طويلة مسرحية (الحطاب)“.

وهذا التراوح ساهم في استطالة بعض الحوارات وتداخل بعض العبارات بالدارجة، ربما لتكسير اللغة الفصحى واستملاح الخطاب، ولكن هذا التكسير في بعض المشاهد لم يكن في تصويباته المستهدفة.

قــــوس:

أشرت أن نفتحه، وذلك على إثر العنوان “دعونا نمثل”. مبدئياً، فهذا النص يعتبره كاتبه: “أحب النصوص إلى نفسي، فقد اعتبرتها مسرحية بصوت الأطفال، إنها صرختهم في وجه حرمانهم من المسرح، إنها (مانيفاستو) مسرح الأطفال، يعبرون فيها عن حاجتهم لمسرح الطفل” (ص 15). لا خلاف في المبدأ، وهذا يتأكد في سياق النص على لسان:

  • طفل: في المسرح.. نحلم.. بالحرية.. بالأمل.. بالسعادة.. نوزع البسمة والفرح.
  • الجميع: فـدعونا نمثــل.

فتوسيع القوس يتجلى في العنوان الذي صرخ به الجميع (دعونا نمثل)، ربما من حيث لا يدري أن هنالك نصاً مسرحياً بنفس العنوان للكاتب “محمد إبراهيم بوعلو” تمت كتابته في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، ومتنه تحديداً صرخة مدوية (دعونا نمثل) ضد الحصار المضروب على الإبداع وعلى البسطاء والمهمشين وكذلك المبدعين. فالإشكالية الجوهرية لماذا لم ينتبه إلى الأمر ناشر العمل ولا صاحب التصدير أو التقديم وكلاهما (مسرحيان)؟ ولكن يمكن أن نجد مخرجاً بأنها مجرد تشابه عناوين

استـئـناس:

  1. المتحولون في نص مسرحي “هاتف وجلود”: بقلم نجيب طلال، صحيفة ديوان العرب في 19 أبريل 2026.
  2. دعونا نمثل (مسرحيات للصغار): لعبد المجيد باقاسم – الغلاف والصور لمصطفى المودني، إصدارات أمنية 2018.
  3. مسرح الطفل: لأبو الحسن سلام – ص 129، دار الوفاء للدنيا 2004، الإسكندرية – مصر.
  4. جماليات المكان: لغاستون باشلار – ترجمة غالب هلسا – ص 31، المؤسسة الجامعية – بيروت 1984.
  5. فن الكتابة لمسرح الطفل: لأبو راغب أكرم – ص 53، مجلة آفاق (محكمة)، س 2، ع 4، جامعة الزرقاء 2000.
  6. نـــفسه – ص 49.
شارك هذا الموضوع

نجيب طلال

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!