الذاكرة الجماعية والتاريخ المحلي: قراءة في كتاب ابن أحمد امزاب للباحث أحمد لعيوني

الذاكرة الجماعية والتاريخ المحلي: قراءة في كتاب ابن أحمد امزاب للباحث أحمد لعيوني

مبارك بيداقي

         يشكل كتاب “ابن أحمد امزاب من خلال شهادات قدماء الساكنة” للباحث المحلي أحمد لعيوني إضافة نوعية إلى حقل الكتابة التاريخية المحلية بالمغرب، ليس فقط لأنه يوثق لذاكرة مدينة ابن أحمد ومنطقة امزاب خلال فترة دقيقة من تاريخ المغرب الحديث، وإنما لأنه يعيد الاعتبار إلى الشهادة الحية باعتبارها مادة تاريخية قائمة الذات، قادرة على سد فراغات كبرى تركها غياب الوثيقة الرسمية أو محدوديتها. وقد قدم للكتاب الدكتور الحبيب الدايم ربي، الذي أبرز أهمية بناء التاريخ انطلاقا من الذاكرة الجماعية، معتبرا أن هذا العمل يدخل ضمن الجهود الفردية الرامية إلى رد الاعتبار للذاكرة المحلية.

يندرج هذا المؤلَّف ضمن ما يعرف في الدراسات التاريخية الحديثة بـالتاريخ من أسفل أو التاريخ الاجتماعي، وهو اتجاه يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ انطلاقا من تجارب الأفراد اليومية، بدل الاقتصار على الأحداث السياسية الكبرى. فالكتاب لا يروي تاريخ المعارك والمعاهدات والقرارات الإدارية فحسب، بل يكشف تفاصيل الحياة اليومية، وأنماط العيش، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية، والحرف التقليدية، وأشكال المقاومة، والتحولات الثقافية التي عرفتها منطقة ابن أحمد خلال النصف الأول من القرن العشرين وما بعده.

الذاكرة الشفوية كمصدر تاريخي

تكمن القيمة العلمية لهذا العمل في اعتماده على الرواية الشفوية بوصفها وثيقة تاريخية بديلة. فالمؤلف يصرح منذ المقدمة بأنه لجأ إلى شهادات قدماء السكان بسبب غياب الوثائق المكتوبة المتعلقة بتاريخ المنطقة، وهو وعي منهجي مهم يعكس إدراك الباحث لإشكالية المصادر في كتابة التاريخ المحلي.

لقد تعامل أحمد لعيوني مع الشهادة الشفوية ليس باعتبارها مجرد حكاية، بل باعتبارها مادة قابلة للتحليل والمقارنة. ويظهر ذلك من خلال حديثه عن اعتماده استمارات توثيقية، ومقابلات متعددة، والاستعانة بشهود آخرين للتحقق من المعطيات، إضافة إلى التقصي الميداني للأماكن المذكورة في الروايات.

هذا المنهج ينسجم مع المناهج الحديثة في التاريخ الشفوي التي ترى أن الذاكرة الفردية ليست نقيضا للحقيقة التاريخية، بل تمثل شكلا من أشكال إدراك الواقع وإعادة بنائه. فالذاكرة هنا لا تنقل الوقائع فقط، بل تكشف أيضا عن تمثلات الناس للأحداث، وعن شعورهم تجاهها، وهو ما يجعل الكتاب غنيا بالأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية. ومن اللافت أن المؤلف يعترف منذ البداية بإمكان تسرب الذاتية إلى الروايات الشفوية، لكنه يعتبر ذلك جزءا من الطبيعة الإنسانية لا سببا لإقصاء هذه المادة، بل عنصرا يثري البحث. مما يعكس نضجا إبستمولوجيا في التعامل مع المادة التاريخية.

لا يقتصر الكتاب على التوثيق الزمني للأحداث، بل يقدم مادة سوسيولوجية غنية تسمح بفهم بنية المجتمع المحلي وتحولاته. فمن خلال الشهادات الست عشرة، تتشكل أمام القارئ صورة مجتمع انتقالي عاش التحول من المجال القبلي التقليدي إلى المجال الحضري الحديث. وتكشف الشهادات عن مجتمع كان قائما على التضامن الاجتماعي القوي، واحترام الكبار، والتداخل بين المجالين الخاص والعام. ففي شهادة المصطفى الشايب مثلا، نجد وصفا لفضاء الحي باعتباره امتدادا للأسرة، حيث كان الأطفال يدخلون بيوت الجيران دون حرج، وكان الكبار يتدخلون في التربية والتوجيه الجماعي لأبناء الجيران والمعارف.

كما يعرض الكتاب تحولات التعليم باعتبارها مؤشرا على التحول الاجتماعي. فشهادة المصطفى بنداود تكشف مقاومة بعض الأسر للتعليم العصري خوفا من لغة النصارى، بينما تكشف شهادات أخرى عن التحول التدريجي في نظرة المجتمع إلى المدرسة الحديثة، خاصة بعد الاستقلال. ومن زاوية سوسيولوجية، يقدم الكتاب أيضا صورة دقيقة للتنوع الاجتماعي الذي عرفته مدينة ابن أحمد، باعتبارها فضاء مفتوحا استقبل جماعات مختلفة: عربا، وأمازيغ، ويهودا، وأوروبيين، وأسرا وافدة من مدن ومناطق متعددة. ويبرز المؤلف من خلال الشهادات كيف تشكل نوع من التعايش الاجتماعي والثقافي بين هذه المكونات.

مقاربة الحياة اليومية

تكشف الشهادات عن أهمية التفاصيل الصغيرة في فهم التاريخ. فالكتاب لا يكتفي بالحديث عن المؤسسات أو الشخصيات، بل ينقل للقارئ تفاصيل الألعاب الشعبية، وطقوس الاحتفال، وأنواع الترفيه، والعلاقات الأسرية، وأنماط اللباس، والممارسات التعليمية، وحتى تفاصيل الطعام والتنقل والسباحة والسينما والسيرك. هذه الجزئيات تمنح النص قيمة أنثروبولوجية، لأنها تعيد بناء ثقافة الحياة اليومية بمنطقة امزاب خلال فترات متعاقبة. فحين يتحدث المصطفى الشايب في شهادته عن كراء الدراجات، أو عن السينما المتنقلة، أو عن سيرك عمار، فإننا لا نقرأ مجرد ذكريات طفولة، بل نكتشف أنماط الترفيه الجماعي وملامح الحداثة الناشئة في المجتمع المحلي.

كما تكشف الشهادات عن التحولات التي عرفتها البنية العمرانية والاجتماعية للمدينة، من خلال الحديث عن الأحياء، والمدارس، والمستشفيات، والمرافق الرياضية، والأسواق، وشبكات الماء والكهرباء، وغيرها من مؤشرات التحديث. ورغم أن الكتاب ينطلق من المحلي، فإنه يضيء جوانب من التاريخ الوطني المغربي، خاصة خلال فترة الحماية الفرنسية وبدايات الاستقلال. فالعديد من الشهادات تتحدث عن الحركة الوطنية، ووثيقة المطالبة بالاستقلال، وعلاقة السكان بالمقاومين، وتفاعل المنطقة مع نفي الملك محمد الخامس وعودته، إضافة إلى الحديث عن بعض الشخصيات الوطنية والمحلية التي لعبت أدوارا سياسية ونقابية.

كما تكشف الشهادات عن التوترات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت الاستعمار، وعن علاقة الأهالي بالإدارة الفرنسية، وعن أنماط السلطة المحلية التقليدية ممثلة في القواد والشيوخ والأعيان.. ومن الجوانب المهمة كذلك حديث بعض الشهادات عن علاقة السكان بالطائفة اليهودية، حيث تقدم صورة مختلفة عن التعايش الاجتماعي الذي كان سائدا، بعيدا عن الصور النمطية أو القراءات الإيديولوجية المتأخرة.

ومن أهم ما يميز الكتاب تخصيص أربع شهادات لنساء، وهو اختيار ذو دلالة معرفية وثقافية. فالمرأة في الكتاب ليست مجرد هامش اجتماعي، بل فاعل في الحياة اليومية، وموضوع لتحولات المجتمع المحلي. وتكشف شهادات النساء عن صعوبة ولوج التعليم، وعن القيود الاجتماعية المفروضة عليهن في الفضاء القروي وشبه الحضري، كما تكشف عن أشكال المقاومة الصامتة التي مارستها النساء من أجل إثبات حضورهن داخل المجتمع. ومن الناحية المنهجية، فإن إدماج الصوت النسائي في الكتابة التاريخية ينسجم مع المقاربات الحديثة التي تدعو إلى إعادة الاعتبار للتجارب المهمشة في التاريخ، وخاصة تاريخ النساء والفئات الصامتة.

بناء السرد

اعتمد المؤلف لغة واضحة تجمع بين البعد التوثيقي والأسلوب السردي القريب من الحكي الشعبي. وقد نجح في الحفاظ على خصوصية صوت الشاهد دون أن يفقد النص تماسكه الأكاديمي. وتتميز طريقة الكتابة بالمزج بين التوثيق والتحليل، وبين النقل الأمين للشهادة وإعادة صياغتها في قالب منظم. كما يظهر حرص المؤلف على تقديم سياقات تاريخية وتفسيرية تساعد القارئ على فهم الوقائع.

ومن الجوانب الفنية المهمة أيضا أن الكتاب يمنح لكل شهادة استقلاليتها السردية، لكنه في الآن نفسه يخلق بينها خيوطا مشتركة تجعل القارئ يشعر أنه أمام رواية جماعية لذاكرة مدينة بكاملها.. ولا تكمن أهمية الكتاب في كونه مجرد تجميع لشهادات شفوية، بل في كونه مشروعا ثقافيا لحماية الذاكرة المحلية من الاندثار. إنه عمل يدخل ضمن ما يسمى اليوم بـأرشفة الذاكرة الجماعية، وهي مهمة أصبحت ملحة في ظل رحيل الأجيال الحاملة لذاكرة القرن العشرين. لقد استطاع أحمد لعيوني أن يحول الذكريات الفردية إلى مادة تاريخية ذات بعد جماعي، وأن يربط المحلي بالوطني، واليومي بالسياسي، والفردي بالجماعي. كما أن الكتاب يشكل نموذجا للباحثين في التاريخ المحلي بالمغرب، ويؤكد أن كتابة التاريخ لا تتم فقط داخل الأرشيفات الرسمية، بل أيضا داخل ذاكرة الناس، وفي الحكايات الصغيرة التي غالبا ما يهملها المؤرخ التقليدي.

ويمكن القول إن مؤلف “ابن أحمد امزاب من خلال شهادات قدماء الساكنة” ليس مجرد كتاب عن مدينة، بل هو مشروع لإحياء الذاكرة وإعادة الاعتبار للإنسان العادي بوصفه شاهدا على التاريخ وصانعا له. وقد نجح مؤلفه في إنجاز عمل توثيقي، يجمع بين الحس التاريخي والمنهج العلمي والوفاء للذاكرة الجماعية. ويكمن الرهان الحقيقي لهذا النوع من الأعمال في قدرته على إنقاذ جزء من ذاكرة المغرب العميق، قبل أن تندثر برحيل حامليها. ولعل ما يلاحظ من خلال هذه الشهادات أنه منذ كتابتها فإن بعضا من أصحابها قد رحل إلى دار البقاء بينما بقيت شهاداتهم موثقة وشاهدة على حياتهم كما عاشوها متأثرين بمحيطهم ومؤثرين فيه.

شارك هذا الموضوع

مبارك بيداقي

إطار متقاعد مهتم بتاريخ الجديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!