عَالَمُ الكِتَابَة وتَارِيخُ خَيْرِ جَليسٍ فى الزّمَان

عَالَمُ الكِتَابَة وتَارِيخُ خَيْرِ جَليسٍ فى الزّمَان

د. السفير محمّد محمّد الخطّابي

       فى الفاتح من شهر مايو الجاري 2026 فتح المعرض الدّولي للنّشر والكتاب بالرباط أبوابَه الواسعة للزوّار، وامتدّت  فعالياته حتى اليوم العاشر من نفس هذا الشّهر، وقد تصادفت وتزامنت دورة هذا العام اختيار منظمة اليونسكو لمدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026.

 على هامش هذا المعرض الكبير الذي حقق نجاحاً باهراً أدعو القارئ الكريم إلى إلقاء نظرة تاريخية فاحصة عن عالم الكِتَابة، والكِتاب، فأشير: أنّ معظمُ المصادر والمراجع والمظانّ التاريخية تؤكّد أنّ الكتابةَ بدأت في الأزمنة الغابرة الضاربة فى القدم  في شكل صُور ورسومات وأشكال ترمز الى معاني ومدلولات ملموسة في الحياة اليومية للإنسان، وتشير هذه المصادر انه قد تمّ العثور علي الكثير من النقوش، والصُور، والرّموز التي تدلّ على مفاهيم معيّنة في منطقة الهلال الخصيب، خاصّة في الحضارة السوميريّة قبل حوالى ستّة آلاف سنة، وقد عُرفت الكتابة عندهم بالمسماريّة أو الإسفينيّة، كما تمّ العثور في جهاتٍ أخرى من العالم على بعض الرّسوم والصّور مثل تلك التي تمّ العثور عليها في كهوف” ألتاميرا” في إسبانيا، و”لاسكو “في فرنسا أو فى “رسوم ناسكا” في البيرو وسواها من المناطق الأخرى.

تاريخ الكتابة عند الشعوب القديمة

يؤكد الباحث فى التاريخ القديم الأستاذ إلياس غندور أيوب عطا الله فى كتابه (الكون والإنسان بين التطوّر والعلم والتاريخ): “أنّ الكتابة الأبجدية الكنعانية (الكنعانيون وهم من زمن 4000 ق م،) ابتكرها تاووتس الكنعاني ابن ميسور، أو ميزور، ابن اميتس ابن كنعان ابن حام، بحوالي 500 سنة قبل ان يولد الفينيقيون في التاريخ، علماً أن الفينيقيين هم أحفاد الكنعانيين، وأنّ قدموس الكنعاني شقيق فينيقس وكيليكس وأوروبا، جميعهم أولاد أجينور أو أشنار ملك صور اللبنانية في القرن 13 ق م هو الذي حمل الأبجدية الكنعانية، وليس الفينيقية، إلى بلاد الأغريق حوالى 1250 ق م. وحديثاً عثر علماء الاغريق على عملات معدنية من العصر الكنعاني يظهرعليها صورة قدموس يعلّم الناس هناك الكتابة الكنعانية”.

 ويشيرالأستاذ أيّوب عطا الله “أنّ اللغة اللّاتينية التي اشتقت منها معظم اللغات الأوروبية هي بنت اللغة الكنعانية، منها اشتقت، وتحمل ملامحها في جميع صورها ومعانيها. وبَعد الكنعانيين طوّر الفينيقيّون الكتابة ببراعتهم مستعينين بالإرث الكنعاني ثم بالسّومرية، والمصرية القديمة”.

كما يؤكد الباحث فى اللغة الأمازيغية  من جهةٍ أخرى الأستاذ محمد حمزة: “أنّ الدراسات الحديثة أثبتت أن  لغة التيفيناغ هي سابقة للأبجدية الفينيقية بقرون. وهو من الكتابات القديمة التي يُقال أنها كانت موجودة في وقت الكتابة الأولى التي عرفت في منطقة سومر ببلاد الرافدين”، وهناك مِن المتخصصّين مَنْ يؤكد أنّ هذه اللغة عاصرت الكتابات المسمارية القديمة، كما تشير عدّة نظريات من جانب آخر إلى أنّ كتابة التيفيناغ هي إنتاج محلي للأمازيغ في شمال إفريقيا. وترجع بعض الدراسات التيفيناغ إلى الكتابة الليبية القديمة التي تعود إلى آلاف السنين والمدوّنة في الرّسومات الحجرية، حيث جرى تحوّل من الرّسومات التي تجسّد كلَّ شيء إلى ما يُسمى التجريد إلى أشكال هندسية، وهذا ما يؤكد أن الإنسان في شمال إفريقيا إنتقل من الرّسم إلى الكتابة وعلى سبيل المثال إنتقل من رسم المرأة إلى الترميز إليها من خلال شكل المثلث الموجود في الكتابات والرسوم، وهو نفسه الحرف (ت) أو (T )

و تؤكد نفس المراجع الآنفة الذكر  أنّ الإغريق قد طوّروا أبجديتهم نقلاً عن الكنعانيين والفينيقيّين، وأصبحت عندهم أبجدية خاصّة بهم، والتي أصبحت في ما بعد الأبجدية الخاصّة بالغرب، ثم جاء الرّومان وأخذوا الأبجدية الإغريقية، وقد سادت اللغة الرومانية واللاّتينية في مختلف الأصقاع الأوروبية بعد سيطرة الإمبراطورية الرّومانية على بلاد الغرب. وحسب الباحث إلياس غندور أيوب عطا الله السابق ذكرُه ” فإنّ الكتابة العربية جاءت متأخرة، إذ يعود تاريخ ظهورها إلى حوالى 600 ق م، من التاريخ، والأبجدية العربية مشتقة من الكتابة السّامية ،جاءت من رحم اللغة الآرامية السّريانية بنت الكنعانية وربيبتها “.

وبعد ظهور الإسلام بدأت اللغة العربية تنتشر فى مختلف الأصقاع  والمناطق  النائية التي فتحها المسلمون خاصّة بعد أن قرّر الخلفاء الراشدون تدوين القرآن الكريم على عهد الخليفة عثمان بن عفّان، ثم انتشرت الكتابة العربية إنتشاراً واسعاً مع إنتشار الدّين الإسلامي الحنيف. ولقد وصلت العربَ عن طريق الأنباط.

وفي القرن الثامن الميلادي شرع المسلمون في إستخدام الورق الذي إبتكره الصّينيون بدلاً من الرقّ أو جلود  الحيوانات حيث أسّسوا مصنعاً للورق وعنهم أخذته البلدان الأوروبية في القرن الثاني عشر. وقد أنشئ أوّل مصنع للورق في إنكلترا في القرن الخامس عشر. وفي عام 1436 إخترع  العالم غوتينبرغ الطباعة فكان ذلك الإختراع فتحاً عظيماً، وقفزة نوعية هامّة، وفاصلة في تاريخ الكتاب والكتابة، حيث تمّ نقل الكتاب من طور المخطوط الغميس، إلى المخطوط  المكتوب أو المطبوع الصّقيل.

جرائم  إحراق الكتب

من المعروف أنّ  الكتبُ والمخطوطاتُ  قد تعرّضت منذ أقدم العصور للمتابعة، والمصادرة، والرقابة،والتضييق، والحرق، والإتلاف… كان الكتاب منذ القدم هو الوسيلة التي تنقل بواسطته العلوم  والحكمة والمعارف وأسرار الحروب وخطط الدفاع والهجوم، وفيها كانت تُسجّل الإختراعات وأسرار الدّول والصنائع، والمُخترعات، بل كان الكتاب هو السّلاح  الاكثر فتكاً، والوسيلة المثلى والأنجع للتنوير والتعليم وتثقيف العقول وتهذيب النفوس وتغذية القلوب وملئها بنور الإيمان والهداية والاستقامة والتقوى . كانت كلمة ” إقرأ”  أوّل ما نزل من القرآن الكريم وفي سورة البقرة يرد إسم الكتاب ،كتاب الله فيقول جلّ جلاله: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين) . وغيرُ خافٍ أن كتب المسلمين  ومخطوطاتهم في الأندلس  كانت تثير الرّعبَ والهلعَ في قلوب الإسبان المتزمّتين منهم، في حين كان يحتفي ويُعْنىَ بها آخرون، وتحضرنا فى هذا المجال حادثة مؤلمة  وحزينة  إقترفها  الكاردينال الإسباني “سيسنيروس” حيث  أمر عام 1501 بحرق مكتبة مدينة الزّهراء التي كان فيها ما ينيف على ستمئة الف مخطوط في مكان يسمّى “باب الرملة” Bib Rambla بغرناطة، وما زال  إسم هذه الساحة مكتوباً على رخامة ملصقة بجدرانها حتى اليوم، وعلى إثر هذه الجريمة الشنعاء إختفت العديد من المخطوطات الكتب النفيسة التى أبدعها علماء أجلاّء في مختلف فروع  العلم والمعارف بالأندلس، ويحكي لنا التاريخ إنّ الجنود الذين كلّفوا بالقيام بهذه المهمّة كانوا يُخفون بعضَ هذه الكتب أثناء إضرامهم النارَ فيها في ثنايا أرديتهم لفرط جمالها، وروعتها، وبهائها، إذ كان بعضها مكتوباً بماء الذهب. وقد وصف لنا العديد من شعراء الأندلس بحسرة ما بعدها حسرة كيف أنّ الإسبان بعد حروب الإسترداد كانوا يحرقون الكتبَ، ويتلفون المخطوطات العربية، ويلطّخونها على مرأىً من الملأ وفي ذلك أشعار كثيرة مشهورة ومؤثرة.

وفي بلدان أميركا اللاتينية أعاد التاريخ نفسه حيث قام الاسبان عند إكتشافهم لها عام 1492 بحرق العديد من المخطوطات، والكتب، والأسفار القديمة التي تعود لشعوب المايا، والأزتيك في المكسيك، ولشعوب الإنكا، والموشيك في البيرو، وقد تمّ ذلك أمام أعين أصحابها من السكّان الأصلييّن في هاذين البلدين وفي سواهما من بلدان أميركا الجنوبية الأخرى.

وإحراقُ الكتب أو إتلافها يجري عادة في العلن لأسباب أخلاقية أو سياسية، أو أيديولوجية، أو دينية. وقد يتمّ التخلّص من الكتب سريّاً كما حدث لملايين الكتب التي تمّ إحراقها في الكتلة الشيوعية الشرقية. ويذكر لنا التاريخ العديدَ من الأمثلة لهذه الجرائم التي لا تُغتفر. فبالإضافة الى حرق كتب المسلمين في الأندلس، وكتب المايا والإنكا في المكسيك والبيرو، نذكر حرق الكتب على عهد أسرة تشين الصينية، وحرق النازييّن لكتب خصومهم في أوروبّا. وتُعتبر حوادث حرق الكتب جرائم  لا تُغتفر في حقّ العلم، والإنسانية .

نهب مخطوطات مغربية نفيسة

يعتقد غير قليل من الدارسين  من باب الخطأ أنّ مكتبة ديرالإسكوربال الذي يبعد عن  مدريد بحوالي 45 كيلومتر، المليئة بالمخطوطات العربية الثمينة أنها من مخلّفات علماء المسلمين في إسبانيا، والحقيقة أنّ محاكم التفتيش الكاثوليكية  المتعصّبة كانت أحرقت معظم الكتب العربية أينما وُجدت، ولم يبق بعد خروج المسلمين من الأندلس كتب عربية تستحقّ الذّكر. وكان المنصور الذهبي السعدي مولعاً بإقتناء الكتب وجمع منها خزانة عظيمة، وسار إبنه زيدان على سنته في الإهتمام  والعناية بالكتب، فنمّى المكتبة التي كانت عند والده. ولمّا قام عليه أحدُ أقاربه، وإضطرّ للفرار، كان أوّل ما فكر فيه خزانة كتبه، فوضعها في صناديق ووجّهها الى مدينة آسفي لتُشحن في سفينة كانت هناك لأحد الفرنسيين وهو( القنصل الفرنسي كاستيلان) لينقلها الى أحد مراسي سوس بجنوب المغرب. فلمّا وصلت السفينة إنتظر كاستلان مدّة أن يدفع له أجرة عمله، ولما طال عليه الأمر هرب بمركبه وشحنته الثمينة، فتعرض له في عرض البحر قبالة مدينة سلا  قرصان إسباني يُدعى ( الأميرال فاخاردو) وطارده واستولى على الصناديق، ولا شكّ أنهم كانوا يظنّون أنها مملوءة بالذهب، فلمّا فتحوها ولم يجدوا بها إلا الكتب، فكروا، من حُسن الحظ أن يقدّموها هديّة لملكهم. ولما وصلت هذه الكتب إلى الملك الاسباني فيليبي الثاني، الذي كان منهمكاً في بناء الدّير الفخم للقدّيس لورينثو بالمحلّ المُسمّى اليوم الإسكوريال أوقفها على هذا الدّير، وهي التي لا تزال موجودة به الى اليوم ، يقصدها العلماءُ  والطلاّب من كلّ الأقطار للإستفادة من ذخائرها، ونفائسها. وما فتئ المغرب يطالب باسترجاع هذه الكتب والمخطوطات الى ايوم .

حكايات الكتاب وطرائفه

من المعروف ان  الكتاب  كان يحظى بعناية خاصّة عند العرب وما يزال، فقد جمع الخلفاء في المشرق والمغرب الآلاف من أمّهات الكتب والمخطوطات، فمدينة قرطبة كانت تحفل بالمكتبات وأروقة العلم وبيوت الحكمة، كانت تزيّن خزانة الحكم المستنصر بها أزيد من أربعمئة ألف مخطوط، هذا الرجل الذي قال عنه “بول لين ” إنه كان دودة كتب، وعنه يقول إبن خلدون: إنّه جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله . كما إعتنى هارون الرشيد في المشرق بجلب العديد من الكتب والمخطوطات من الدّيار التي فتحها. وقد بلغ نشاط بيت الحكمة ببغداد ذروته على عهد الخليفة المأمون الذي أولاه عناية خاصّة، ووهبه كثيرا من ماله ووقته. وأهمّ ما ميّز بيت الحكمة الخزانة العظمى التي كانت بها وقد تمّ تدمير العديد من نفائسها على يد المغول عام 1258. كان العلماء يحبّون الكتب حبّا جمّا، معروف أنّ أبا عثمان الجاحظ مات تحت أكوام كتبه، وكان هؤلاء العلماء يتحمّلون المشاقّ ووعثاء السّفر لطبع كتبهم، وكانت مسألة إعارة الكتب شيئاً ممقوتاً عندهم، وكان شاعرهم يقول في ذلك:

ألا يا مُسعيرَ الكتب دعني/  فإنّ إعارتي للكتب عارُ

فمحبوبي من الدنيا كتاب  /  وهل أبصرت محبوباً يُعارُ .

وكانوا يقولون إنّ الكتاب الذي يعار  قد لا يردّ إلى صاحبه، وهم محقّون في ذلك، إذ يُحكى أنّ الكاتب الفرنسي ” إميل زولا”  زاره ذات مرّة أحدُ أصدقائه في منزله ، وعندما بدأ يطّلع ويتفقّد مكتبة زولا الكبيرة، وفجأةً وقع نظرُه على كتابٍ كان يبحث عنه منذ مدّة، فقال لصديقه زولا : هل لك أن تعيرني هذا الكتاب؟ فقال زولا له على الفور: لا، لا أستطيع أن أعيرك إيّاه، فالكتاب الذي يُعار لا يُردّ إلى صاحبه، والدّليل على ذلك أنّ معظم الكتب التي ترى في هذه المكتبة مُعارة.. ! وكان الكاتب الإيرلندي الساخر برنارد شو يتجوّل ذات مرّة بسوق الكتب القديمة، وفجأة وقع نظرُه على كتابٍ له كان قد صدر مؤخّراً، وكان قد أهداه لأحد زملائه الأدباء، فباعه هذا الأخير من دون أن يفتح أوراقه التي كانت لا تزال لصيقةً ببعضها، كما كانت العادة بالنسبة إلى الكتب الصّادرة فى ذلك الحين، فاشترى شّو الكتاب، وكتب تحت الإهداء القديم ما يلي : برنارد شو يُجدّد تحيّاته، ثمّ بحث عن صديقه وسلّمه إليه من جديد.! يقول  الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس الى اليوم أبو الطيّب المتنبّي عن الكتاب:

أعزّ مَكانٍ في الدّنى سرجُ سابحٍ / وخيرُ جَليسٍ في الزّمان كتابُ.

وكان أمير الشعراء  احمد شوقي  يقول:

 أنا من بدّلَ بالكتبِ الصّحَابَا / لم أجدْ لي وافيّاً إلاّ الكتابَا!

شارك هذا الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!