كيف غابت أسماء عن معرض الكتاب 2026؟

كيف غابت أسماء عن معرض الكتاب 2026؟

مبارك بيداقي

       انعقد المعرض الدولي للكتاب والنشر في دورته الحادية والثلاثين ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026، مواصلاً حضوره الثقافي منذ انتقاله إلى مدينة الرباط سنة 2022. وتكتسي دورة هذه السنة رمزية خاصة، لتزامنها مع اختيار منظمة اليونسكو لمدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026، وهو حدث ثقافي يمنح المعرض بعدا دوليا ويضاعف من مسؤولية الارتقاء بمستوى تنظيمه وبرمجته الفكرية والثقافية.

غير أن ما يثير الانتباه في كل دورة، هو استمرار الغموض الذي يكتنف آليات الاختيار والمشاركة في الأنشطة الثقافية المصاحبة للمعرض. ذلك أن الرأي العام الثقافي لا يكاد يطلع على المعايير المعتمدة في انتقاء المشاركين أو طبيعة عمل اللجان المكلفة بالاختيار وبالبرمجة الثقافية. وكان من الأجدر أن يتم توضيح هذه الجوانب ضمن دليل المعرض أو عبر بلاغات تواصلية تضمن الشفافية وتفتح المجال أمام الفاعلين الثقافيين لفهم أسس الاختيار.

ولا شك أن استضافة أسماء وطنية يظل نقطة إيجابية تحسب للجهات المنظمة، غير أن الملاحظ أيضا هو تكرار حضور بعض الأسماء في معظم الدورات، سواء كانت لها إصدارات جديدة أم يعاد تقديم أعمال سبق تداولها منذ سنوات. وبعض هذه الأسماء ليس لها رسوخ فعلي في المشهد الثقافي مقارنة بأخرى تجتهد في مجال تخصصها وفي تحقيق تراكم معرفي يفيد منه القراء. هكذا مثلا تم إغفال عدد من الباحثين والمبدعين الذين راكموا تجارب جادة وأسهموا بإصدارات نوعية في مجالات الأدب والنقد والتاريخ والبحث الميداني، وأصبح لهم حضور وازن في الساحة الثقافية المغربية لدى الباحثين والقراء على السواء.

ويضيف الدكتور مصطفى غلمان (انظر هسبريس 6 ماي 2026) أن “المفارقة تزداد حين تُخصَّص مساحات واسعة من اللقاءات لدوائر محددة من المتحكمين في البرمجة، فتتحول التظاهرة من فضاء تعددي إلى ما يشبه «حلقة مغلقة» تعيد إنتاج نفسها. هنا يفقد المعرض أحد شروطه الأساسية: أن يكون فضاءً للقاء المختلف، لا لتكريس التشابه”.

ومن بين الأسماء الوازنة لدى النخبة والقراء والتي أغفلتها هذه الدورة، وربما دورات سابقة أيضاً، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور الحبيب الدايم ربي المتخصص في أدب جمال الغيطاني، والروائي والمترجم محمد صوف، وإبراهيم كريدية مؤرخ مدينة آسفي، والناقد صدوق نور الدين، والباحث المصطفى اجْماهري صاحب دفاتر الجديدة، وأحمد لعيوني المتخصص في تاريخ منطقة امزاب وعمر لخضر مؤرخ الصويرة. وهذه الأسماء ليست سوى نماذج لقامات أكاديمية وإبداعية تواصل اشتغالها الثقافي بجدية وصمت، دون أن تحظى بالتمثيلية التي تستحقها داخل هذه التظاهرة الوطنية الكبرى. إن دعوة هؤلاء ليست مجرد إجراء بروتوكولي أو رغبة في التفاخر، بل هي ضرورة يمليها منجزهم المعرفي في ميادين اشتغالهم، وهي منجزات تحققت بمجهودات فردية مستمرة في الزمن، ومشهود لها بالدقة والرصانة من طرف النقاد والمختصين.

ويجب التأكيد على أن المقصود هو استحضار هذه القامات ضمن البرمجة الثقافية الرسمية والندوات الفكرية، وليس مجرد حضورهم لتوقيع نسخة أو نسختين من كتاب في أروقة البيع لأخذ صور تذكارية عابرة. فدعوة هؤلاء هي استحقاق يفرضه ما أنجزوه من تراكم إبداعي أو بحثي. بل إن المفارقة تزداد حين نجد أسماء لا تتوفر على تراكم تأليفي وازن في السوق تحظى بالدعوة والمشاركة في كل دورة وفي المقابل يحرم آخرون.

إن تجديد النخب الثقافية المشاركة، وفتح المجال تدريجيا أمام وجوه جديدة وطاقات بحثية وإبداعية واعدة، لا يعد ترفا تنظيميا، بقدر ما يعتبر ضرورة ثقافية لضمان حيوية المعرض واستمراره كمنصة تعكس حقيقة المشهد الثقافي المغربي بتنوعه وغناه. فالمعرض الدولي للكتاب ليس مجرد فضاء للبيع والاقتناء، بل هو مناسبة للاعتراف بالمجهود الفكري وتشجيع الباحثين والمبدعين على مواصلة العطاء.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إلى أي حد تواكب اللجان المشرفة على المعرض التحولات التي يعرفها المشهد الثقافي المغربي؟ وهل تعتمد في اختياراتها على متابعة فعلية للإنتاج الفكري والإبداعي الوطني، أم أن جزءا من البرمجة ما يزال يخضع لمنطق الأسماء المتداولة والاختيارات المتكررة؟ إن الجواب عن هذا السؤال يظل مدخلا أساسيا لتطوير المعرض وتعزيز مصداقيته الثقافية، بما ينسجم مع مكانة المغرب الثقافية.

شارك هذا الموضوع

مبارك بيداقي

إطار متقاعد مهتم بتاريخ الجديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!