نداء النخيل.. مدرسة الصمود الوجودي ومقاومة التصحر الروحي (2-3)
لحسن أوزين
ثالثًا: الواحة تقوي الإبداع، والفكر، وروح الإنسان
يشتغل نص “نداء النخيل” على أنسنة الصحراء ويُقدّسها رمزيًا، دون أن يُجرّد سكانها من واقعهم التاريخي والاجتماعي القاسي. النص يتحدث عن الصحراء كفضاء روحاني، وفي الوقت نفسه يجعلها فضاء اضطرار وعنف وبقاء.
صحيح بأن الكاتب هنا واقع تحت تأثير ما يمكن تسميته بـ«رومانسية المكان»؛ أي تحويل الصحراء إلى رمز للطهارة والحكمة والصفاء، متأثرًا غالبًا بخيبة المدينة وضجيجها. لذلك تصبح الواحات في النص ملاذًا نفسيًا أكثر من كونها مجالًا بشريًا يعيش فيه أناس حقيقيون بمعاناتهم اليومية. وهذا يخلق نوعًا من المفارقة: الصحراء تُقدَّم كأرض حرية وصفاء، بينما تاريخيًا كانت عند كثير من الجماعات أرض نجاة قسرية، أو هامشًا جغرافيًا دفعت إليه الحروب والمجاعات والصراعات القبلية والدولية.
فالكاتب يرى الغزلان وغياب بيض النعام بوصفه فقدانًا جماليًا، لكن ابن الصحراء قد يرى الأمر من زاوية أخرى: ندرة الماء، قسوة المناخ، العزلة، التهميش، الهجرة، الصراع على الكلأ، والعيش الدائم تحت تهديد الجفاف. لهذا تبدو الصحراء في النص «ميتافيزيقية» أكثر منها اجتماعية. والتاريخ البشري المفعم بالصراعات والحروب يعلمنا بأن وجود البشر هناك ليس دائمًا اختيارًا حرًا أو تعبيرًا عن انسجام شاعري مع الطبيعة، بل أحيانًا نتيجة الهروب من بطش سياسي أو قبلي، والاحتماء بالمجالات الهامشية، أو التكيّف القاسي مع شروط البقاء.
لكن الكاتب حاول قدر الإمكان بناء إنسان الصحراء، دون أن يسقط في رومانسية المكان، وما قد تسببه من بناء لأسطورة الصحراء. لذلك سد فجوة كبيرة بالتأكيد على أن المكان لا يُفهم فقط بجماله الرمزي، ولكن أيضًا بعلاقته بالقوة والخوف والاقتصاد والبقاء. لهذا لم تتورط الكتابة في تكريس الرومانسية، حيث لم تظهر الواحة في صورة أكثر اكتمالًا ونقاءً، ولا مجرد فضاء طبيعي، أو أسطورة وجودية تتمحور حول النخلة باعتبارها «جوهر الحياة». فقد ركز الكاتب على تناول اقتصاد الواحة وتعب الإنسان فيها، دون أن يصوغ ميثولوجيا كاملة للنخلة.
ونداء النخيل يمكن قراءته أيضًا بوصفه محاولة دفاع عاطفي عن عالم يشعر الكاتب أنه ينهار. لهذا يحتفي بالنخلة لأنها آخر ما بقي من معنى في مواجهة التصحر والتفكك الحديث. إنه يكتب من موقع الحنين والخوف من الفقد. ومع صفحات القراءة يتبين جهد الكاتب في تشريح معاناة الإنسان الهائلة التي جعلت الحياة ممكنة أصلًا. فالإنسان الصحراوي لا يعيش في الواحة لأنه وجد الفردوس، بل لأنه استطاع — عبر قرون — أن ينتزع شروط الحياة من بيئة تكاد ترفض الحياة نفسها. ولهذا فالصورة الأكثر توازنًا ربما تكون: الواحة ليست جحيمًا فقط، وليست فردوسًا أيضًا، إنها إنجازٌ بشري هشّ ضد العدم.
وتبلغ الرومانسية ذروتها فعلًا، حين يصف النخلة لا بوصفها نباتًا، وإنما بوصفها كائنًا وجوديًا يحمل مأساة الحياة نفسها. النخلة تتحول إلى استعارة للروح، للرأس، للنبض، للموت البطيء. وهذا ما يمكن أن ينتج في ذهن القارئ السؤال التالي: إذا كانت النخلة تُصوَّر بكل هذا الألم، فكيف استطاع الإنسان الذي يعيش الألم الحقيقي البقاء؟
هكذا الكتابة في هذا النص الجميل والمؤلم، تستبدل الإنسان بالنخلة. كأن معاناة البشر أصبحت تُقال بصورة رمزية عبر النبات. فمرض البيوض، والعطش، وجفاف الرأس، كلها ليست مجرد أوصاف زراعية؛ إنها لغة رثائية تُسقَط على الواحة كلها، وربما على الإنسان الصحراوي نفسه.
وربما سر هذا الشكل من الكتابة في تفاعلها مع الواحة نابع من دوافع نفسية عميقة، يمكن تحديدها على الشكل التالي:
1- الخوف من الفقد: الكاتب يشعر أن عالم الواحات يتآكل: النخيل يمرض، المطر يقل، الحياة القديمة تختفي. لذلك يكتب بلغة ارتباط وجداني عميق، كأن الكتابة محاولة إنقاذ رمزي لما ينهار واقعيًا.
2- الرد على قبح المدينة: كلما خابت تجربة الإنسان الحديثة — الزحام، الاغتراب، الاستهلاك — عاد بخياله إلى المكان الأول بوصفه أصل الصفاء. هنا تصبح الصحراء والواحة «فكرة أخلاقية» أكثر من كونهما واقعًا.
3- تحويل القسوة إلى معنى: الإنسان يحتمل الأمكنة القاسية حين يمنحها معنى ساميًا. فلو اقتصر السرد على الواحة فقط كفضاء عطش وفقر، لصارت جحيمًا عبثيًا. أما حين تُحوَّل إلى رمز للصمود والجذور والكرامة، فإن المعاناة تكتسب شرعية وجدانية.
4- النزعة الملحمية: النص يريد أن يقول إن الحياة في الواحة ليست مجرد عيش، بل مقاومة تاريخية ضد الفناء. لذلك يُضخّم النخلة لتصبح بطلة أسطورية.
وهذا البعد الجمالي لا يُخفي البنية القاسية للحياة. فرغم أن المعاناة تقدم بوصفها بطولة شعرية، فهذا لا يمنع القارئ من رؤية الظلم والتهميش والتعب الحقيقي الذي عاشه الناس هناك. ولهذا فالنص ينجح أدبيًا، لكونه يجمع بين البعد الإنساني والطبيعي، دون أن يمنح النخلة صوتًا أعلى من صوت البشر الذين سقوها بعرقهم وأعمارهم. لكن يمكن القول أيضًا، إن البشر حاضرون بصورة مستترة: فتراتيل المؤبّرين، وتوارث الأشعار، وطقوس العمل الجماعي، كلها علامات على استمرار النخلة، الذي هو في العمق استمرار للجماعة البشرية نفسها. لكن الكاتب يختار التعبير عن الإنسان عبر رموزه الزراعية والروحية، لا عبر واقعه الجسدي والاجتماعي المباشر.
لا يكتفي الكاتب بتمجيد الواحة، بل يجعلها مدرسة إدراكٍ فلسفي، حيث الطبيعة نفسها تتحول إلى نصٍّ أخلاقي ووجودي يجب تعلم قراءته.
- الدلالة الأولى العميقة للواحة: هي أن المظهر خادع؛ فالرمال تبدو صلبة وآمنة وجميلة: سوداء، لامعة، تتخللها بلورات براقة، مغرية للعبور. لكن تحت هذا الجمال يكمن «فخ الموت الزاحف». وهذه صورة شديدة الثراء رمزيًا، فما يبدو ثابتًا قد يكون أكثر الأشياء هشاشة، وما يجذب الإنسان قد يقوده إلى الهلاك، والخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا بصورة مرعبة، وإنما أحيانًا في هيئة جمال وإغراء. هنا تتجلى فلسفة الواحة التي يتحدث عنها الكاتب: المعرفة ليست نظرية، بل معرفة نجاة. أهل الواحة لا يفهمون الطبيعة بوصفها منظرًا، بل بوصفها قوة يجب قراءة إشاراتها بدقة. الخطأ في الفهم قد يعني الموت.
- الدلالة الثانية تتعلق بـحدود الإنسان أمام الطبيعة: تغريه الرمال الذهبية، لكن بعد لحظات، يتحول إلى كائن عاجز يغوص تدريجيًا. هذا التحول ينسف وهم السيطرة البشرية المطلقة. الطبيعة هنا ليست خلفية محايدة، بل كيان يمتحن الإنسان باستمرار.
لكن النص لا ينتهي بالهلاك، بل بالخلاص عبر التشبث بالشجيرات، والجذور المتجذرة على الحواف. وهذه صورة شديدة الأهمية؛ فالنجاة لا تأتي من القوة المجردة، ولكن من الارتباط بالأرض، ومعرفة تفاصيلها الدقيقة، والاستعانة بما يبدو صغيرًا وهامشيًا. كأن الكاتب يقول: الإنسان لا ينجو من الطبيعة إلا بفهمها، لا بمواجهتها بعنف.
وهناك أيضًا بعدٌ نفسي واضح، فالرمال هنا تشبه حالات الحياة التي يظن الإنسان أنه قادر على التحكم بها، ثم يكتشف أنه يغرق تدريجيًا: الطموح، السلطة، المدينة، الرغبات، أو حتى الأوهام الفكرية. كلها قد تبدأ بأرض «صلبة» وتنتهي بابتلاع بطيء.
وفي هذا التناول الفني الأدبي بما يمكن أن نسميه «فلسفة أهل الواحة»، فهو يمنح المشاهد إطارًا تأويليًا مهمًا: الحكمة هنا ليست تأملًا مجردًا، بل ثمرة الععيش قرب الخطر الدائم. لهذا تصبح أشعارهم «معرفة بيئية ووجودية» في آنٍ واحد. فالإنسان الصحراوي — في تصور الكاتب — تعلم من الطبيعة: الحذر، الصبر، الشك في المظاهر، والاعتماد على الإشارات الصغيرة للبقاء.
لهذا يظل السؤال يرافق سيرورة القراءة من صفحة لأخرى: لماذا يبقى الإنسان في مكان يبدو معاديًا للحياة أصلًا؟ والإجابة ليست بسيطة، لأن التعلّق بالواحة أو بالصحراء لا يمكن تفسيره بمنطق الراحة والمنفعة وحدهما. الإنسان لا يعيش فقط حيث تكون الحياة سهلة، بل حيث يشعر أن وجوده له معنى وجذور وكرامة.
البدوي أو ابن الواحة لا يرى الصحراء دائمًا كما يراها القادم من الخارج. ما يبدو للغريب «حفلة موت» قد يكون بالنسبة إليه: عالمًا مألوفًا، ونظامًا مفهومًا، وفضاءً يمنحه هوية لا يجدها في مكان آخر. الخطر حين يتكرر ويتحوّل إلى جزء من الحياة اليومية، لا يعود استثناءً دائمًا. الإنسان يتعلّم العيش معه، بل يبني ثقافته وأخلاقه وذاكرته فوقه. لهذا تصبح الصحراء مدرسةً للقيم: الصبر، الحذر، الكرم، التضامن، معرفة العلامات، واحترام الطبيعة.
ثم إن الواحة ليست مجرد بيئة قاسية؛ إنها أيضًا ثمرة انتصار بشري نادر. وجود نخلة واحدة وسط العدم يحمل معنى هائلًا. الماء هناك ليس موردًا عاديًا، بل معجزة يومية. لذلك ينشأ نوع من العشق المأساوي للمكان: كل شيء صعب، ولهذا يصبح كل شيء ثمينًا.
وهناك أيضًا عامل عميق جدًا: الإنسان يتعلق بالأمكنة التي دفعت ثمن وجوده فيها. الواحات لم تُبنَ بسهولة: أجيال حفرت السواقي، وحمت الماء، وغرست النخيل، ودفنت موتاها هناك، وصاغت لغتها وذاكرتها وعلاقاتها في قلب هذه القسوة. لذلك يصبح الرحيل عنها أشبه باقتلاع الذات نفسها. حتى لو كانت البيئة قاسية، فهي ليست مجرد جغرافيا؛ إنها تاريخ عائلي وروحي كامل.
ومن زاوية أخرى، قد يكون في الصحراء نوع من الحرية الوجودية التي لا يجدها الإنسان في المدن: اتساع الأفق، قلة الزحام، قرب السماء، الإحساس الخام بالطبيعة والزمن، والشعور بأن الإنسان يواجه الوجود مباشرة دون وسائط كثيرة. لهذا نجد كثيرًا من الأدب الصحراوي يحوّل القسوة نفسها إلى مصدر معنى. فحين تكون الحياة مهددة باستمرار، يصبح البقاء بطولة يومية، ويصبح للعيش طعم أكثر كثافة.
النص لا يغرق في التأمل الجمالي وحده. ففي كثير من المشاهد تظهر الواحة بوصفها كائنًا مهددًا بالزوال، ويظهر الإنسان لا كشاعر متبتل بالطبيعة، بل كجماعة خائفة على مصيرها. فحين يتحدث عن النهر، نستنتج الدلالة العميقة الأولى، هي أنه ليس مجرد ماء، فهو عمود الوجود نفسه.
وحين يشبّه الكاتب النهر المتحول إلى: أكواب بالية متباعدة على طاولة بئيسة، فهو لا يرثي الجفاف الطبيعي فقط، لكنه يرثي أيضًا تفكك الحياة والمعنى والاستمرارية. الصورة تحمل إحساسًا بالإهانة أيضًا: نهر «الجلال والفخامة» صار بقايا متناثرة، كأن الطبيعة نفسها فقدت هيبتها. وهنا يظهر لأول مرة بوضوح خوف الإنسان من المستقبل، لا مجرد انبهاره بالمكان.
أما اللقالق فوجودها رمزي جدًا. الطيور المهاجرة في الثقافات التقليدية ليست مجرد كائنات عابرة؛ إنها علامات كونية تربط الإنسان بإيقاع الفصول واستمرار الزمن الطبيعي. عودتها السنوية تعني: أن النظام الكوني ما زال قائمًا، أن الماء سيبقى، وأن الحياة ستتكرر كما اعتادت دائمًا. لكن تأخرها هذه المرة يفتح باب الرعب: ماذا لو انكسر الإيقاع القديم كله؟ ولهذا يصبح غياب اللقالق أخطر من مجرد حدث بيئي؛ إنه تهديد رمزي بانقطاع العهد بين الطبيعة والإنسان.
فالسؤال: هل النهر يحتضر؟ ليس سؤالًا عن النهر فقط، بل عن الواحة نفسها: هل تحتضر الجماعة؟ الذاكرة؟ أسلوب الحياة؟ معنى البقاء في هذا المكان؟
هذه الأسئلة تكشف شيئًا مهمًا جدًا في ثقافة الواحات: الإنسان هناك يعيش ضمن حساسية عالية تجاه العلامات الطبيعية. الطيور، الماء، الرياح، مواسم النخيل… ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات مصيرية. لأن أي خلل صغير قد يعني: المجاعة، الهجرة، انهيار التوازن، أو الموت البطيء للواحة. لهذا يبدو خوف أهل الواحة وجوديًا لا بيئيًا فقط. ومع ذلك، النص يظل وفيًا لأسلوبه الرمزي؛ فهو لا يتحدث عن: السياسات المائية، التصحر، الاقتصاد، الهجرة، أو فشل الدولة الحديثة في حماية الواحات. فالكاتب يحوّل الأزمة إلى قدر كوني غامض: غدٍ لا يعلمه إلا الله. وهذا يمنح الكتابة رهبة شعرية، مع بقاء الكارثة في مستوى الميتافيزيقا أكثر من التاريخ والواقع المادي.
ومع هذا، ربما هنا تحديدًا تتضح حقيقة تعلق الإنسان بالواحة: الناس لا يتشبثون بها لأنها مريحة، بل لأنها عالمهم الوحيد الممكن. فإذا مات النهر، لا يفقدون موردًا طبيعيًا فقط، لكنهم يفقدون أنفسهم أيضًا.
هنا يعود السؤال بصورة أكثر ألمًا: إذا كانت الحياة في الواحة والصحراء قاسية إلى هذا الحد، فلماذا يبدو اختفاء هذا العالم مأساة؟ لماذا يُرثى صوت الحوافر والغبار والقطعان كأنها فردوس ضائع؟
وسرعان ما تكشف الكتابة بحرقة بعض الأسرار، حيث لم يعد الأمر متعلقًا بالطبيعة وحدها، وإنما بـ«شكل الحياة» الذي كان يمنح الإنسان إحساسًا بالانتماء والإيقاع والمعنى. فالكاتب لا يحن فقط إلى الإبل أو الرعي، ولكن إلى: الإيقاع البطيء للحياة، والعلاقة الحسية المباشرة بالأرض، والانسجام بين الإنسان والصوت والزمن.
الجميل في النص تبعًا للمعاني التي تمت الإشارة إليها، هذا الالتقاط لرعب التحول والصيرورة التي تغير أفق المعنى القابع في أعماق النفس. حيث يتحول صوت الحوافر إلى «سيمفونية». هذه ليست مبالغة جمالية فقط، إنها محاولة لاستعادة عالم كان الإنسان يشعر فيه أنه جزء من الطبيعة لا مجرد مستهلك لها. حتى اختلاف الأصوات بين الرمل والحصى يحمل معنى: الأرض كانت «تتكلم»، والإنسان كان يفهم لغتها.
أما اليوم، فـ: “مركبات الحياة الحديثة وصخبها غطت على تلك الأصداء”. وهنا تتضح المأساة الحقيقية عند الكاتب: ليس موت الصحراء الفيزيائي، ولكن المسألة أكثر من ذلك؛ موت نمط إدراك كامل للعالم. الحداثة في النص ليست مجرد سيارات وآلات، بل قوة تمحو: الذاكرة السمعية، الإيقاع الجماعي، وحميمية العلاقة بالمكان.
ولهذا يصبح الحنين قويًا حتى لو كان الماضي قاسيًا؛ فالإنسان لا يحن دائمًا إلى الراحة، بل إلى العالم الذي كان يفهم نفسه داخله. وهذا يفسر مفارقة تعلق البدوي أو ابن الواحة بأرض تبدو جهنمية: القسوة كانت مفهومة، والخطر كان مرئيًا، وإيقاع الحياة كان واضحًا، والعلاقة بالطبيعة مباشرة وصادقة. أما العالم الحديث، رغم راحته النسبية، فيخلق اغترابًا: ضجيج بلا معنى، وسرعة بلا جذور، وحياة منفصلة عن الأرض. لهذا تصبح حتى المعاناة القديمة قابلة للتقديس في الذاكرة، لأنها كانت جزءًا من عالم متماسك رمزيًا وإن كان قاسيًا ماديًا.
لكن هنا أيضًا ينبغي الحذر من فخ الرومانسية؛ فالكاتب يرثي اختفاء القطعان والأصوات، لكنه لا يسأل بعمق: لماذا اختفت؟ هل كان الرعي التقليدي قابلًا للاستمرار؟ ماذا كان ثمن تلك الحياة على البشر أنفسهم؟ هل كان الناس سعداء فعلًا، أم فقط متكيفين؟
فالحنين بطبيعته ينتقي ما يريد الاحتفاظ به: يحتفظ بالسمفونية وينسى التعب، يحتفظ بالغبار الذهبي وينسى الجوع والعزلة. ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا الحنين في الوهم فقط؛ لأن الإنسان يحتاج إلى شعور بالاستمرارية مع المكان والزمن. حين تختفي الأصوات القديمة، يشعر الناس أحيانًا أن جزءًا من ذاكرتهم الداخلية قد اختفى أيضًا. فالكتاب في طيات وشقوق سطوره يبين بأن الأمر ليس مجرد رثاء للقطعان، إنه رثاء لإنسان كان يعرف كيف يسمع العالم بطريقة مختلفة.
وهناك صفحات شديدة الحساسية والتعقيد حول تقديس البدوي للكبش، لأنها لا تتحدث فقط عن الكبش كحيوان، ولكن عن بناء رمزي كامل يربط: الطاعة، والقربان، والقداسة، والخضوع للنظام الكوني أو الإلهي. والنص ممعن في محاولة أن يفسر تقديس الكبش عبر صفاته: الوداعة، والطاعة، وسهولة الانقياد، وقابليته للأضحية.
وقد يثير هذا الأمر اعتراضًا من طرف القارئ، حين يرى الكاتب يمنح قيمة أخلاقية للخضوع نفسه، ويحوّل القابلية للذبح إلى فضيلة رمزية. هنا تحديدًا يظهر البعد الإشكالي في النص، لأن الطاعة تُقرأ بوصفها سموًا روحيًا، لا فقدانًا للإرادة. وهذا التأويل ليس بريئًا ثقافيًا، بل له جذور عميقة جدًا في تاريخ المجتمعات الرعوية والدينية؛ فالكبش في حضارات كثيرة كان رمزًا للخصوبة، والقوة الذكورية، والقربان، والوساطة بين الإنسان والإله. لكن الأديان التوحيدية، خاصة ضمن سردية الأضحية، أعادت توجيه هذا الرمز نحو معنى الطاعة والتسليم. ومن هنا ينشأ الربط الذي يقدمه النص: قيمة الكبش ليست في قوته، بل في استسلامه.
وهذا ما يجعل القارئ يشعر بوجود تداخل خطير بين القداسة والخنوع؛ فالكاتب لا يسأل: لماذا يُمجَّد الكائن المطيع؟ ولماذا يصبح الانقياد فضيلة؟ ولماذا يُحوَّل الذبح إلى معنى روحي سامٍ؟ فهو يتعامل مع ذلك كحكمة شبه بديهية.
